الرياض والرهان الخاسر على الجنرال .. لماذا عجزت السعودية عن استمالة المدنيين وإعادة تسويق البرهان؟

13
slman

قال الصحفي والناشط السياسي مجاهد بشرى إن إخفاق السعودية في استمالة القوى المدنية السودانية لا يرتبط بضعف اتصالاتها أو حوافزها، بقدر ما يعكس سوء تقديرها للتحول العميق في الموقف المدني، الذي تجاوز التفاوض على شروط الشراكة مع البرهان إلى رفض مبدأ الشراكة العسكرية من أساسه.

متابعات – بلو نيوز

قال الصحفي والناشط السياسي مجاهد بشرى إن المقاربة السعودية تجاه الأزمة السودانية، منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ظلت محكومة بمعادلة تنظر إلى المدنيين باعتبارهم مصدراً للشرعية السياسية، بينما تتعامل مع العسكريين بوصفهم مركز القوة وضمانة الاستقرار وحماية مؤسسات الدولة.

وأوضح بشرى، في تقرير تحليلي بعنوان “لماذا أخفقت الرياض في كسب القوى المدنية إلى جانب البرهان؟”، أن هذه المعادلة أفضت، بعد سنوات من الانقلابات والتسويات المنهارة والحرب، إلى اتساع الفجوة بين الرياض وقطاعات واسعة من القوى المدنية السودانية.

وأشار إلى أن رفض إعادة تسويق قائد الجيش، عبدالفتاح البرهان، سياسياً لم يعد مقتصراً على قوى التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، بل يشمل أيضاً قوى مدنية وسياسية داخل تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، رغم الاختلافات الجوهرية بين التحالفين في تشخيص الحرب وسبل إنهائها.

ورأى بشرى أن علاقات الرياض التاريخية بالسودان مرت أساساً عبر مؤسسات الدولة الرسمية، وفي مقدمتها الجيش، وتعززت من خلال مشاركة قوات سودانية ضمن التحالف العسكري الذي قادته السعودية في حرب اليمن.

وفي المقابل، لم تنجح السعودية، وفق التقرير، في بناء علاقات مؤسسية عميقة ومستدامة مع لجان المقاومة والنقابات المهنية والمكونات النسوية والشبابية ومراكز التفكير والقيادات المدنية الصاعدة.

واعتبر أن هذا الاختلال منح العسكريين أفضلية داخل الحسابات السعودية، بوصفهم الطرف الأكثر تنظيماً وقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، بينما جرى التعامل مع المدنيين باعتبارهم طرفاً مطلوباً لإضفاء الشرعية على تسويات تحتفظ فيها المؤسسة العسكرية بموقعها السيادي ونفوذها السياسي.

وحدد التقرير انقلاب 25 أكتوبر 2021 بوصفه نقطة التحول الأبرز في علاقة القوى المدنية بالمقاربة السعودية، موضحاً أن الرياض تعاملت معه باعتباره أزمة داخل الشراكة يمكن معالجتها بإعادة المدنيين إلى الحكومة والتوصل إلى تفاهم جديد مع العسكريين.

لكن قطاعات واسعة من المدنيين رأت، بحسب بشرى، أن الانقلاب أثبت فشل الشراكة نفسها، وأن المؤسسة العسكرية استخدمتها جسراً للانقضاض على الانتقال الديمقراطي، ما نقل الخلاف من شروط التسوية إلى تعريف الحل ذاته: هل المطلوب ترميم الشراكة أم إنهاء الوصاية العسكرية على السياسة؟

وأشار إلى أن ترحيب السعودية باتفاق عبدالله حمدوك والبرهان في نوفمبر 2021، ثم دعمها الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022، عززا مخاوف القوى المدنية من إعادة إنتاج تسويات تعتمد على تعهدات القيادات العسكرية، من دون ضمانات مؤسسية تمنع نقضها أو تكرار الانقلاب.

وتناول التقرير استضافة السعودية مفاوضات جدة بين الجيش وقوات الدعم السريع عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، معتبراً أن حصر التفاوض في الطرفين المسلحين كان مفهوماً من الناحيتين العسكرية والإنسانية، باعتبار قدرتهما على تنفيذ وقف إطلاق النار أو خرقه.

غير أن هذا المسار أعاد، وفق بشرى، تثبيت حملة السلاح باعتبارهم أصحاب القرار الفعلي في الحرب والسلام، بينما ظلت القوى المدنية خارج مركز المفاوضات، ولا تُستدعى إلا في مراحل لاحقة لمنح التسويات المحتملة شرعيتها السياسية والمجتمعية.

وأكد أن استمرار الحرب وتعثر منبر جدة وانهيار الاتفاقات السابقة قوضت ما تبقى من الثقة بين المدنيين وقيادة الجيش، وجعلت إعادة تقديم البرهان شريكاً في انتقال سياسي جديد مهمة بالغة التعقيد.

وقال بشرى إن المشكلة لدى قطاع واسع من المدنيين لم تعد مرتبطة بالحصول على ضمانات إضافية للشراكة مع البرهان، وإنما برفض العودة إلى بنية سياسية يحتفظ فيها الجيش بالسلاح والموارد السيادية والنفوذ، بينما تتحمل حكومة مدنية أعباء الإدارة والاقتصاد قبل أن تصبح عرضة لانقلاب جديد.

وخلص إلى أن الخطأ السعودي لم يقتصر على الرهان على البرهان، بل تمثل في سوء قراءة التحول الذي أحدثته الثورة وانقلاب أكتوبر والحرب في الوعي المدني السوداني.

وأضاف أن الرياض ظلت تسأل عن كيفية إعادة بناء الدولة عبر شراكة بين الجيش والمدنيين، بينما أصبح السؤال المركزي لدى قوى مدنية واسعة هو كيفية بناء دولة لا يستطيع الجيش الانقلاب عليها أو إخضاعها لإرادته مرة أخرى.

وشدد بشرى على أن استعادة السعودية ثقة القوى المدنية تتطلب الانتقال من البحث عن مدنيين يمنحون العسكريين الشرعية إلى دعم عملية سياسية تجعل الإرادة المدنية أساساً للسلطة، وتُخضع المؤسسة العسكرية للدولة، وتربط أي تسوية بضمانات حقيقية للمساءلة والإصلاح الأمني.

واختتم تقريره بالتأكيد على أن استمرار الرهان على دفع الحرب والإنهاك الاقتصادي للقوى المدنية نحو قبول البرهان يتجاهل حقيقة أن رفض الحكم العسكري أصبح، لدى قطاعات واسعة، موقفاً مرتبطاً بمستقبل الدولة نفسها، وأن البرهان لم يعد بالنسبة إليها مشروعاً سياسياً قابلاً لإعادة التسويق.

What do you feel about this?