المسيرات في السودان .. حين تحطمت أسطورة “أكنجي” التركية
إسقاط الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية لم يعد حادثاً استثنائيا أو مستغربا أو حتى مجرد حادث عسكري عابر. فأمس الاثنين 24 اغسطس أعلنت قوات تحالف السودان التأسيسي، عن إسقاط طائرة مسيّرة من طراز “آكنجي” تركية الصنع في منطقة الكرمك بإقليم الفونج الجديد.
ومع انتقال المعارك إلى مرحلة تتسع فيها استخدامات الطائرات غير المأهولة وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، أصبحت السماء نفسها واحدة من أكثر ميادين الصراع اشتعالا.
بيد أن تعدد عمليات إسقاط الطائرات التركية من طراز بيرقدار أكنجيي كتسب أهمية تتجاوز قيمة الطائرة ، لجهة أنها تمثل واحدة من أكثر المنظومات الهجومية تطوراً في ترسانة الطائرات المسيّرة التركية بحسب ما أعلنته الشركات التركية المصنعة مرارا وتكرارا.
بلو نيوز – متابعات
تقرير: عمر سفيان
امتحان في فضاء السودان
السودان على مايبدو أدخل المنظومة التركية أمام اختبار قاسي من نوعه منذ سقوط اول طائرة، بحكم وجود خصم يتمثل في الدعم السريع يمتلك دفاعات جوية تتطور بين الفينة والفينة، فضلا عن سماء مزدحمة بمسيّرات من دول مختلفة، ومسرح عمليات واسع ومعقد، وحرب لا تعمل فيها التكنولوجيا بمعزل عن الجغرافيا والتمويه والاستخبارات والحرب الإلكترونية. ليتحول السؤال من هل سقطت أكنجي بالفعل؟ إلى السؤال الأهم ماذا تكشف خسائر «أكنجي» في السودان عن حدود التفوق الذي تمنحه الطائرات المسيّرة الحديثة عندما تدخل حرباً تتكيف فيها الدفاعات الجوية بسرعة؟
من “بيرقدار” إلى “أكنجي”
وبحسب متابعات”راينو” تنتمي «أكنجي» إلى شركة بايكار التركية، لكنها ليست مجرد نسخة مكبرة من “بيرقدار تي بي2” بل هي أسطورة تركية طالما وصفتها بذلك شرركات التسويق الدعائي العسكري.
وتصنف الشركة «أكنجي» باعتبارها نظاماً جوياً غير مأهول قادراً على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات والحرب الإلكترونية وتحديد الأهداف والهجوم، مع قدرة على حمل أنواع متعددة من الذخائر، بما فيها صواريخ جو-أرض وجو-جو.
وطبقا للبيانات الفنية المنشورة من الشركة المصنعة، يبلغ طول الطائرة نحو 12.3 متراً، وجناحيها 20 متراً، ويبلغ سقفها التشغيلي نحو 30 ألف قدم، مع قدرة على الوصول إلى 40 ألف قدم، بينما تصل مدة بقائها في الجو إلى نحو 20 ساعة، وتحمل حمولة تصل إلى 1,350 كيلوغراماً. بالتالي تضع هذه المواصفات تضعها في فئة مختلفة عن «بيرقدار تي بي2» الأصغر حجماً والأقل حمولة.
ومن ثم بحسب مراقبين فإن خسارتها في المعركة ليست مجرد فقدان طائرة هجومية، وإنما فقدان منصة قادرة على حمل كمية أكبر من الذخائر والمستشعرات والعمل على ارتفاعات ومدى أوسع.
لكن الوقائع على الأرض في السودان تقول بأن ارتفاع الأداء لا يعني الحصانة من الدفاعات الجوية.
لتبدا سلسلة الاسقاطات.

السودان.. مقبرة المسيّرات
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت أجواء السودان إلى ساحة متزايدة التعقيد للطائرات المسيّرة. فالجيش الموصوف بالسوداني يستخدم طائرات تركية الصنع، من بينها «بيرقدار» و«أكنجي»، بينما طورت قوات الدعم السريع بدورها قدرات واسعة في استخدام الطائرات المسيّرة، إلى جانب حصولها على أنظمة دفاع جوي ومعدات للحرب الإلكترونية.
وهكذا أصبحت الحرب السودانية واحدة من البيئات التي تتقاطع فيها، الطائرات المسيّرة مع الدفاع الجوي بالإضافة الحرب الإلكترونية ثم الاستطلاع الفضائي فالدعم الخارجي، ومن ثم تعد هذه البيئة مختلفةكثيراً عن الحروب التي صنعت جزءاً من شهرة «بيرقدار» الأولى.
وطبقا لرصد “راينو” ففي 10 يوليو 2025، أعلنت قوات الدعم السريع إسقاط طائرة «أكنجي» تركية الصنع قرب الفاشر، وقالت إنها كانت تستخدم في تنفيذ ضربات جوية في المنطقة.
ثم توالت الحوادث، ففي أوائل سبتمبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع إسقاط «أكنجي» فوق منطقة مرشنج في جنوب دارفور، وأشارت تقارير إلى أن الحطام الذي ظهر في الصور يتوافق مع تصميم الطائرة. وفي 13 سبتمبر من العام نفسه، أُعلن عن إسقاط «أكنجي» أخرى فوق الخوي في غرب كردفان. وفي 7 أكتوبر، أُعلن عن إسقاط «أكنجي» أخرى قرب الفاشر، ووقتها أوردت “راينو” تقريراً قالت فيها : “لم تكن حادثة 7 أكتوبر 2025 الأولى من نوعها. فقد سبقتها ثلاث حوادث أُعلن فيها عن إسقاط طائرات من طراز «بيرقدار أكنجي» التابعة للقوات المسلحة السودانية، الأولى في 10 يوليو فوق الفاشر، والثانية في أوائل سبتمبر بمنطقة مرشنج في جنوب دارفور، والثالثة في 13 سبتمبر فوق منطقة الخوي بولاية غرب كردفان. وبذلك بلغ عدد طائرات «أكنجي» التي أُعلن عن فقدانها في السودان أربع طائرات بحلول 7 أكتوبر 2025م”. مما يعني أربع خسائر مؤكدة أو شبه مؤكدة لهذا الطراز في السودان خلال عام 2025.
2026م.. معركة ومرحلة جديدة
في يناير 2026، أعلنت قوات الدعم السريع إسقاط طائرة «أكنجي» فوق نيالا، وهو ادعاء نقلته وسائل إعلام دولية، فيما لم يؤكد الجيش الحادث في حينه.
كما قالت قوات الدعم السريع إنها أسقطت ما لا يقل عن سبع طائرات «أكنجي» منذ يونيو، وهو رقم لم تتمكن اي جهة عسكرية أو إعلامية تأكيده أو نفيه. وفي مارس 2026، أعلنت قوات الدعم السريع مرة أخرى إسقاط «أكنجي» فوق منطقة بابنوسة في غرب كردفان، قبل ان يتجدد ذلك يوم امس 24 اغسطس، وبذلك لم تعد المسألة حادثة منفردة يمكن عزلها عن سياق الحرب.
لماذا أصبحت «أكنجي» هدفاً ثميناً؟
وبحسب خبير عسكري سابق في حديثه لـ”راينو” فإن استهداف الدعم الرسيع للمسيرات الأكانجي يرتبط بسبب عملياتي بحث وقال:” الطائرة التي تستطيع العمل لساعات طويلة وعلى ارتفاعات كبيرة وحمل كمية كبيرة من الذخائر والاستطلاع تمثل قيمة عسكرية مرتفعة، وتشكل خطرا على تحركات وسيطرة الدعم السريع”. واضاف: ” بالتالي فإن إسقاطها لا يعني فقط تدمير منصة جوية بل يعني عسكريا حرمان القوة التي تستخدمها من الاستطلاع بعيد المدى، ومراقبة مساحات واسعة، بالإضافة حمل ذخائر ثقيلة نسبياً وتنفيذ ضربات دقيقة، واستخدام مستشعرات متقدمة، والعمل كمنصة متعددة المهام، لذا فإن إسقاطها يعد مكسباً عملياتياً يتجاوز ثمن الطائرة نفسها.

واعتبر الخبير العسكري أن اي محالوة لاستباق النتائج والتعجل بالحكم بفضل هذه الطائرات المسيرة يعد تعجلا مضرا وتابع: هناك فرق كبير بين فشل منظومة معينة في مواجهة دفاع جوي محدد، وبين فشل التكنولوجيا التي تقوم عليها المنظومة بأكملها. مشيراً إلى أن إسقاط طائرة مسيّرة، مهما بلغت كلفتها وتطورها، لا يعني أن تصميمها فاشل، لجهة أن الطائرات المأهولة الأكثر تطوراً في العالم ناهيك عن غير المأهولة، يمكن إسقاطها إذا دخلت بيئة دفاع جوي خطرة دون حماية كافية. مشددا على أن الأكانجي ذاتها ليست مصممة لتكون غير قابلة للسقوط، واضاف:”إنما صممت لتمنح مستخدمها مزيجاً من الارتفاع و المدى و الحمولة والاستشعار والقدرة على تنفيذ مهام متعددة”، مؤكدا على أن فاعلية تلك الطائرة تتوقف على كيفية استخدامها وبالبيئة التي تعمل فيها.
وأبان المصدر العسكري المتقاعد بأن المشكلة ليست في الطائرة وحدها لأن الطائرة المسيّرة لا تعمل منفردة بل هناك شبكة كاملة تقف خلفها من استطلاع وتحديد أهداف واتصالات ومعلومات استخباراتية وملاحة وطائرات اخرى. وقال:” لذا فإن إسقاط طائرة مسيّرة قد يكون نتيجة خلل في هذه الشبكة، وليس بالضرورة عيباً في الطائرة ذاتها.” وزاد: “هناك عامل أنه كلما تطورت وسائل الدفاع الجوي لدى الخصم، لم يعد امتلاك طائرة متقدمة كافياً وحده لضمان السيطرة الجوية”.
وبحسب متابعات “راينو” اكتسبت «بيرقدار» شهرتها العالمية من خلال عمليات في ليبيا وسوريا وأذربيجان، ثم أصبحت حرب أوكرانيا واحدة من أكثر ساحات اختبارها شهرة. وبحسب تقارير إعلامية سابقة عن محللين فقد أظهرت تلك التجارب أن الطائرات المسيّرة قادرة على إحداث تأثير كبير عندما تتوافر لها ظروف تشغيل مناسبة. وتكشف ذات التقارير أن الحرب الأوكرانية قدمت أيضاً درساً معاكساً يتلخص في أنه كلما تكيف الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، تراجعت قدرة الطائرات المسيّرة الكبيرة والبطيئة نسبياً على العمل بحرية. وهذا لا يعني أن الطائرات المسيّرة فقدت قيمتها بل يعني أن طبيعة استخدامها تغيرت، فبدلاً من أن تدخل الطائرة وحدها إلى عمق دفاعات الخصم، أصبحت العمليات الحديثة تعتمد بدرجة أكبر على منظومة مركبة من الطائرات الصغيرة، والاستطلاع، والتشويش، والخداع، والهجمات المتزامنة. وهو ما يلخصه المصدر العسكري في أن المعارك لم تعد طائرة ضد دفاع جوي وإنما منظومة ضد منظومة. موضحا إلى أنه ثمة تطور أكثر إثارة في الحرب السودانية نفسها وقال:” في مايو 2026، حدثت مواجهة جوية بين طائرتين من طراز «أكنجي»، انتهت بإسقاطها بواسطة «أكنجي» أخرى مستخدمة ذخيرة «إيرن» من إنتاج شركة روكيتسان التركية، فإذا صحت تفاصيل هذه الواقعة، فالطائرة التي تظهر في جانب من المعركة بوصفها هدفاً للدفاعات الجوية، تظهر في جانب آخر بوصفها منصة قادرة على اعتراض طائرة مسيّرة أخرى في الجو، وهو ما يعني انتقال الحرب من مسيرة تضرب هدفا أرضيا إلى حرب جوية بين منظومات غير مأهولة نفسها.
هل تراجعت الصناعة العسكرية التركية؟
من جانبه يرى المحلل السياسي إيهاب الحسن في حديثه لـ”راينو” أن القول إن إسقاط عدد من طائرات «أكنجي» أو «بيرقدار» في السودان يعني انهيار الصناعة العسكرية التركية استنتاج مبالغ فيه، مشيراُ إلى أن الوقائع الدولية تشير إلى أن صناعة الطائرات المسيّرة التركية ما تزال تحافظ على حضور قوي في الأسواق الدولية، كما أن «أكنجي» نفسها تواصل الانتشار لدى عدد من المشغلين. وقال:” لكن ما يتعرض للاختبار هو الصورة التسويقية التي ارتبطت بالطائرات التركية باعتبارها قادرة على تغيير موازين الحرب بتكلفة أقل “. شارحاً بان «بيرقدار» أو «أكنجي» لم تستطيعا العمل باعتبارهما سلاحاً بعيداً عن حسابات الدفاع الجوي، فالمسيّرة المتقدمة لا تضمن التفوق وحدها. وأضاف: “دروس السودان وأوكرانيا التي يجب أن يدركها الأتراك تتمثل في أن التجربة السودانية حسمت المسألة بان من يمتلك المنظومة الأفضل، لا الطائرة الأفضل فقط هو القادر على السيطرة، فالسودان تحديدا حطم أسطورة ألأتراك في تحقيق التفوق السريع بسلاح أرخص وأقل كلفة”.
