الذهب السوداني المهرب يغذي صادرات مصر ويضاعف احتياطياتها

9
gold

تقرير: صحيح السودان

كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحاً عندما أنهى راشد تسليم شحنة الذهب على الجانب السوداني من الحدود. لم يستلم في المقابل نقوداً أو شيكاً، لكن بعد ثلاثين دقيقة فقط وصلت إلى من يمثله في القاهرة رسالة تؤكد جاهزية كامل قيمة الصفقة، وتسلّم المبلغ في المكان المتفق عليه.

بالنسبة لراشد انتهت العملية، أما بالنسبة لفريق التحقيق فكانت بداية رحلة استمرت أكثر من ستة أشهر لتتبع مسار الذهب من مناطق التعدين في السودان إلى الأسواق المصرية.

أرقام تطرح الأسئلة

تكشف بيانات البنك المركزي المصري والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تحول لافت في ملف الذهب بين عامي 2023 و2026.

فبينما ارتفع الاحتياطي الرسمي من 125.92 طناً بنهاية 2023 إلى 129.51 طناً في الربع الأول من 2026، قفزت قيمته من 10.644 مليار دولار نهاية 2024 إلى 18.166 مليار دولار نهاية 2025، قبل أن تتراجع إلى 16.784 مليار دولار في يونيو 2026 بفعل انخفاض الأسعار العالمية، مع بقاء الوزن الفعلي مستقراً تقريباً.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الذهب والحلي من 1.85 مليار دولار عام 2023 إلى 3.2 مليار دولار عام 2024، ثم 7.6 مليار دولار عام 2025، بنمو 137.5%، واستمرت عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر الأولى من 2026. وتطرح هذه الأرقام سؤالاً محورياً: من أين جاءت الكميات التي غذّت هذا النمو، في ظل غياب توسع معلن في إنتاج المناجم المصرية يواكب هذه القفزة؟

المفارقة الإنتاجية

تكشف مراجعة بيانات الإنتاج المحلي عن فجوة واضحة بين نمو تجارة الذهب والإنتاج المصري. فمنجم السكري، المنتج الرئيسي للذهب في البلاد، ارتفع إنتاجه من نحو 481 ألف أوقية عام 2024 إلى حوالي 500 ألف أوقية عام 2025، بزيادة لا تتجاوز 4%.

أما منجم أبو مروات، الذي يُعوّل عليه لزيادة الإنتاج مستقبلاً، فقد بقي في مراحل الاستكشاف والتقييم، مع توقع بدء الإنتاج التجاري في أواخر 2026 ومطلع 2027.

ولا تثبت هذه المفارقة وحدها وجود مصدر محدد للذهب، لكنها تثير سؤالاً حول العوامل التي غذّت الطفرة: إذا لم تكن المناجم المصرية قد أنتجت الكميات التي تفسر هذا النمو، فمن أين جاء الذهب؟

أول خيط.. من سوق الصاغة

بدأ التحقيق من سوق الصاغة في شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة، حيث أجرى الفريق مقابلات مع عدد من التجار بحثاً عن تفسير للتحولات التي تعكسها الأرقام الرسمية.

وقال تاجر وافق على استخدام اسم مستعار هو “مراد”: “من وجهة نظري، فإن تدفق الذهب السوداني إلى مصر كان سبباً رئيسياً في زيادة الاحتياط المصري، إلا أن الخام السوداني لا يصل إلى سوق الصاغة، ولا يستطيع أي تاجر شراءه مباشرة. هناك جهة واحدة في القاهرة تحتكر شراءه، والصفقات تُحسم عند الحدود”.

لم تكن شهادة مراد دليلاً قاطعاً، لكنها شكلت أول خيط ميداني قاد التحقيق إلى الحدود السودانية المصرية.

الخيط الثاني.. خارج الحدود

قاد هذا الخيط فريق التحقيق إلى ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، قبل الوصول إلى مدينة أبو حمد، بحثاً عن رجل يُدعى فارس (اسم مستعار)، يعمل منذ سنوات في مجال التهريب بين السودان ومصر ويعرف مسالك الصحراء وشبكات العبور.

وبعد الوصول إليه، قدم فارس تفاصيل عن طرق النقل ونقاط التجميع وآليات التعامل بين البائعين والمشترين، مؤكداً أن الذهب المتجه إلى مصر يمر عبر شبكات تعتمد على طرق صحراوية قديمة بين البلدين.

خريطة تجميع الذهب داخل السودان

بحسب إفادة فارس، يتركز تجميع الذهب المتجه إلى مصر في سوقين رئيسيين: سوق الأنصاري بولاية البحر الأحمر، وسوق الأبيار بالقرب من وادي حلفا في الولاية الشمالية.

وأوضح أن الذهب في سوق الأبيار يُجمع من مناطق التعدين الأهلي في شمال السودان، ثم ينتقل إلى مشترين محددين يعملون لصالح جهة مصرية، وينقل عبر الحدود إلى أسوان، حيث يُسلّم، بحسب إفادته، إلى مقر شركة شلاتين للثروة المعدنية.

أما في سوق الأنصاري، فقال فارس إن الذهب يُباع غالباً إلى أشخاص يحملون الجنسيتين السودانية والمصرية، ما يسمح لهم بالحركة عبر الحدود. وأضاف أن جزءاً من هذه الشحنات يمر عبر معبر محلي يعرف باسم “البوابة” باتجاه مدينة شلاتين.

هذه الرواية تكررت في شهادات مصادر أخرى وصفت هذا المسار بأنه أحد طرق نقل الذهب السوداني إلى مصر.

وتشير الإفادات إلى وجود شبكة تبدأ من مناطق التعدين الأهلي في الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، ثم تمر عبر نقاط تجميع معروفة قبل انتقال الذهب إلى مشترين ووسطاء يتولون نقله عبر الحدود.

وفي سياق تتبع مسارات الذهب، قدّم مصدر أمني مطلع رواية تتقاطع جزئياً مع ما توصل إليه التحقيق. وقال إن عدداً من مواقع التعدين المتوسط في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، تتبع بصورة كاملة للقوات المسلحة السودانية أو تُدار بالشراكة معها، فيما تتبع مواقع أخرى لحركات مسلحة متحالفة مع الجيش.

وأضاف أن إنتاج هذه المواقع يُسلَّم، بحسب إفادته، إلى جهات مصرية رسمية عند الحدود، مشيراً إليها باسم “الشركة المصرية”، من دون أن يحدد اسمها أو يقدم معلومات إضافية عن هويتها. ولم يتمكن فريق التحقيق من التحقق بصورة مستقلة من هذه الإفادة، إلا أنها شكلت خيطاً إضافياً دفع إلى فحص دور الجهات الرسمية المصرية التي يظهر اسمها لاحقاً في مسار التحقيق.

شركة شلاتين.. الحلقة الرسمية

تُعد شركة شلاتين للثروة المعدنية شركة حكومية تتولى شراء الذهب المنتج من التعدين الأهلي في نطاق عملها، وتوريده إلى البنك المركزي المصري. ووفق بياناتها الرسمية استهدفت توريد ألف كيلوغرام خلال 2024 بعد توريد 717 كيلوغراماً في 2023. إلا أن البيانات المنشورة لا توضح آليات التحقق من منشأ الذهب أو نظام تتبع سلسلة التوريد.

شبكة الشراء المصرية

بحسب شهادة فارس، لا تتم عملية شراء الذهب السوداني بالدفع المباشر عند التسليم، بل تعتمد على نظام قائم على الثقة بين البائعين والمشترين. ففي سوقي الأبيار والأنصاري يُفحص الذهب ويُحدد وزنه وقيمته، ثم يُنقل باتجاه الحدود، بينما تُسدَّد قيمته لاحقاً في القاهرة بعد نحو 30 دقيقة من استلام الشحنة.

وأوضح فارس أن السداد يتم بالجنيه المصري عبر وكلاء يمثلون البائعين داخل القاهرة، حيث تُرسل أرقامهم إلى المشتري لتحديد مكان وزمان استلام الأموال.

وفي بعض الحالات تُحوّل هذه الأموال إلى جنيه سوداني عبر مجموعات خاصة على تطبيق واتساب، ضمن شبكة مالية تعتمد على الوسطاء والاتصالات المباشرة بعيداً عن القنوات المصرفية الرسمية.

وأضاف فارس أن جميع المشترين الذين يجمعون الذهب في نقاط التجميع الحدودية يعملون، بحسب إفادته، لحساب شخص واحد يُدعى أحمد نزار، مصري الجنسية.

وقال إن البائعين لا يتعاملون معه مباشرة، بل عبر شبكة من الوسطاء الذين يتولون عمليات الشراء والنقل والسداد نيابة عنه.

ويبقى السؤال: إذا كان الاسم نفسه يتكرر لدى جميع البائعين، فلماذا لم يتمكن أي منهم من التعرف على صاحبه؟

اختبار الرواية ميدانياً

للتحقق من المعلومات التي قدمها فارس، انتقل فريق التحقيق إلى مواقع تجميع الذهب في سوق الأبيار بالقرب من وادي حلفا، ثم إلى سوق الأنصاري في البحر الأحمر. وخلال 15 يوماً، التقى الفريق بعدد من الدهابة والصاغة والعاملين في نقل الذهب عبر الحدود.

وتقاطعت شهادات عدد من المصادر مع إفادة فارس، خصوصاً فيما يتعلق بآلية تقييم الذهب، وطريقة السداد في القاهرة بعد التسليم، واسم أحمد نزار باعتباره الشخص الذي تُنسب إليه إدارة عمليات الشراء عبر شبكة من الوسطاء.

تتبع موقع استلام الأموال في القاهرة

لمعرفة المزيد عن طبيعة الشبكة المرتبطة بأحمد نزار، عاد فريق التحقيق إلى القاهرة، مستعيناً بعدد من تجار الذهب السودانيين الذين ساعدوا في التواصل مع متعامل في سوق العملة وافق على استخدام اسم مستعار هو “أسواني”.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، يعمل أسواني في شراء الجنيه المصري الناتج عن عمليات بيع الذهب وتحويله إلى الجنيه السوداني عبر شبكة من الوسطاء.

وأكد أسواني أن عمليات التسليم تتم في منطقة العباسية بشارع صلاح سالم، جنوب كلية الشرطة وبالقرب من توكيل تويوتا، وهي معلومات تطابقت مع إفادات عدد من المتعاملين في سوقي الأنصاري والأبيار.

وللتحقق من الموقع، رافق الفريق أسواني إلى نقطة التسليم، حيث جرى تحديد الموقع الجغرافي عند الإحداثيات: 30.063913, 31.284538.

وبإدخال الإحداثيات في خرائط غوغل، تبين أن الموقع يقع ضمن نطاق شركة شلاتين للثروة المعدنية، وبجوار الشركة المصرية للثروات التعدينية.

كما أفادت مصادر متعددة قالت إنها تعاملت مع الموقع بوجود حركة شبه يومية لعربات نقل أموال مصفحة قالت إنها تتبع للبنك المركزي المصري.

ويمثل تحديد موقع تسليم قيمة الذهب القادم من الحدود السودانية، وظهوره ضمن نطاق الشركة المصرية للثروات التعدينية وبجوار شركة شلاتين للثروة المعدنية، إلى جانب تقاطع شهادات متعددة حول حركة عربات نقل أموال مصفحة تصل إلى الموقع بصورة متكررة، مؤشرات تستحق التوقف عندها بشأن الصلة المحتملة بين مؤسسات رسمية مصرية وشبكات شراء الذهب السوداني.

حجم التداول يكشف اتساع الشبكة

أطلع أسواني فريق التحقيق على مجموعة مغلقة عبر تطبيق واتساب قال إنها تُستخدم في تداول وشراء الجنيه المصري الناتج عن عمليات بيع الذهب بعد استلام قيمته بالجنيه السوداني.

ورصد الفريق حركة التداول داخل المجموعة خلال فترة المتابعة، حيث بلغ متوسط قيمة المعاملات اليومية نحو 275 مليون جنيه مصري.

وباحتساب متوسط سعر الصرف الرسمي خلال فترة الرصد، البالغ نحو 53.2 جنيهاً للدولار، تعادل هذه القيمة حوالي 5.2 مليون دولار يومياً، أو ما يقارب 1.9 مليار دولار سنوياً إذا استمر التداول بالمعدل نفسه.

ولا تمثل هذه الأرقام قيمة الذهب المتداول أو حجم إنتاجه، وإنما تعكس حجم حركة الأموال الظاهرة داخل المجموعة خلال فترة الرصد.

حق الرد

تواصل فريق التحقيق مع شركة شلاتين للثروة المعدنية، والشركة المصرية للثروات التعدينية، والبنك المركزي المصري، ووجّه إليها أسئلة تفصيلية حول آليات شراء الذهب، ودور كل جهة في تداول الذهب القادم من جنوب مصر، والمعلومات المتعلقة بمواقع تسليم الأموال التي توصل إليها التحقيق.

وحتى موعد النشر، لم يتلقَّ الفريق أي رد من الجهات الثلاث، ويؤكد استعداده لنشر أي رد أو توضيح أو تصويب تقدمه هذه الجهات لاحقاً.

تكشف رحلة الذهب من مناطق التعدين في السودان إلى أسواق القاهرة عن فجوة بين نمو الإنتاج المحلي المصري وبين القفزة الكبيرة في احتياطيات الذهب والصادرات خلال السنوات الأخيرة.

وبينما تبقى الإجابة النهائية رهناً بالبيانات الرسمية التفصيلية، تطرح الشهادات والوقائع التي وثقها التحقيق سؤالاً مركزياً: هل تعكس الطفرة الذهبية في مصر نمواً حقيقياً في الإنتاج المحلي، أم أن جزءاً منها ارتبط بتدفق الذهب السوداني الخارج من مناطق الحرب عبر شبكات غير رسمية قبل دخوله إلى المنظومة الاقتصادية المصرية؟

ويبقى حسم هذا السؤال مرتبطاً بمدى شفافية السلطات المصرية في الكشف عن بيانات سلسلة توريد الذهب وآليات التحقق من منشئه، وهي معلومات لا تزال غير متاحة.

What do you feel about this?