من «الدفاع عن الحرمين» إلى ساحات المحاكم .. أين ذهبت مستحقات جنود السودان في حرب اليمن؟
تقرير – بلو نيوز
دخل السودان حرب اليمن في مارس 2015 تحت شعار «الدفاع عن الحرمين الشريفين» والوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. لكن بعد سنوات من إرسال الجنود إلى جبهات القتال، عاد بعض المشاركين ليخوضوا معركة مختلفة داخل المحاكم السودانية، مطالبين بمستحقات مالية قالوا إنهم لم يتسلموها كاملة، وفاتحين بذلك ملفاً تتقاطع فيه الحرب بالمال والنفوذ وغياب الشفافية.
بدأت القضية المعلنة بمطالب أفراد من الكتيبة الرابعة، لكنها اتسعت لاحقاً لتشمل الكتيبة الخامسة وسرية الهندسة، ويصل عدد المشمولين بقرار صرف نُسب إلى قائد الجيش عبدالفتاح البرهان إلى 1184 ضابطاً وعسكرياً. وبين مبلغ قيل إن الفرد يستحقه وآخر تسلمه فعلياً، تبرز فجوة مالية تتجاوز مليون دولار في الكتيبة الرابعة وحدها، بينما تظل المستحقات الكلية لبقية المشاركين ومسارات تحويلها وصرفها بعيدة عن الرقابة العامة.
ولا تكفي المعلومات المتاحة للجزم بأن الأموال اختُلست أو تحديد الجهة التي استولت عليها؛ لكنها تكشف تناقضات جوهرية وأسئلة مالية لم تجد إجابات موثقة: ما القيمة الأصلية التي حوّلها التحالف لكل مشارك؟ ومن تسلم الأموال في السودان؟ وهل مبلغ 9 آلاف دولار استحقاق موحد أم يختلف باختلاف الرتب ومدد الخدمة؟ وأين ذهبت الفروق التي طالب بها الجنود؟ وهل نُفذ قرار الصرف اللاحق كاملاً؟
حرب قدمت بغطاء ديني
انضم نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن ضمن عملية «عاصفة الحزم»، وأرسل قوات برية على دفعات للمشاركة في العمليات العسكرية.
وقدمت السلطة السودانية قرارها باعتباره استجابة لطلب سعودي ودفاعاً عن الأمن العربي والحكومة اليمنية، بينما ركز الخطاب السياسي والإعلامي الداخلي على حماية السعودية والحرمين الشريفين، مستفيداً من الحساسية الدينية لهذه القضية في المجتمع السوداني.
لكن المشاركة لم تكن منفصلة عن حسابات نظام البشير السياسية والاقتصادية؛ فقد جاءت ضمن تحول إقليمي واسع ابتعدت بموجبه الخرطوم عن إيران واقتربت من السعودية والإمارات، في وقت كان فيه النظام يعاني عزلة دولية وضائقة اقتصادية متفاقمة.
دخل الجنود السودانيون حرب اليمن تحت شعار «الدفاع عن الحرمين»، لكن بعضهم عاد ليخوض معركة داخل المحاكم، مطالباً بكشف مصير مستحقات مالية قال إنها لم تصل كاملة إلى يده.
كما ارتبط ملف القوات السودانية في اليمن بعبدالفتاح البرهان قبل وصوله إلى رئاسة مجلس السيادة وقيادة الجيش؛ إذ أشارت تقارير إلى أنه اضطلع بدور في تنسيق إرسال الجنود إلى اليمن، وعمل بحكم هذا الملف مع وحدات الجيش وقوات الدعم السريع المشاركة في الحرب. سويس إنفو
ومع استمرار المشاركة وسقوط قتلى وجرحى، ظلت تفاصيل الاتفاقات المالية المرتبطة بالقوات غامضة، بما في ذلك قيمة المبالغ التي دفعتها دول التحالف، وطريقة تحويلها، ونصيب الضباط والجنود، والجهات السودانية التي تولت الاستلام والتوزيع والمراجعة.
الكتيبة الرابعة تفتح الملف
خرج جانب من هذا الملف إلى العلن في ديسمبر 2022، عندما مثل اللواء محمد الفاتح الفكي محمد، المدير المالي لمكتب رئيس مجلس السيادة حينها، أمام محكمة الخرطوم الجزئية برئاسة القاضي طارق عبداللطيف، في دعوى مدنية تتعلق بمستحقات الكتيبة الرابعة التي شاركت في حرب اليمن بين عامي 2017 و2018.
ووفق المادة الصحفية المنشورة عن الجلسة، بلغ عدد المشاركين في الكتيبة 267 ضابطاً وفرداً. وقال عدد منهم إن المبلغ الذي كان يفترض أن يحصل عليه كل مشارك هو 9 آلاف دولار، لكنهم تسلموا 5100 دولار فقط، ما دفعهم إلى المطالبة بالفارق بعد تعثر محاولات التسوية الودية.
ونسبت المادة إلى المدير المالي قوله أمام المحكمة إن المشاركين لم يُمنحوا مبلغ 9 آلاف دولار. غير أن الصياغة المنشورة لا تحسم ما إذا كان ينفي أصل استحقاق هذا المبلغ أم يقر فقط بأنه لم يُصرف كاملاً، وهو فارق جوهري لا يمكن حسمه إلا بالرجوع إلى محضر الجلسة والعقود وكشوف التحويل والصرف. تقرير جلسة المحكمة المنشور في «النيلين» نقلاً عن «اليوم التالي»
مليون دولار في كتيبة واحدة
بحسب أرقام المطالبين، تبلغ الفجوة بين المبلغ المفترض والمبلغ الذي قالوا إنهم تسلموه 3900 دولار لكل فرد.
وإذا طُبق هذا الفارق على 267 مشاركاً، تصبح الحسابات كالآتي:
إجمالي الاستحقاق المفترض: 2,403,000 دولار.
إجمالي المبلغ الذي قيل إنه صُرف: 1,361,700 دولار.
الفارق المطلوب تفسيره: 1,041,300 دولار.
لكن تقريراً نُشر في مارس 2023 ذكر أن عدد الذين رفعوا الدعوى بلغ 266 عسكرياً، بينهم ضابط واحد، وليس 267. وعند احتساب الفارق على أساس عدد المدعين فقط، يبلغ المبلغ 1,037,400 دولار.
ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة وجود تناقض جوهري؛ فقد يكون العدد الأول هو إجمالي أفراد الكتيبة، بينما يمثل العدد الثاني من انضموا فعلياً إلى الدعوى. إلا أن تحديد الرقم الصحيح يظل ضرورياً لأي مراجعة محاسبية أو تقدير لحجم المطالبة.
كذلك لا تثبت العملية الحسابية وحدها وقوع اختلاس، لأن ذلك يتطلب أولاً إثبات أن مبلغ 9 آلاف دولار كان استحقاقاً تعاقدياً ثابتاً لكل فرد، ثم إثبات تحويله كاملاً إلى الجهة السودانية، وعدم وجود خصومات قانونية أو فروق مرتبطة بالرتبة أو مدة الخدمة أو البدلات.
لكن وجود دعوى قضائية بهذا الحجم، وإقرار لاحق باستحقاقات لم تُصرف، يجعلان المطالبة بكشف الحساب الكامل ضرورة تتجاوز التخمين السياسي.
قرار يشمل 1184 عسكرياً
شهد الملف تطوراً مهماً في مارس 2023، عندما أفادت تقارير بأن البرهان أصدر قراراً بصرف مستحقات المشاركين في حرب اليمن، بعد تحريات أجراها المدعي العام للقضاء العسكري.
وبحسب المعلومات المنشورة، خلصت التحريات إلى استحقاق المدعين مبلغ نهاية خدمة يعادل راتب ثلاثة أشهر، وشمل قرار الصرف 1184 ضابطاً وعسكرياً من الكتيبتين الرابعة والخامسة وسرية الهندسة، بينهم 266 شخصاً رفعوا الدعوى. صحيفة «الأيام» اليمنية نقلاً عن «التغيير»
تكشف حسابات الكتيبة الرابعة عن فارق يتجاوز مليون دولار بين الاستحقاق الذي طالب به الجنود وما قالوا إنهم تسلموه، لكن إثبات الاختلاس يتطلب كشف التحويلات والخصومات ومسار الصرف كاملاً.
ويكشف هذا التطور أن القضية لم تكن مقتصرة على أفراد الكتيبة الرابعة، بل امتدت إلى وحدات أخرى شاركت في المهمة نفسها. لكنه يضيف في الوقت ذاته طبقة جديدة من الغموض؛ فالمطالبة الأولى تحدثت عن فارق بين 9 آلاف و5100 دولار، بينما تحدث القرار اللاحق عن مستحقات نهاية خدمة تعادل راتب ثلاثة أشهر.
ولا توضح المواد المنشورة ما إذا كان قرار راتب الأشهر الثلاثة تسويةً للمطالبة المتعلقة بالدولارات، أم استحقاقاً منفصلاً عنها، أم جزءاً من حزمة مستحقات أكبر. كما لا تتوافر نسخة منشورة من القرار تحدد قيمة المبلغ لكل فئة أو جهة تمويله أو موعد تنفيذه.
ولهذا، لا يجوز حساب مستحقات 1184 عسكرياً بضرب عددهم في 9 آلاف دولار على أنها حقيقة ثابتة. فالنتيجة النظرية، البالغة 10,656,000 دولار، توضح فقط حجم الملف إذا ثبت أن المبلغ نفسه ينطبق على الجميع، لكنها لا تمثل مبلغاً موثقاً أو مستحقاً بالضرورة لكل فرد.
هل نفذ قرار الصرف؟
صدور قرار بالصرف لا يعني تلقائياً وصول الأموال إلى مستحقيها. فالتأكد من التنفيذ يتطلب نشر كشوف تبين عدد الذين تسلموا مستحقاتهم، وقيمة ما حصل عليه كل منهم، وتاريخ الصرف، والعملة المستخدمة، والجهة التي موّلت العملية.
كما ينبغي توضيح ما إذا كان المبلغ قد دُفع بالدولار، أم حُوّل إلى الجنيه السوداني، وسعر الصرف الذي استُخدم، وما إذا كانت هناك خصومات، والجهة التي أجازتها والأساس القانوني الذي استندت إليه.
وإذا كان القرار قد نُفذ كاملاً وأغلقت الدعوى بعد حصول الجنود على حقوقهم، فإن نشر مستندات التنفيذ سيحسم جانباً أساسياً من القضية. أما إذا لم يُنفذ، أو نُفذ جزئياً، فإن السؤال ينتقل من أصل الاستحقاق إلى الجهة التي عطلت قرار قائد الجيش وأبقت الأموال خارج أيدي أصحابها.
ماذا عن بقية الكتائب؟
لم يظهر ملف الكتيبة الرابعة إلى العلن نتيجة مراجعة مؤسسية داخل القوات المسلحة، بل بسبب تحرك جنود طالبوا بحقوقهم ولجأوا إلى القضاء بعد فشل التسوية الودية.
وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز المجموعة التي رفعت الدعوى: ماذا حدث لمستحقات بقية الكتائب والسرايا التي شاركت في اليمن منذ عام 2015، ولم يصل أفرادها إلى المحكمة أو وسائل الإعلام؟
غياب الدعاوى لا يثبت أن جميع المشاركين الآخرين تسلموا حقوقهم كاملة. فقد يعني أنهم لم يعرفوا قيمة المبالغ الأصلية، أو لم يمتلكوا مستندات تثبتها، أو عجزوا عن الوصول إلى القضاء، أو خشوا العواقب الوظيفية للمطالبة.
اتساع قرار الصرف ليشمل 1184 ضابطاً وعسكرياً يحوّل القضية من مطالبة محدودة إلى ملف مالي بملايين الدولارات، يستوجب مراجعة شاملة لكل الوحدات السودانية التي شاركت في حرب اليمن.
وإذا كانت كتيبة واحدة قد أثارت مطالبة بفارق يتجاوز مليون دولار وفق رواية أفرادها، فإن ذلك يوفر سبباً كافياً لإجراء مراجعة شاملة لجميع القوات المشاركة، من دون افتراض مسبق بأن الفروق نفسها تكررت في كل الوحدات.
ويجب أن تشمل المراجعة كل دفعة عسكرية أُرسلت إلى اليمن، وعدد أفرادها، ومدد خدمتها، وقيمة الأموال التي خُصصت لها، وما دخل إلى الحسابات السودانية، وما وصل إلى المشاركين، وأي مبالغ أعيدت أو ظلت معلقة.
الطريق الكامل للمال
لا يمكن الوصول إلى الحقيقة بالتركيز على آخر موظف وقّع مستند الصرف وحده، لأن المسؤولية المالية تتوزع عادة على سلسلة من المؤسسات والأشخاص.
ويبدأ التحقيق الجاد من الجهة التي دفعت الأموال، ثم الحساب الذي حُولت إليه، والجهة السودانية التي تسلمتها، والمسؤول الذي أجاز توزيعها، واللجنة التي أعدت كشوف المشاركين، والإدارة التي نفذت الصرف، والجهة التي راجعت الحسابات وأغلقت العهدة.
ومن الضروري أن يجيب التحقيق عن الأسئلة الآتية:
هل حولت السعودية أو قيادة التحالف الأموال مباشرة إلى القوات المسلحة أم إلى جهة حكومية أخرى؟
هل دخلت الأموال حساباً حكومياً أو عسكرياً رسمياً أم حساباً خاصاً بالمهمة؟
ما المبلغ المحول عن كل ضابط وجندي، وهل اختلف باختلاف الرتبة والمدة؟
من اعتمد مبلغ 5100 دولار، وعلى أي أساس؟
هل وجد مستند رسمي يحدد الاستحقاق بتسعة آلاف دولار؟
هل كانت هناك خصومات، ومن أجازها ولأي أغراض؟
هل نفذ قرار البرهان الصادر في مارس 2023، وما القيمة الإجمالية التي صُرفت؟
ما مصير مستحقات القتلى والجرحى وأسرهم؟
وإذا ثبت أن شخصاً أو جهة واحدة كانت تسيطر على الاستلام وإعداد الكشوف والصرف والمراجعة معاً، فإن ذلك يكشف خللاً خطيراً في الضوابط المالية حتى قبل تحديد وجود جريمة من عدمه.
الاختيار نفسه سلطة مالية
ثمة جانب آخر لم يحظ بالقدر الكافي من التدقيق، يتعلق بطريقة اختيار الضباط والجنود الذين أُرسلوا إلى اليمن.
فإذا كانت المشاركة تمنح العسكري آلاف الدولارات وبدلات تفوق دخله المعتاد، فإن سلطة اختياره للمهمة تصبح في ذاتها سلطة ذات قيمة مالية، ما يوجب إخضاع الترشيحات لمعايير واضحة وقابلة للمراجعة.
ولا تتوافر معلومات منشورة توضح ما إذا كان الاختيار جرى وفق الأقدمية والكفاءة والتخصص، أم من خلال ترشيحات الوحدات، أم عبر قوائم غير معلنة. كما لا يُعرف ما إذا كان بعض الضباط أو الجنود شاركوا في أكثر من دورة، ولماذا تكررت مشاركتهم إن حدث ذلك.
ولا يجوز تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات بالمحاباة من دون مستندات، لكنها تظل جزءاً ضرورياً من أي تحقيق مكتمل؛ لأن الفساد المحتمل لا يبدأ دائماً عند صرف المال، بل قد يبدأ عند تحديد من سيحصل على الفرصة التي ترتبط بها المكافأة.
أين توجد المستندات؟
يعاني الملف من فجوة توثيقية واضحة. فالمتاح للجمهور يتكون أساساً من تقارير صحفية عن جلسات المحكمة ومصادر عسكرية وقرار نُسب إلى البرهان، بينما تغيب الوثائق الأصلية التي تستطيع حسم النزاع.
وتشمل هذه الوثائق اتفاق مشاركة القوات السودانية، وجداول المخصصات، والتحويلات المصرفية، وكشوف القوة، وأوامر الحركة، وإيصالات الصرف، ومحضر التحريات العسكرية، وقرار البرهان، وما يثبت تنفيذه.
ومن دون هذه المستندات ستبقى القضية معلقة بين رواية الجنود، وصياغات صحفية تحتمل أكثر من تفسير، وقرار صرف لا تُعرف تفاصيل تنفيذه.
كما أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وما رافقها من انهيار مؤسسات الدولة وتعطل المحاكم وصعوبة الوصول إلى السجلات تجعل استعادة الوثائق أكثر تعقيداً، لكنها لا تلغي حقوق المشاركين أو واجب حفظ الأدلة ومراجعة المال العام.
من الشعار إلى كشف الحساب
دخل الجنود السودانيون حرب اليمن تحت شعار الدفاع عن الحرمين والأمن العربي، لكن بعضهم عاد مطالباً بمعرفة مصير أموال قال إنها استُحقت له ولم تصل كاملة إلى يده.
ولا يمكن حسم القضية بالشعارات المضادة أو باتهام أشخاص قبل اكتمال الأدلة؛ فما يحتاجه الملف ليس مزيداً من الجدل، بل كشف حساب يبدأ من الجهة الممولة وينتهي عند آخر مستفيد.
فإما أن تثبت السجلات أن مبلغ 9 آلاف دولار لم يكن استحقاقاً صحيحاً، أو أن الخصومات كانت قانونية وموثقة، أو أن الفروق دُفعت لاحقاً. وإما أن تكشف المراجعة وجود أموال حُولت بالفعل ثم حُجبت عن أصحابها، وعندها تصبح المسألة شبهة فساد مالي تستوجب تحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم.
أما إبقاء القرار والكشوف والتحويلات بعيداً عن الرقابة، فإنه لا يحمي المؤسسة العسكرية ولا يغلق القضية، بل يوسع دائرة الشك حول ملف قد تتجاوز قيمته ملايين الدولارات، ويترك جنوداً أُرسلوا للقتال خارج بلادهم يسألون حتى اليوم: من استلم أموالهم، وكم دفع لهم، وأين ذهب الباقي؟
