الطائرات المسيّرة وتغيير طبيعة الصراع في كردفان ودارفور

1
msarat

وكالات – بلو نيوز

تتجسد قسوة الحرب في السودان اليوم عبر انقطاع شرايين الحياة عن المدنيين وتراجع قدرتهم على الوصول إلى الماء والغذاء والعلاج، بالتوازي مع تغير خطوط السيطرة الميدانية وحجم الحشود العسكرية.

فرض الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة واقعاً عسكرياً وحرجاً في أجزاء واسعة من كردفان ودارفور، تحولت فيه الأعيان المدنية والمرافق الخدمية اليومية إلى أهداف مباشرة للعمليات الجوية.

قدرات “مهاجر-6″ و”أكينجي”

تعتمد الترسانة الجوية في الصراع بشكل وثيق على مسيّرات متنوعة القدرات والتكلفة، تتصدرها الطائرة الإيرانية “مهاجر-6” والمسيّرة التركية “بيرقدار أكينجي”.

نشأت قصة “مهاجر” في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الإيرانية العراقية كطائرة استطلاع بسيطة، لكن نسخة “مهاجر-6” الحديثة تطورت لتصبح منصة مزدوجة تجمع بين المراقبة الاستخباراتية والقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف الأرضية.

تتميز “مهاجر-6” بتوازنها بين السعر المنخفض والأداء الميداني الفعال، وقدرتها على التحليق المتواصل لمدة تصل إلى 12 ساعة لتوجيه نيران المدفعية ورصد تحركات القوافل والخصوم.

تُعد هذه الطائرة خياراً اقتصادياً للحروب غير المتكافئة وفي البيئات الصحراوية والمفتوحة الممتدة في دارفور وكردفان؛ حيث تُستغل لمراقبة الطرق الرئيسية وتفتيت خطوط إمداد الخصوم وخلق اختناق لوجستي وإجهاد نفسي دائم لدى المقاتلين والسكان على حد سواء.

على الجانب الآخر، تقف طائرة “بيرقدار أكينجي” التركية كمنصة هجومية استراتيجية ثقيلة تعادل قدرات المقاتلات المأهولة، بتطوير من شركة “بايكار” العالمية.

تحلق هذه المسيّرة على ارتفاعات شاهقة تصل إلى 40 ألف قدم وتستمر في الجو لأكثر من 24 ساعة متواصلة، وتتميز بحمولة قتالية ضخمة تصل إلى 1500 كيلوغرام موزعة على ثماني نقاط تعليق صلبة.

تشتمل “أكينجي” على أنظمة حاسوبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ورادار AESA متطور للمسح الإلكتروني النشط لاكتشاف الأهداف البرية والجوية، إلى جانب أنظمة حرب إلكترونية وحاويات استهداف بصرية متقدمة من إنتاج شركة “أسيلسان”.

ورغم التكلفة الباهظة لهذه المنصة والتي تتراوح بين 20 و100 مليون دولار للحزمة الواحدة، كشف الميدان السوداني تفكك السلسلة القتالية للجيش؛ حيث أصبحت هذه المنصة العملاقة محدودة الفعالية وتسببت في أضرار جانبية واسعة إثر غياب بنك الأهداف الدقيق والتحليل الاستخباراتي الرصين.

تدمير الاقتصاد الريفي ومحركات المجاعة والنزوح

تتعدى الأسواق الأسبوعية في إقليمي كردفان ودارفور كونها مجرد نقاط للبيع والشراء، لتشكل العصب الاقتصادي والاجتماعي للقرى والبلدات المترامية. يبيع المزارعون محاصيلهم وتُعرض المواشي في هذه الأسواق لتوفير الغذاء والدواء والوقود وقطع الغيار والبذور الحيوية للزراعة، كما تمثل ملتقى اجتماعياً للأسر والقبائل لتبادل الأخبار وتسيير التحويلات المالية التي تعين العائلات على الصمود.

تؤدي الضربات الجوية على هذه التجمعات إلى تدمير دورة الاقتصاد المحلي بالكامل، وإحداث قفزات حادة في أسعار السلع الأساسية، وحرمان آلاف العائلات من مصدر دخلها الوحيد، مما يدفع مجتمعات بأكملها نحو مستويات كارثية من الانزلاق المباشر في شباك المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد.

وتشكل آبار المياه ومحطات الضخ في البيئات الجافة وشبه الجافة شرطاً أساسياً للبقاء على قيد الحياة. تعتمد القرى على مصادر مائية محدودة، ويؤدي خروج أي منها عن الخدمة بفعل الضربات الجوية إلى إجبار الأهالي على قطع مسافات طويلة في ظروف أمنية بالغة الخطورة، وتفاقم انتشار الأوبئة والأمراض المعوية وفي مقدمتها الكوليرا نتيجة الشرب من مصادر ملوثة، فضلاً عن هلاك الماشية.

ينعكس هذا الحرمان المائي والغذائي في إجبار المجتمعات الريفية على النزوح القسري وإفراغ القرى من أصحابها، وهو ما يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتغيير الخريطة الديمغرافية للإقليمين.

يمتد التأثير الكارثي ذاته إلى المراكز الصحية المحدودة التي تخدم عشرات القرى؛ حيث يتسبب تعطيلها في حرمان النساء من خدمات الولادة الآمنة ومنع الأطفال من اللقاحات، بالتوازي مع استهداف شاحنات النقل التي تحمل المواد الغذائية والمرضى على الطرقات الريفية.

التكييف القانوني والرصد الميداني للحوادث

يمثل القصف الممنهج لمقومات الحياة خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، وتحديداً المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تحظر صراحة تجويع المدنيين أو مهاجمة وتدمير الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما فيها المواد الغذائية والمناطق الزراعية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها.

وتؤكد التقارير الميدانية الصادرة عن المنظمات الحقوقية والأممية نمطاً متكرراً من الاستهداف الجوي لهذه الأعيان المحمية دولياً، فنجد علي سبيل المثال – لا الحصر- أن أبرز الحوادث الدامية كان مسرحها سوق مدينة الرهد (شمال كردفان) حيث شهد هجوماً دامياً بطائرة مسيّرة أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين المتسوقين، بينهم أطفال وفق تأكيدات منظمة اليونيسف.

وهو شبيه بما حدث في سوق مدينة غبيش (غرب كردفان)، والذي طاله قصف جوي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير المحال التجارية، وسط روايات متضاربة أطلقتها الأطراف العسكرية حول طبيعة الأهداف.

كما لم تنجو مناطق الشعطوط وحمرة الشيخ من هذا الإستهداف حيث تكررت فيها الهجمات الجوية مع التركيز على الشاحنات المدنية ووسائل نقل المياه، ما تسبب في حرمان آلاف السكان من الإمداد المائي في ظل تفشي موجات الكوليرا، وخلق حالة جحيمية من الرعب النفسي الدائم من “عين السماء” التي تترصد التحركات العادية للمزارعين والرعاة.

حرب الاستنزاف وأبعاد الحسم

تُظهر الخبرات العسكرية في الصراع السوداني تركيز عمليات المسيّرات على مراقبة الطرق، وقطع خطوط الإمداد، وتعقب قوافل الوقود والتموين. وتتسبب هذه الضربات في خلق “اختناق لوجستي” للخصم وتحويل المعركة إلى حرب استنزاف بطيئة، لكنها تفشل في تحقيق حسم ميداني مستدام؛ إذ يتطلب السيطرة على الأرض وتثبيت الاستقرار وجوداً برياً ورؤية سياسية لا توفرها الضربات الجوية الموجهة عن بُعد.

تُظهر التجربة القاسية في كردفان ودارفور إفلاس الأساليب العسكرية المعتمدة على السلاح الجوي والمسيّرات؛ إذ تحول السلاح من أداة حسم تكتيكية إلى وسيلة تدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية وخنق حركة المجتمعات المحلية ومحاصرتها بالمجاعة والنزوح.

إن إصرار الجيش السوداني وحلفائه من الجماعات والكتائب المسلحة على اعتماد القصف الجوي العشوائي عبر المسيّرات الأجنبية يستوجب أشد عبارات الإدانة والشجب؛ فقد استبدل هذا التحالف العسكري التخطيط الاستراتيجي المسؤول باستهداف مقومات الحياة اليومية للأبرياء، مستغلين التفوق الجوي لترويع المواطنين في الأسواق ومحطات المياه والمراكز الصحية.

إن تحويل وسائل بقاء البسطاء إلى بنك أهداف حرب يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف، وسيبقى شاهداً على الفشل الأخلاقي والعسكري لجيش حاد عن مهمته الوطنية في حماية شعبه وأصبح سبباً رئيسياً في تعميق المأساة الإنسانية.

وأمام هذا الانتهاك السافر، يغدو المجتمع الدولي والدول الإقليمية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة تفرض فرض حظر صارم وشامل على توريد تقنيات الطائرات المسيّرة وقطع غيارها وتجهيزاتها المزدوجة الاستخدام إلى أطراف الصراع في السودان؛ لمنع تغذية هذه الحرب الجوية وتقويض قدرة الآلة العسكرية على استهداف المدنيين وتدمير ما تبقى من أسباب الحياة.

What do you feel about this?