الحركات المسلحة في دارفور: فك التداخل بين الوسيلة العسكرية والوظيفة السياسية

3
minjeb

وكالات – بلو نيوز

تطرح التجارب المعاصرة للحروب الأهلية والنزاعات الداخلية سؤالاً مركزياً يتعلّق بمصير التشكيلات المسلحة بعد انتهاء مرحلة الصراع، وهل تتحول إلى قوى سياسية، أم تندمج في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، أم تستمر بوصفها مراكز مستقلة للقوى والنفوذ؟

إن بناء الدولة السودانية الحديثة يتطلَّب تجاوز النموذج الذي يجعل لكل حركة مسلحة قوة عسكرية مستقلة ومكانة تفاوضية مرتبطة بامتلاك السلاح.

فالسلام المستدام لا يَتحقَّق بمجرد توقيع اتفاق سياسي أو توزيع المناصب، وإنما بإعادة احتكار الدولة المنظم والمشروع لاستخدام القوة، وحل البنى العسكرية المستقلة للحركات المسلحة، وإعادة دمج الأفراد الذين تنطبق عليهم المعايير المهنية والقانونية في جيش وطني موحد، مهني، غير مسيس، وخاضع للسلطة المدنية الدستورية، مع توفير مسارات مدنية مناسبة لمن لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية.

نشأة الحركات المسلحة في دارفور

في إقليم دارفور ظهرت عدة حركات مسلحة، أبرزها حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بفصائلها المختلفة، ثم شهدت الساحة انشقاقات وتكوينات جديدة وتبدلات مستمرة في التحالفات والقيادات.

ولذلك لا يمكن التعامل مع الحركات المسلحة الدارفورية باعتبارها تنظيماً واحداً ذا قيادة مركزية أو مشروع سياسي موحد؛ فقد تباينت أهدافها السياسية، كما اختلفت علاقاتها بالحكومات والقوى السياسية والعسكرية الأخرى، وتغيرت مواقع بعضها في الخريطة السياسية تبعاً لتطورات الصراع ومسارات التفاوض.

رفعت هذه الحركات مطالب ارتبطت بقضايا التهميش السياسي والتنمية غير المتوازنة والسلطة والثروة والعدالة والأمن والتمثيل السياسي لسكان دارفور، وهي قضايا ذات جذور اجتماعية وسياسية حقيقية، ولا يمكن اختزالها في طبيعة العمل العسكري للحركات.

غير أن المشكلة المؤسسية ظهرت في عدم تحول هذه المطالب، بصورة مستقرة، إلى مشروع سياسي موحد ومستقل عن البنية العسكرية والقيادات الفردية.

كما أن تكرار الانشقاقات وتغير التحالفات وانتقال بعض القيادات من المعارضة المسلحة إلى المشاركة في السلطة، أدى إلى إضعاف الاستمرارية التنظيمية وإلى ربط جزء من النفوذ السياسي بامتلاك القوة العسكرية.

ولهذا يمكن وصف الحركات المسلحة الدارفورية بأنها تعاني من ضعف في التأسيس السياسي والتنظيمي، وارتفاع في البراغماتية القيادية، وتداخل بين الوسيلة العسكرية والوظيفة السياسية.

اقتصاد القوة المسلحة

لفهم ترتيبات حل الحركات المسلحة في دارفور، ينبغي النظر إلى السلاح باعتباره أحد مصادر رأس المال السياسي. في البيئات التي تعاني ضعف مؤسسات الدولة، يمنح امتلاك القوة العسكرية القيادة المسلحة قدرة على الدخول في عملية التفاوض باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله.

ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الوضع إلى حافز للحفاظ على القوة المسلحة، لأن التخلي عنها يعني فقدان جزء من القدرة على التأثير السياسي.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما ترتبط القوة العسكرية بالحصول على المناصب أو الموارد أو الضمانات السياسية.

وفي هذه الحالة قد يصبح السلاح جزءاً من البنية التي تنتج النفوذ السياسي، وليس مجرد وسيلة مؤقتة في مرحلة الحرب.

وقد ظهر في السودان نمط متكرر يمكن وصفه بمسار الانتقال من التمرد إلى التفاوض ثم إلى المشاركة في السلطة.

وهنا يمكن أن نستشهد بنص اتفاق جوبا للسلام 2020، الذي نص على ترتيبات لدمج قوات حركات الكفاح المسلح في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وفق معايير وأعداد وجداول زمنية متفق عليها، إلا أن تحويل النصوص القانونية إلى واقع مؤسسي ظل تحدياً أساسياً.

ما هي الدروس المستفادة؟

هنا تكمن أحد أهم دروس التجربة السودانية، وهو أن السلام الذي يضيف تشكيلات مسلحة جديدة إلى الدولة من دون إنهاء استقلالها التنظيمي والعسكري، يُعيد إنتاج مشكلة تعدّد مراكز القوى داخل الدولة بدلاً من حلها.

إن الدمج الحقيقي لا يعني وجود جيشين داخل مؤسسة واحدة، ولا يعني الاحتفاظ بوحدات تحمل هويتها وولاءها السابقين، وإنما يعني تفكيك البنية العسكرية للحركة وإعادة إدخال الأفراد المؤهلين في منظومة عسكرية وطنية واحدة.

أما الدرس الثاني، فهو أن معايير الدمج ينبغي أن تكون مهنية وقانونية، بأن يخضع المقاتل السابق الذي تنطبق عليه شروط الخدمة العسكرية للتدقيق والتأهيل والتدريب ثم يدخل المؤسسة العسكرية وفق الرتبة والمسار المهني الذي تحدده الدولة، بينما ينتقل من لا تنطبق عليه الشروط إلى برامج إعادة الإدماج المدني.

أما الدرس الثالث فهو ضرورة الفصل الكامل بين العمل العسكري والعمل السياسي؛ لأن القيادة التي تختار التحول إلى العمل السياسي ينبغي أن تعمل من خلال حزب سياسي أو مؤسسة مدنية، ولا يجوز أن تحتفظ في الوقت نفسه بقوة عسكرية مستقلة تستخدمها كضمان سياسي.

والدرس الرابع هو أن الدولة ينبغي أن توفر للقوات السابقة والحركات السياسية ضمانات قانونية ومؤسسية تتعلق بالمشاركة السياسية والعدالة والتنمية والتمثيل المحلي، بحيث تصبح معالجة المظالم التاريخية جزءاً من بناء الدولة وليس مبرراً لاستمرار التشكيلات المسلحة.

ما الحل؟

إن الهدف الاستراتيجي ينبغي أن يتجاوز مفهوم “دمج الحركات” بالصيغة التقليدية؛ إلى حل الحركات المسلحة ككيانات عسكرية مستقلة، مع المحافظة على الحقوق السياسية والمدنية المشروعة للأفراد والمجتمعات التي كانت تمثلها.

وتبدأ العملية باتفاق سياسي شامل يحدد بصورة صريحة أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة دستورياً باستخدام القوة المسلحة، ثم تأتي مرحلة حصر القوات والأفراد والأسلحة، والتحقق من الهياكل والرتب والموارد، وإخضاع جميع الأفراد لمعايير مهنية موحدة.

بعد ذلك يجري استيعاب المؤهلين في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، مع إزالة الهويات الفصائلية من داخل المؤسسة.

ويجب أن تكون الخدمة العسكرية الجديدة قائمة على المهنية والانضباط والتدرج الوظيفي والكفاءة، وليس على الانتماء السياسي أو القبلي أو الجهوي.

أما العناصر التي لا تستوفي شروط الخدمة العسكرية، فينبغي توفير برامج لإعادة إدماجها في الحياة المدنية من خلال التدريب المهني والتعليم والمساعدات الانتقالية وفرص العمل والمشروعات الاقتصادية.

وفي الوقت ذاته ينبغي تحويل الحركات السياسية إلى كيانات مدنية تعمل من خلال النظام السياسي والقانوني للدولة، ويجب أن يكون معيار الحصول على السلطة هو الانتخابات والمؤسسات الدستورية، وليس عدد المقاتلين أو كمية الأسلحة.

كذلك إن حل الحركات المسلحة لا يكتمل من دون إعادة بناء المؤسسة العسكرية نفسها. فالجيش الوطني المطلوب ليس مجرد تجميع للقوات الموجودة، وإنما مؤسسة جديدة في عقيدتها المؤسسية وعلاقتها بالدولة والمجتمع.

هل تستطيع الحركات التخلي عن السلاح؟ من الناحية النظرية والعملية، يمكن تحقيق ذلك، ولكن نجاح العملية يعتمد على إعادة صياغة الحوافز السياسية والمؤسسية التي تجعل السلاح أداة نفوذ.

إذا أصبح مستقبل القيادات والأفراد مرتبطاً بمؤسسات الدولة، وأصبح الحصول على السلطة مرتبطاً بالعمل السياسي والانتخابات، وأصبح الأمن الإقليمي مسؤولية مؤسسة عسكرية وطنية، فإن استمرار الحركة كقوة مسلحة مستقلة يفقد جزءاً كبيراً من مبرراته السياسية.

أما إذا استمرت الدولة في منح الحركات المسلحة شرعية تفاوضية ومناصب على أساس امتلاك القوة العسكرية، فإن عملية السلام قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التشكيلات المُسلّحة.

ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بمدى نجاح الدولة في إنهاء تعدد مراكز القوى المسلحة.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?