صباح محمد الحسن”أطياف”: حصانة مؤقتة

1
sabah

صباح محمد الحسن

طيف أول:

للعصافير التي ظنّت الشبابيك موئلها

وللأماني التي نسيت حلمها البسيط.

 

وخطاب قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان أمس، بمناسبة الذكرى الـ72 لسودنة القوات المسلحة، كشف فيه  تراجع  واضح عن خطوة العفو عن القوى المدنية، بعد أن رفض المدنيون العفو، سواء لعدم أهليته أو لأنهم لم يقترفوا جرماً.

وحاول البرهان بالأمس أن يحفظ ماء وجهه ويرضي فلوله الذين عاتبوه على الفكرة، فقال إن الإجراءات التي تتخذها الدولة بحق المشاركين لا تُصنّف على أنها عفو، بل تخضع بالكامل للتدابير والإجراءات الجنائية المعتمدة.

وأعلن أن وقف الملاحقة أو تعليق الإجراءات في البلاغات والاتهامات القائمة يمثل «حصانة مؤقتة» طوال فترة انعقاد الحوار.

وهنا الجنرال كشف فعلاً أنه لا يملك حق العفو، وأن الحصانة المؤقتة تنسف الرغبة في المشاركة وتوسّع  مداخل الظن فيه، وأن الإجراءات الجنائية هي السقف الذي يُدار تحته الحوار.

وهذا يعني أن الحوار ليس مساراً سياسياً، بل أداة ضغط، وأن السلطة لا تقدم أي تنازل، وأن المشاركين سيدخلون الحوار وهم تحت سيف القانون لا تحت مظلة الحماية.

كما يعدّ الحديث تراجعاً واضحاً عن الضمانات، ويكشف للذين أحسنوا الظن في الجنرال أنه قائد غير جدير بالثقة، تستطيع الفلول أن تغيّر قراراته قبل أن تخرج من مكتبه.

فرفض الفلول لفكرة العفو لم يكن مجرد موقف، بل كان ضغطاً مباشراً على البرهان، والنتيجة أن الخطاب كشف أن القبضة ليست في يد البرهان، بل ما زالت في يدهم وستظل .

فما قيمة أن تكون الحصانة مؤقتة ، إذا وقفنا قليلاً بين لافتتي الحوار السياسي والمُكرالسياسي

فإذا كان البرهان يرى القوى المدنية مجرمة أو مذنبة، فالحوار معها يصبح تناقضاً سياسياً، لأنه يعني أن الاتهام ليس قانونياً، أو أن السلطة لا تملك القدرة أو الجرأة على معاقبتها، أو أنها تحتاجها رغم «إجرامها». وهذا اعتراف ضمني يكشف أن الاتهام سياسي لا جنائي، كما يقول البرهان إنها «ستخضع للإجراءات الجنائية». وهنا يكون الحوار ليس مبنياً على قناعة، بل على اضطرار.

وحين تفكر الدولة بهذه العقلية  والطريقة، فهذا يعني أن خطة الحوار ليست بيد السلطة، بل بيد من يمارس الضغط عليها.

كما أن الجنرال أكد جلياً أن سلطته تستخدم القانون كأداة ضغط لتحقيق مآربه السياسية، وأن الحوار في السودان سيتم بلا ضمانات، وذلك على حد قوله. فاستمرار الإجراءات يعدّ تهديداً مبطناً يكشف عن مناخ أمني خانق، وهذا يجعل الحوار غير صالح لأن يكون مساراً لإنهاء الحرب، بل امتداداً لتصفية الحسابات السياسية عبره.

فحين تدخل القوى المدنية الحوار وهي متهمة بأنها «مجرمة»، فهذا يعني أن السلطة تريد أن تدخلهم بلا قوة ولا حجة، وتجعلهم في موقع دفاع، وتضعهم تحت ضغط الإجراءات.

وبهذا يكونون مجرد تابعين تحت مظلة الحوار، وهذا أسلوب تفاوضي قائم على الترهيب والتخويف لا على الشراكة.

فتعليق الإجراءات فقط أثناء الحوار يعني إمكانية إعادة فتح البلاغات بعد انتهاء الحوار مباشرة، أي أن البرهان سيكون داخل القاعة محاوراً، والكتائب الأمنية تنتظر بالخارج لتقتاد المشاركين إلى معتقلاتها.

فالبرهان يريد أن يقول:داخل القاعة أنت «محمي»، وخارج القاعة أنت «مطلوب».

ألم نقل إنها «مصيدة» سياسية بنوايا خبيثة؟

وهذا الحوار ما هو إلا مسرحية كيزانية مكشوفة. فقبل بداية الحوار، يبدو المشهد الآن كله أقرب إلى السخرية السياسية منه إلى أي عملية حقيقية.

فالبرهان كشف نواياه لأنه يريد أن يمهّد لحوار بلا تنازلات، وبلا ضمانات، وبلا حماية للمشاركين، هذا بجانب أنه يخضع لضغط الفلول. وبذلك كشف أنه لا يملك حق العفو، ولا يملك سلطة إسقاط البلاغات، ولا يملك حتى السيطرة الكاملة على الأجهزة الأمنية. وبهذا فهو لا يستطيع أن يعد بشيء آني، ناهيك عن مستقبلي.اذن هي ليست دعوة حوار بقدر ماهي دعوة تنصيب للجنرال وزٌفِه الي رئاسة الجمهورية

فمن خلال خطابه أمس يمكن أن يُطرح سؤال مباشر:

الفلول والبرهان… من الذي يُبعد من؟!

هذا، وقبله، أن التصريح يضعف الحوار قبل أن يبدأ، ويجعل الشخصيات المدنية ترى أن الدخول فيه مخاطرة، وأن الخروج منه قد يكون إلى المعتقل، لا إلى الحل .

 

طيف أخير:

#لا_للحرب

إن اعتقال الزميل الصحفي قرشي عوض، بالرغم من دعمه للجيش، فقط بسبب انتقاداته للتنظيم، يفضح قبضة الإسلاميين داخل الأجهزة الأمنية، ومحاولة إسكات خصومهم المدنيين، والسيطرة على الخطاب الإعلامي بحيث لا يخرج عن الرواية التي تخدمهم.

فالملاحظ لعملية الاعتقالات المتكررة للمدنيين والصحفيين، أن السلطات الأمنية أصبحت تمارس على الشعب لعبة ضغط ممنهجة، فقط لتجعله ينشغل دائماً بسؤال: «كيف يخرج المعتقل؟»

بدلاً من أن يسأل: «لماذا اعتُقل أصلاً؟»

وهذا في رأيي أخطر أشكال التحكم في الوعي العام.

What do you feel about this?