نجم الدين دريسة: الجيش النخبوي .. اثنان وسبعون عاماً من البطش
نجم الدين دريسة
ليست الذكرى الثانية والسبعون لما يسمى بعيد الجيش مناسبة للأهازيج والمراسم واستدعاء الصور المصنوعة بعناية في مخيلة الدولة المركزية، وإنما لحظة تستحق أن تُفتح فيها دفاتر سبعة عقود من الدم والانقلابات والحروب والوصاية السياسية… فالجيوش لا تصبح وطنية بطول عمرها، ولا تُقاس قوميتها بعدد الأناشيد التي تمجدها، وإنما بما فعلته حين أصبح الوطن في حاجة إلى الحماية، وبما إذا كانت بندقيتها قد حمت المواطن أم استدارت إلى صدره.
لقد نجحت دولة الامتيازات التاريخية طويلاً في صناعة واحدة من أكثر الأكاذيب رسوخاً أن الجيش والوطن شيء واحد، وأن نقد المؤسسة العسكرية خيانة للدولة نفسها. . وبواسطة التعليم والإعلام والثقافة السياسية والأناشيد، صُنعت حول الجيش هالة تحصنه من السؤال والمحاسبة، حتى بدا الاعتراض على دوره السياسي والعسكري كأنه اعتراض على السودان… والحقيقة أبسط وأقسى.. الوطن أسبق من الجيش، والشعب أكبر من مؤسساته، والمؤسسة التي لا تخضع للمساءلة تتحول من أداة للدولة إلى سلطة فوقها.
وإذا نزعت عن تاريخ هذا الجيش طبقات الدعاية، فإنك تقف أمام مؤسسة ارتبط اسمها منذ الاستقلال بانقلابات متلاحقة وحروب داخلية طويلة، بينما ظلت الحدود والسيادة والتنمية والوحدة الوطنية أسئلة مؤجلة. فلم تكن المعضلة في وجود تجاوزات عرضية يمكن ردها إلى أخطاء أفراد، وإنما في بنية عسكرية وسياسية جعلت المؤسسة جزءاً أصيلاً من معادلة الحكم، حتى صار الجنرال منافساً للمدني على السلطة، وأصبح السلاح وسيلة لتحديد مستقبل البلاد بدلاً من أن يكون أداة لحماية نظامها الدستوري.
ومنذ الحروب في جنوب السودان، مروراً بمآسي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، تتكرر المعضلة نفسها.. أزمة سياسية أو مظلمة تاريخية تتحول في عقل الدولة المركزية إلى ملف أمني، ثم تتحول المطالب إلى «تمرد»، وأصحاب المظالم إلى خطر ينبغي إخضاعه. وعلى امتداد هذه الحروب دفع المدنيون أثماناً فادحة من القتل والنزوح والتشريد وفقدان سبل الحياة، بينما ظلت الدولة تعالج سؤال العدالة والمواطنة وتقاسم السلطة والثروة بأدوات الحرب بدلاً من السياسة.
ولم تكن حرب الجنوب هامشاً صغيراً في هذا التاريخ فقد امتدت عقوداً وأزهقت أرواح أعداد هائلة من السودانيين وشرّدت الملايين، قبل أن تنتهي بانفصال جنوب السودان… تلك الكارثة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية طويلة، وإنما التعبير الأكثر فداحة عن فشل الدولة المركزية في إدارة التنوع والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة. والأسوأ أن انفصال الجنوب لم يؤدِّ إلى مراجعة جذرية للعقلية التي أنتجت الحرب، فاستمرت بنية الأزمة نفسها بأشكال ومسميات مختلفة.
وهنا تكمن المأساة لم تتعلم النخب المركزية من انفصال جزء عزيز من السودان أن إخضاع المجتمعات بالسلاح لا يصنع وطناً. ظلت الذهنية نفسها ترى في مطالب الهامش مؤامرة، وفي الاحتجاج تمرداً، وفي القوة العسكرية العلاج الأول للأزمة السياسية. ومن هذه العقيدة توالدت الحروب واتسعت المقابر وتكررت موجات النزوح، بينما ظلت المؤسسة العسكرية محتفظة بمكانها المقدس في خطاب النخب، كأن كل هذه الدماء لا تكفي لإعادة طرح السؤال عن طبيعتها ووظيفتها وعقيدتها.
والحرب الراهنة ليست قطيعة مع ذلك التاريخ إنها امتداده الأكثر انكشافاً. فالسجل الذي كان يمكن لدعاية الداخل إخفاؤه أصبح محل إجراءات وعقوبات دولية. لقد توالت العقوبات الأمريكية على مؤسسات وأشخاص مرتبطين بالجيش ومنظومته العسكرية، ووصلت في يناير 2025 إلى عبد الفتاح البرهان نفسه، وربطت واشنطن إجراءاتها بهجمات قاتلة على المدنيين واستهداف بنى مدنية محمية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما جعل ملف الانتهاكات جزءاً من سجل دولي يصعب دفنه تحت خطاب الحرب.
هذه العقوبات لم تسقط من السماء، ولم تكن أول إجراء يتصل بالمؤسسة وشبكاتها، بل سبقتها وتلتها إجراءات استهدفت مؤسسات وأفراداً مرتبطين بمنظومة الحرب والتسليح… ولذلك فإن الاحتفاء بالمؤسسة كما لو أن العالم لم ير شيئاً، وكأن الدماء والاتهامات والقرارات الدولية مجرد تفاصيل هامشية، ليس احتفالاً بالوطن بقدر ما هو محاولة جديدة للهروب من المحاسبة.. فالوطنية لا تمنح الجيوش حصانة، بل تجعل مسؤوليتها مضاعفة لأنها تحمل السلاح باسم الدولة وعلى نفقة المواطنين.
ثم جاء الملف الذي ينبغي أن يهز أي ضمير وطني الأسلحة الكيميائية… فقد أعلنت الولايات المتحدة رسمياً توصلها إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية بما يخالف القانون الدولي، ورتبت على ذلك عقوبات بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية… إنها مسألة تتجاوز السجال الإعلامي والسياسي، لأنها تضع استخدام أحد أخطر الأسلحة المحظورة دولياً في صميم ملف الحرب، وتطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها حول المسؤولية والقيادة والعقيدة التي تسمح باستخدام هذه الوسائل في صراع داخل الدولة.
والأكثر دلالة أن ملف الأسلحة الكيميائية لم ينته عند ذلك الحد، إذ استمرت الإجراءات الأمريكية المرتبطة به لاحقاً… وهكذا أصبح الحاضر امتداداً أكثر خطورة لسجل تاريخي طويل … من معالجة مطالب الشعوب بالسلاح، إلى الحروب الداخلية الممتدة، وصولاً إلى اتهامات دولية وعقوبات مرتبطة باستهداف المدنيين واستخدام أسلحة كيميائية. ليست القضية إذن حادثة معزولة، وإنما نمطاً يعيد إنتاج نفسه كلما عجزت دولة المركز عن مواجهة أزمتها السياسية والاجتماعية بأدوات العدالة والمواطنة والحكم الراشد.
إن جرائم الحاضر لا يمكن فهمها منفصلة عن جرائم التاريخ.. الذي تغير هو الوسائل وحجم القدرة التدميرية، أما العقل السياسي الذي يرى القوة طريقاً لإدارة أزمة الدولة فلم يتغير بالقدر المطلوب. من حروب الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، ظلت المؤسسة العسكرية تُستدعى كلما عجز المركز عن إنتاج تسوية عادلة. ومع مرور العقود أصبحت الحرب وسيلة لإدامة الدولة القديمة، بينما ظلت الأسئلة الأساسية حول السلطة والثروة والمواطنة والعدالة تنتظر الإجابة.
ثم تعرضت المؤسسة لاختراق سياسي وأيديولوجي عميق، خصوصاً خلال عقود حكم الحركة الإسلامية، حتى اختلطت حدود الدولة بالحزب والجيش بالمشروع السياسي. وفي الحرب الراهنة استعادت مجموعات مرتبطة بالنظام السابق وكتائب ذات مرجعيات أيديولوجية حضورها في المشهد، بما يعيد طرح سؤال جوهري كيف يمكن وصف مؤسسة بالقومية بينما تصبح ساحة لتداخل الجيش والحزب والأيديولوجيا؟ فالجيش الذي تستوطن السياسة بنيته يفقد تدريجياً أهم شروط المهنية والاستقلال، ويتحول إلى طرف في الصراع على السلطة بدلاً من حارس للدستور.
أما الارتهان للخارج، فهو الجرح الذي ينسف كل خطاب زائف عن السيادة. فالسودان لا يحتاج جيشاً يقايض استقلال قراره بحماية إقليمية أو دعم سياسي أو عسكري من هذه العاصمة أو تلك. ولا يمكن لمؤسسة أن تتحدث عن السيادة بينما تصبح حساباتها مرتبطة بمحاور خارجية تتعامل مع السودان باعتباره ساحة نفوذ لا وطناً لشعوب لها حق تقرير مستقبلها. الاستقلال الحقيقي يبدأ باستقلال الإرادة الوطنية، لا بترديد مفردة السيادة في الخطب ثم ممارسة نقيضها في الواقع.
وظلت العلاقة بالمؤسسة العسكرية المصرية والنفوذ المصري في السياسة السودانية موضع أسئلة وخلافات متجددة داخل السودان. وبصرف النظر عن حجم ذلك النفوذ وتفاصيله، فإن المبدأ لا يحتمل المساومة: الجيش السوداني الذي يستحق صفة «القومي» يجب ألا يكون امتداداً لأي مركز قرار خارج الحدود، ولا أداة لحماية مصالح غير سودانية… فاستقلال المؤسسة العسكرية عن المحاور الإقليمية
