من قيسان إلى الكرمك .. هل بدأ الطريق إلى الدمازين؟
من قيسان إلى الكرمك.. هل بدأ الطريق إلى الدمازين؟
قراءة عسكرية في تحوّل المبادرة العملياتية في النيل الأزرق
صحيح السودان
أعلن تحالف “تأسيس” السيطرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، بعد أيام قليلة من سقوط مدينة قيسان، في تطور عسكري يعيد رسم المشهد في جنوب شرق السودان ويدفع العمليات نحو مرحلة جديدة عنوانها الأبرز الصراع على الدمازين.
وتزداد أهمية الحدث لأن الكرمك كانت قد انتقلت إلى سيطرة القوات المسلحة في يوليو الماضي، بعد أن سقطت للمرة الأولى في يد تحالف «تأسيس» في مارس. عودة المدينة إلى سيطرة التحالف بعد فترة قصيرة تكشف أن المعركة في النيل الأزرق أصبحت مرتبطة بقدرة كل طرف على الاحتفاظ بالأرض وإدارة العمق العملياتي، وليس بمجرد الاستيلاء على المدن.
وقد أقرّ محافظ الكرمك، عبد العاطي محمد الفكي، في حديث للجزيرة، بأن القوات المسلحة أعادت تموضعها خارج مدينة الكرمك عقب الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع، موضحًا أن جنوب المحافظة يتعرض لهجوم مكثف.
وتعبير “إعادة تموضع القوات المسلحة خارج مدينة الكرمك” يعني عسكريًا فقدان السيطرة على المدينة وخروج القوات الحكومية منها. ومع إعلان “تأسيس” السيطرة عليها، أصبحت نتيجة المعركة واضحة ميدانيًا.
ويأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان الجيش استعادة الكرمك واحتفاله بهذا الإنجاز في الدمازين. لذلك فإن سقوطها مجددًا يمثل انتكاسة عملياتية كبيرة، ويطرح سؤالًا أساسيًا حول قدرة القوات المسلحة على تحويل استعادة المدن إلى سيطرة دفاعية مستدامة.
الكرمك – من رمز للتمرد إلى اختبار لسلطة الدولة
الكرمك مدينة حدودية ذات أهمية إستراتيجية. موقعها على الحدود السودانية الإثيوبية جعلها تاريخيًا بوابة جنوب شرق السودان وعقدة للحركة والإمداد، كما أن المسافة بين المدينة و الدمازين (المسافة بينها وبين الدمازين نحو 130 كيلومترًا)، يمنحها قيمة عسكرية باعتبارها خط دفاع متقدمًا عن مركز الثقل الإداري والعسكري للإقليم. مع طبيعة جغرافية جبلية وغابية وأودية تمنح القوات القادرة على الحركة والمناورة أفضلية مهمة.
سقوط الكرمك وتحولات مسرح العمليات في النيل الأزرق
وتحمل الكرمك أيضًا إرثًا سياسيًا وعسكريًا ثقيلًا. ففي تسعينيات القرن الماضي ارتبط اسمها بمالك عقار إير، أحد قادة الحركة الشعبية في النيل الأزرق آنذاك، وكانت قوات الحركة تحت قيادته قد سيطرت على الكرمك وقيسان عام 1997.
ويرتبط تاريخ المدينة العسكري كذلك باسم جوزيف توكا علي، أحد أبرز القادة العسكريين في الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والذي ارتبط بالنيل الأزرق عسكريًا لأكثر من عقد. وتشير دراسات متخصصة إلى أنه تولى منذ عام 2012 قيادة الجبهة الثانية للحركة الشعبية في النيل الأزرق بعد مغادرة قائدها السابق أحمد العمدة، وأصبح أحد أهم قادة الحركة العسكريين في المنطقة.
وتزداد رمزية الكرمك ارتباطًا بمالك عقار وبما حدث خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما ظهر في المدينة وهو يحرق العلم السوداني علي تراب الكرمك أثناء تمرده المسلح على حكومة الإنقاذ، في مشهد عبّر آنذاك عن رفض سلطة الدولة ورموزها.
بعد نحو ثلاثة عقود، تبدو المفارقة السياسية صارخة، حيث مالك عقار، الذي كان يقود قوات متمردة على الدولة السودانية في تلك المنطقة ويحرق علمها، أصبح اليوم نائبًا لرئيس مجلس السيادة وأحد أركان السلطة الحالية، بينما تخرج الكرمك مرة أخرى من سلطة الدولة.
فالمدينة التي ارتبطت بعقار والحركة الشعبية في مواجهة الخرطوم تعود اليوم إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أبرز نقاط ضعف السلطة المركزية في النيل الأزرق، بينما يشغل الرجل المرتبط تاريخيًا بتمردها موقعًا في قمة مؤسسات الحكم.
وبعد نحو ثلاثة عقود، تغيرت مواقع الرجال والتحالفات والسلطات، بينما بقيت الكرمك واحدة من أصعب اختبارات الدولة السودانية في النيل الأزرق.
من سقوط مارس إلى استعادة يوليو ثم سقوط أغسطس
لفهم سقوط الكرمك الحالي، يجب النظر إلى دورة العمليات فمنذ 25 مارس سيطر تحالف “تأسيس” على المدينة، التي كان يتمركز فيها اللواء 16 مشاة التابع للفرقة الرابعة. وجاء سقوطها نتيجة الهجوم متعدد المحاور، والتكامل بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، واستغلال طبيعة الأرض والعمق الحدودي، إلى جانب محدودية القوة المدافعة مقارنة باتساع مساحة منطقة المسؤولية.
استعاد الجيش لاحقًا عددًا من المواقع، ثم استعاد الكرمك نفسها في يوليو. لكن تلك الاستعادة لم تتحول إلى منظومة دفاعية مستقرة. فقد أظهر تحليل معركة قيسان أن القوات المسلحة استعادت مواقع على محاور الكرمك وقيسان، إلا أن المكاسب تعرضت للانتكاس بسبب ضعف القوة المخصصة للتثبيت والحماية من الهجمات المضادة.
سقوط الكرمك مرة أخرى يؤكد هذه المشكلة بصورة عملية، فالجيش استطاع استعادة المدينة، لكنه لم يحتفظ بها فترة كافية لتحويلها إلى قاعدة دفاعية قادرة على صد الهجوم التالي.
قيسان كانت الحلقة التي سبقت الكرمك
منذ سقوط الكرمك في مارس، دأب تحالف «تأسيس» علي ممارسة ضغطًا متكررًا على محاور أموري ومقجة وسركم وقيسان، بينما ظلت القوات المسلحة موزعة على جبهة واسعة تمتد من دندرو وسالي مرورًا بمحاور الكرمك وصولًا إلى القطاع الشرقي والحدود الإثيوبية.
هذا الضغط المستمر استنزف القوة المدافعة وأبقى القيادة أمام مشكلة توزيع الموارد بين محاور متعددة. ثم جاء سقوط قيسان ليمنح التحالف قدرة أكبر على نقل الضغط، قبل أن ينتقل إلى الكرمك.
وبذلك أصبح التسلسل العسكري واضحًا ويشار إليه بالتسلسل العملياتي التالي،ضغط واستنزاف، ثم سقوط قيسان، ثم إعادة توجيه القوة نحو الكرمك.
الجغرافيا وانتشار القوات
تغطي مسؤولية الفرقة الرابعة مشاة مساحة واسعة من إقليم النيل الأزرق، تمتد عبر محاور دندرو وسالي ومقجة وسركم والكرمك، ثم خور حسن ودوكان وكرن كرن والبركة، وصولًا إلى بكوري وقيسان والحدود الإثيوبية، ويقترب طول هذه الجبهة من 250 كيلومترًا.
هذه المساحة تفرض معضلة كبيرة في توزيع القوات. انتشار الحاميات على مواقع كثيرة يقلل القوة المتاحة لكل موقع، بينما يؤدي غياب احتياط مركزي متحرك إلى صعوبة التعامل مع الاختراقات المفاجئة ونقل القوة بسرعة إلى المحور الأكثر تعرضًا للخطر.
ولعل أقرب مثال علي ذلك أن كتيبة المظلات التي وصلت إلى الدمازين دُفعت إلى الخط الأمامي بدل استخدامها كنواة لاحتياط مركزي متحرك، كما أن تشكيلات أخرى لم يظهر لها أثر حاسم في المعركة.
في المقابل، يتحرك تحالف “تأسيس” بقوة أكثر مرونة تستطيع تركيز الهجوم في نقطة محددة ثم الانتقال إلى محور آخر، وهذه المعادلة تساعد في تفسير السرعة التي انتقلت بها المبادرة من قيسان إلى الكرمك.
استعادة الأرض لا تكفي
تكشف عودة قوات «تأسيس» إلى الكرمك أن المشكلة الرئيسية لم تعد في القدرة على اقتحام المدينة، بل في تثبيتها والدفاع عنها بعد الاستعادة. السيطرة المستدامة تحتاج إلى تأمين محيط المدينة، وحماية طرق الإمداد، ومراقبة محاور الاقتراب، وامتلاك احتياط قادر على مواجهة الهجوم المضاد.
ومحدودية القوة الحكومية مقارنة بالمساحة المطلوب تأمينها، وغياب احتياط تعبوي قادر على التدخل السريع.
التحالف أثبت الآن قدرته على العودة إلى مدينة استعادها الجيش قبل أسابيع، ما يعني أن خطوط الدفاع المحيطة بها لم تمنع إعادة بناء الهجوم. وتصريح المحافظ عن إعادة تموضع القوات خارج المدينة يقدم المؤشر الأوضح
