السودان يدخل خط «محور إيران» .. الحوثيون ينقلون تكنولوجيا المسيرات إلى فصائل إسلامية داخل السودان

1
hoth

تضع معلومات بحثية جديدة السودان في قلب شبكة النفوذ العسكري الإيراني المتحولة، وسط مؤشرات إلى تدريب الحوثيين، بالتعاون مع عناصر من الحرس الثوري، فصائل إسلامية سودانية على تصنيع المسيّرات الانتحارية داخل البلاد. ويكشف هذا التطور أن الحرب السودانية لم تعد أزمة داخلية معزولة، بل باتت مهددة بالاندماج في منظومة إقليمية عابرة للحدود تتبادل السلاح والتكنولوجيا والخبرات ومسارات الإمداد.

وكالات – بلو نيوز

تكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة بالنسبة إلى السودان، ليس فقط لأنها تتناول اتساع شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنما لأنها تضع البلاد مباشرة داخل مسار تحول هذه الشبكة من نموذج تقليدي يقوم على «دعم إيران للوكلاء» إلى منظومة أكثر تعقيداً، تتبادل داخلها الجماعات المسلحة المعرفة والتكنولوجيا ومسارات الإمداد فيما بينها.

ووفقاً لتقرير مرتقب صادر عن مؤسسة «Century International»، يُحتمل أن يكون الحوثيون، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، قد شرعوا في تدريب فصائل إسلامية سودانية داخل السودان على تصنيع طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، تُعرف عملياً بالمسيّرات الانتحارية.

وتتقاطع هذه المعلومات مع ما توصل إليه باحثون إسرائيليون وليبيون بشأن نقل مواد إيرانية عبر ليبيا إلى حلفاء طهران في لبنان والسودان، وربما قطاع غزة، بما يضع السودان ضمن شبكة إمداد إقليمية تمتد من الشرق الأوسط والبحر الأحمر إلى شمال أفريقيا.

وتكتسب هذه المؤشرات دلالات أكثر خطورة في ظل الحرب السودانية المستمرة؛ إذ إن انهيار مؤسسات الدولة، وتعدد الجيوش ومراكز القرار، وعودة شبكات الحركة الإسلامية إلى المجالين العسكري والأمني، عوامل قد تدفع بالسودان من مجرد دولة امتلكت علاقات سابقة مع إيران إلى ساحة أو عقدة محتملة داخل شبكة إقليمية أوسع مرتبطة بطهران وحلفائها، خصوصاً في مجال المسيّرات وطرق الإمداد الممتدة بين البحر الأحمر وليبيا والشرق الأوسط.

ويبرز هنا خطر يتجاوز مسألة وصول السلاح إلى أطراف الحرب؛ فاستمرار القتال والفراغ المؤسسي قد يسمحان لشبكات سودانية مسلحة، وفي مقدمتها فصائل إسلامية بحسب ما أورده التقرير، بالاندماج في منظومة عابرة للحدود لنقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية وتأمين خطوط الإمداد، ومن هذه الزاوية، لم تعد الحرب تهدد السودان وحده، بل يمكن أن تعيد تشكيل موقعه الاستراتيجي في البحر الأحمر، وتفتح الباب أمام تحوله إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع بالوكالة المرتبط بإيران ومحورها الإقليمي.

صمود فاجأ واشنطن وحلفاءها

مع دخول الحرب الأميركية مع إيران شهرها الخامس، فاجأت قدرة طهران على مواصلة إلحاق الأذى بالولايات المتحدة وحلفائها كثيراً من الاستراتيجيين والمحللين.

فعلى مدى أشهر، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بصورة متقطعة، واستهدفتا منشآت حيوية، وقتلتا جزءاً كبيراً من قياداتها العليا. ومع ذلك، أظهرت إيران وحلفاؤها الإقليميون قدرة لافتة على الصمود وإعادة تنظيم صفوفهم. فما يزال حزب الله يمثل تهديداً رغم الحملة الإسرائيلية العنيفة في جنوب لبنان، بينما هاجمت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران منشآت النفط والغاز في الخليج، واستأنف الحوثيون في اليمن حملتهم ضد السفن التجارية في البحر الأحمر.

وتكشف قدرة الجمهورية الإسلامية وشركائها على البقاء، رغم سنوات من الانتكاسات الظاهرة والضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية، عن خلل أساسي في التصور الاستراتيجي الذي قاد إلى الصراع الحالي. فعندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما ضد إيران في أواخر فبراير، استندتا إلى نظرية ظل يروّج لها لسنوات دعاة تغيير النظام في الولايات المتحدة واستراتيجيون إسرائيليون. وتفترض هذه النظرية أن استهداف اقتصاد الجمهورية الإسلامية وقيادتها ومنشآت أسلحتها وخطوط إمدادها الرئيسية بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية سيؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني بصورة قاتلة، ومن ثم توجيه ضربة حاسمة إلى حلفائه، وكان التصور، وفق التشبيه الشائع، أن قطع رأس «الأخطبوط» في طهران سيؤدي تلقائياً إلى ذبول أذرعه المتعددة وموتها.

سقوط «عقيدة الأخطبوط»

قبل عشرين عاماً، ربما كانت حملة عسكرية تستند إلى ما يُعرف بـ«عقيدة الأخطبوط» قادرة على النجاح. ففي ذلك الوقت، كانت العلاقة بين إيران وحلفائها أقل تعقيداً، وكانت الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات تمر أساساً عبر طهران.

لكن المحور لم يعد اليوم منظماً في صورة نظام بسيط يمتلك نقاط فشل محددة يسهل استهدافها، بل أصبح أشبه بشبكة كثيفة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها، حيث يمكن تجميع المعرفة والموارد، وحتى عملية اتخاذ القرار، في مواقع متعددة وفي الوقت نفسه، وعندما يُقتل قائد، أو يُقصف مصنع أو مستودع، أو يُقطع طريق إمداد، تتكيف الجماعات المختلفة بسرعة؛ فتستبدل القائد المستهدف، وتعوض النقص في المعرفة الفنية اللازمة لتصنيع الأسلحة، وتعيد تشكيل خطوط الإمداد عبر مسارات بديلة.

وهذه البنية الأكثر مرونة وتعقيداً هي التي سمحت لحلفاء إيران بالتكيف في السنوات التي أعقبت هجمات حركة حماس في السابع من أكتوبر.

فحتى بعد الدمار الهائل الذي ألحقته إسرائيل بحماس وحزب الله خلال حرب غزة، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا، والحملة الجوية الأميركية–الإسرائيلية الضخمة ضد إيران خلال الربيع، بقي المحور في معظمه قائماً وقادراً على استعادة جزء كبير من قدراته، ونتيجة لذلك، لم يعد بإمكان واشنطن الاعتماد حصراً على أدواتها التقليدية القائمة على تصعيد الضغط السياسي، وتشديد العقوبات، وتوجيه الضربات العسكرية.

وقد تكون هزيمة إيران وجماعات المحور هزيمة كاملة هدفاً بعيد المنال، لكن الحد من التهديد الذي تمثله يظل ممكناً. غير أن ذلك يتطلب من الولايات المتحدة اعتماد استراتيجية إقليمية أكثر شمولاً، تستهدف الشبكات العسكرية والمالية وشبكات المعرفة الدولية المعقدة التي باتت تستند إليها القوة الإيرانية. كما يقتضي هذا التحول التفكير في احتواء إيران وأقوى حلفائها من الفاعلين غير الحكوميين، وربما التوصل إلى تفاهمات معهم، إلى جانب العمل على الحد من انتشار التكنولوجيا منخفضة التكلفة المستخدمة في أنظمة الأسلحة الإيرانية وتلك التي تشغلها جماعات المحور، بما يشمل الانخراط مع الصين، وقد لا يرضي هذا النهج القادة الأميركيين الذين يتطلعون إلى نصر حاسم ومدوٍّ في الشرق الأوسط، لكنه يملك فرصة أكبر للنجاح من الاستراتيجية التي تقوم على ضرب إيران مراراً وانتظار انهيار الجمهورية الإسلامية وشبكة حلفائها.

من حركات تمرد إلى مؤسسات عسكرية

قبل عشرين عاماً، كانت الجماعات التي تُعرف اليوم باسم «محور المقاومة» في معظمها حركات تمرد محلية، تستخدم تكتيكات وتقنيات حروب العصابات التي سادت خلال القرن العشرين، وبدعم من إيران، كان حزب الله قد برز قوةً مؤثرة في السياسة اللبنانية وخصماً عسكرياً قوياً لإسرائيل، وتمكن من صد اجتياحها عام 2006 باستخدام مخزون من الصواريخ قصيرة المدى، التي كانت بدائية نسبياً، إلى جانب طائرات مسيّرة إيرانية الصنع. كما قدم حزب الله وإيران دعماً إلى حركة حماس، التي لم تكن قد أحكمت سيطرتها على قطاع غزة آنذاك.

أما الحوثيون، فكانوا في ذلك الوقت حركة تمرد صغيرة تختبئ في كهوف شمال اليمن، وما يزال يفصلها عدد من السنوات عن تلقي دعم إيراني ذي شأن، وكان عناصر إيرانيون وآخرون من حزب الله قد بدأوا لتوهم تدريب جماعات شيعية عراقية تقاتل القوات الأميركية، وتعليمها كيفية تنظيم الخلايا المسلحة واستخدام الأسلحة الخفيفة، مثل بنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الصواريخ، إلى جانب تصنيع العبوات الناسفة المستخدمة على الطرق.

وخلال العقود التالية، طور الحرس الثوري الإيراني استراتيجية هدفت إلى نقل قدرات هذه الجماعات وغيرها إلى مستوى أكثر تقدماً، وتحويلها من خلايا تمرد محدودة الإمكانات إلى مؤسسات عسكرية وتنظيمية قادرة على العمل بصورة مستقلة، وتتلقى الجماعات المرشحة للانضمام إلى المحور أولاً تدريباً أساسياً، سواء داخل إيران أو، بصورة متزايدة، في الأراضي الخاضعة لسيطرة جماعات أخرى من الشبكة.

أما الجماعات التي تثبت كفاءتها في ساحات القتال، فتحصل على أسلحة أكثر تطوراً، من بينها الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه. وربما تكون هذه الطائرات أقل تقدماً من طائرات «شاهد-136» التي تستخدمها إيران، لكنها تظل قادرة على إصابة أهداف تقع على مسافات بعيدة من قواعد الجماعات التي تشغلها.

ومنذ عام 2025 على الأقل، زودت طهران جماعات «المقاومة الإسلامية في العراق» بصورة منتظمة بطائرات من طرازي «شاهد-101» و«شاهد-107»، استخدمتها خلال الأشهر الستة الماضية في استهداف قواعد عسكرية أميركية وبنى تحتية في دول الخليج.

ويتجاوز الدعم الإيراني في بعض الحالات مجرد تسليم الأسلحة؛ إذ يجري تعليم عدد محدود من الجماعات الموثوقة كيفية تصنيع أسلحتها بنفسها، ولا سيما الطائرات المسيّرة، باستخدام مكونات تستوردها بصورة مستقلة.

واليوم تستطيع حماس وحزب الله والحوثيون تصنيع وتشغيل طائراتهم المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، وضرب أهداف تبعد عن مواقعهم مسافات تصل إلى نحو 1,600 ميل، ومن خلال تطوير القدرات التنظيمية لهذه الجماعات بصورة مدروسة، نجح الحرس الثوري في تحويلها من خلايا تمرد صغيرة إلى مؤسسات تمتلك إمكانات عسكرية ولوجستية متقدمة. فقد أنشأت حماس وحزب الله والحوثيون شبكات خاصة بهم تضم مهربين ورجال أعمال وتجاراً ومهندسين، لتأمين الأسلحة ومكوناتها وتصنيعها، ورغم أن هذه الجماعات قد تبدو للمراقب الخارجي مترابطة بصورة فضفاضة، فإنها أصبحت، بمرور الوقت، تؤدي وظائف تشبه القواعد الصناعية العسكرية التي تمتلكها الدول الغنية والقوية.

الحوثيون يتحولون إلى مدربين

لم يعد الحرس الثوري يتولى بمفرده عمليات التدريب ونقل المعرفة العسكرية، بل أسند جانباً متزايداً منها إلى جماعات المحور نفسها. ومن خلال هذه العملية، أقامت الجماعات المسلحة روابط مباشرة فيما بينها، ومع جهات حكومية وغير حكومية قوية أخرى.

ففي عام 2010، كانت جميع عمليات تدريب حزب الله الموثقة على الطائرات المسيّرة تُجرى داخل إيران وعلى أيدي مدربين إيرانيين.

لكن بحلول عام 2015، بدأ حزب الله نفسه في استضافة دورات تدريبية لجماعات أخرى، من بينها حماس والحوثيون وميليشيات عراقية، ووفقاً لتقرير مرتقب صادر عن مؤسسة «Century International»، كان الحوثيون بحلول عام 2026 يدربون حركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة على تشغيل الطائرات المسيّرة الأساسية، داخل مواقع تدريب في اليمن.

ويرجح التقرير كذلك أن يكون الحوثيون، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، قد شرعوا في تقديم التدريب لفصائل إسلامية سودانية على كيفية تصنيع طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه داخل السودان، وإذا تأكدت هذه المعلومات، فإنها تعني أن العلاقة لم تعد تقتصر على توريد الطائرات المسيّرة أو مكوناتها، بل انتقلت إلى مستوى نقل المعرفة الفنية وبناء قدرات التصنيع المحلي، بما يسمح للجماعات المسلحة بإعادة إنتاج ترساناتها بعيداً عن خطوط الإمداد التقليدية.

المحور يتجاوز ضربات السابع من أكتوبر

على مدى سنوات، بدا أن استراتيجية الحرس الثوري لبناء قدرات حلفائه تحقق نتائجها. فبين عامي 2011 و2023، لعب حزب الله دوراً متزايداً في دعم نظام الأسد المتحالف مع إيران خلال الحرب السورية، وأقام وجوداً واسعاً داخل قواعد عسكرية في أنحاء البلاد إلى جانب الحرس الثوري، مستفيداً من تدفق مستمر للأسلحة والمواد الأخرى من إيران.

وفي العراق، ساعدت الميليشيات المدعومة من طهران على صد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في العراق وسوريا، قبل أن ترسخ وجوداً قوياً داخل أجهزة الأمن العراقية.

وفي اليمن، سيطر الحوثيون على شمال غرب البلاد، بينما تعززت السيطرة العسكرية والسياسية لحركة حماس على قطاع غزة. ثم جاء هجوم السابع من أكتوبر، حاملاً تداعيات هائلة على حلفاء إيران في مختلف أنحاء المنطقة، وعلى إيران نفسها لاحقاً. فقد تعرضت حماس، ومعها أجزاء واسعة من غزة، لدمار هائل نتيجة الرد الإسرائيلي.

وفي سبتمبر 2024، شنت إسرائيل ضربات على بيروت أدت إلى مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وجزء كبير من القيادة العليا للتنظيم. وفي وقت لاحق من العام نفسه، ومع تراجع الدعم الإيراني ودعم حزب الله وتركيزهما على البقاء، أدى هجوم شنته فصائل متمردة إلى انهيار نظام الأسد في سوريا.

وخلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل موجات من الهجمات على إيران، وقال قادة في البلدين إنها دمرت دفاعات الجمهورية الإسلامية الجوية وقدرتها على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وبعد أشهر، قتلت ضربة إسرائيلية عدداً من كبار قادة الحوثيين في اليمن، بينهم القائد الأعلى لبرامج الطائرات المسيّرة والصواريخ وعقب تلك الضربات، أبدى مسؤولون إسرائيليون وبعض المسؤولين الأميركيين ثقة بأن إيران وحلفاءها الإقليميين دخلوا مرحلة الانهيار النهائي لكن بعد أقل من عام، بدا أن هذه الأطراف تمكنت من إعادة بناء جانب كبير من قدراتها.

فقد أطلقت إيران حملة ضخمة من الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد البنية التحتية الخليجية والمنشآت العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على عملية «Epic Fury». كما شنت الميليشيات العراقية مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد القواعد العسكرية الأميركية في العراق والأردن، إلى جانب موجات من الهجمات على دول الخليج.

وفي جنوب لبنان، أظهر حزب الله مقاومة أقوى مما كان متوقعاً عقب الاجتياح البري الإسرائيلي في مارس.

وبعد عام من موافقة الحوثيين على وقف استهداف السفن التجارية الأميركية، وهي الخطوة التي عدّتها إدارة ترامب دليلاً على هزيمتهم، استأنفت الجماعة مهاجمة السفن المارة عبر البحر الأحمر، وفرضت عملياً حصاراً على الموانئ السعودية المطلة عليه. كما استهدف الحوثيون البنية التحتية للطاقة في السعودية للمرة الأولى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة وأوقفت الحرب الأهلية اليمنية عام 2022.

خط إنتاج لا يعتمد على طهران وحدها

أخفقت التوقعات الأميركية والإسرائيلية بشأن هزيمة إيران ومحورها في إدراك التحول الذي طرأ على الطريقة التي ينظم بها الحرس الثوري وحلفاؤه قدراتهم العسكرية والتنظيمية.

ففي السابق، كانت المعرفة العسكرية والتكنولوجية متركزة أساساً داخل الحرس الثوري، لكنها أصبحت اليوم موزعة داخل منظومة أكثر انتشاراً وترابطاً.

وحتى في أوائل عام 2025، بعد الانتكاسات التي تعرض لها المحور في غزة ولبنان وسوريا، وبعد تصنيف إدارة ترامب الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، تمكنت إيران وجماعات المحور من إعادة بناء نفسها وترساناتها بسرعة، مستفيدة من قواعد المعرفة وخطوط الإمداد المتنوعة التي طورتها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في الطريقة التي باتت بها جماعات عدة متحالفة مع إيران تسلح نفسها. فعندما بدأت التحقيقات عام 2024 في كيفية حصول الحوثيين على أسلحتهم، قال مسؤولون أميركيون وأوروبيون إن المصدر الرئيسي لترسانة الجماعة هو الأسلحة المهربة من إيران إلى اليمن على متن السفن الشراعية الخشبية التقليدية المعروفة باسم «الداو».

لكن الحوثيين كانوا قد بدأوا بالفعل تصنيع أسلحتهم بأنفسهم، مستخدمين سلاسل إمداد لا تقل تعقيداً عن طرق التجارة المحلية والدولية التي تعبر البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما افترض مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن معظم أسلحة حزب الله تأتي مباشرة من إيران، وأن انهيار نظام الأسد سيقطع واحداً من أهم طرق إمداده بالسلاح لكن حزب الله، مثل الحوثيين، كان قد أنشأ بالفعل خطوط إمداد بديلة.

وكان من المفترض أن يمثل اعتقال عنصر من حزب الله عام 2024، بعد اكتشاف استخدامه عدداً كبيراً من الشركات الوهمية في إسبانيا وألمانيا لإعادة تصدير أجزاء الطائرات المسيّرة إلى لبنان، جرس إنذار في واشنطن وتل أبيب بشأن التغير الذي طرأ على هياكل مشتريات التنظيم.

فقبل أشهر من انهيار نظام الأسد، كان ذلك العنصر يحاول نقل ما يصل إلى ألفي محرك، وهي كمية تكفي لإعادة بناء أسطول حزب الله من الطائرات المسيّرة إلى المستوى الذي كان عليه قبل عام 2023.

وتسمح خطوط الإمداد الجديدة بتحريك المكونات منفصلة عبر دول مختلفة، ثم تجميعها بالقرب من مواقع الاستخدام، وهو ما يحد من فاعلية استراتيجية أميركية رئيسية لمواجهة إيران وحلفائها، تتمثل في العقوبات وتصنيفات الإرهاب التي تهدد بمعاقبة الأفراد المتعاونين مع الجماعات المصنفة.

مكونات صينية تعيد تشكيل سوق المسيّرات

في مطلع القرن الحالي، كانت العقوبات والملاحقات المالية أدوات فعالة نسبياً في مكافحة انتشار الأسلحة؛ لأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يسيطرون على معظم الصادرات وطرق التجارة والشبكات المالية اللازمة لشراء الأسلحة ونقل السلع المصنعة المتقدمة وحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من خنق برنامج الطائرات المسيّرة الإيراني عبر استهداف الأفراد والشركات المشتبه في تزويد طهران بالمكونات.

وفي عام 2009، على سبيل المثال، اعتقلت السلطات الألمانية مجموعة من رجال الأعمال الإيرانيين الذين حاولوا إرسال محركات طائرات مسيّرة إلى إيران، مدعين أنها محركات مخصصة لدراجات مائية لكن المصنعين الصينيين ينتجون اليوم المكونات الوسيطة اللازمة لتصنيع الطائرات المسيّرة بأعداد متزايدة وتكاليف متراجعة.

ولا تفرض الصين قيوداً على بيع كثير من الأجزاء المستخدمة في تصنيع الطائرات المسلحة، على أساس أنها صُممت في الأصل للاستخدام المدني. وفي حالات عديدة، ترفض بكين اتخاذ إجراءات عقابية ضد شركات صينية فرضت الولايات المتحدة عليها عقوبات بسبب بيع هذه المكونات، مستندة إلى المبرر نفسه، وتُستخدم اليوم نسخ صينية وإيرانية من المحركات التي كان يُقال إنها مخصصة للدراجات المائية في حملات الطائرات المسيّرة الروسية والإيرانية في أوكرانيا والشرق الأوسط، ومن خلال مواقع التجارة الصينية مثل «علي بابا»، تستطيع إيران وجماعات المحور تصنيع طائرة «أبابيل-T»، التي شكلت تاريخياً إحدى أبرز طائرات أسطول المحور، باستخدام مكونات صينية متاحة تجارياً وبتكلفة تقترب من 1,500 دولار.

وللحصول على طائرات الرؤية من منظور الشخص الأول وتعديلها، وهي الطائرات التي يستخدمها حزب الله في استهداف الجيش الإسرائيلي منذ أوائل عام 2026، لا يحتاج التنظيم عملياً إلا إلى بطاقة ائتمان، وإمكانية الوصول إلى مقاطع تعليمية على منصة «يوتيوب»، وقدر محدود من الخبرة الصناعية وبذلك، أصبحت نقاط الاختناق الرئيسية التي كان يمكن استخدامها للحد من انتشار المسيّرات خارج نطاق السيطرة الأميركية.

كما أن الحجم الهائل للتجارة العالمية يجعل من شبه المستحيل، حتى بالنسبة إلى الدول التي تمتلك موارد ضخمة، تعقب جميع الشحنات القادمة من الصين.

وفي معظم الحالات، تشتري المكونات شركات وهمية مجهولة الهوية، كثيراً ما تكون مسجلة في مناطق تسمح قوانينها بتأسيس الشركات من دون الكشف العلني عن أصحابها الحقيقيين.

ثم تُنقل هذه المكونات وسط ملايين حاويات الشحن التي تعبر البحار يومياً، قبل تسليمها وتجميعها داخل مراكز تجارية تعطي الأولوية لتسهيل الأعمال على حساب فحص الشحنات أو الالتزام بالعقوبات، وعندما تُفرض عقوبات على شركة وهمية، يغلقها أصحابها ببساطة ويسجلون شركة جديدة باسم آخر.

“أسطول الظل” ومسارات التهريب القديمة

رغم توسع التصنيع المحلي واعتماد شبكات المشتريات التجارية، ما تزال إيران وحلفاؤها يستخدمون أساليب التهريب التقليدية. فلدى طهران سجل طويل في نقل الأسلحة إلى الجماعات الحليفة عن طريق البحر، سواء باستخدام مهربين على متن قوارب صغيرة أو عبر أسطولها من سفن الحاويات.

وفي السنوات الأخيرة، تعاونت إيران مع شبكة معقدة من رجال الأعمال الدوليين لبناء ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، الذي يضم سفناً يصعب على السلطات الغربية تعقب حركتها وشحناتها.

فعلى سبيل المثال، تغلق شبكة من سفن الشحن أنظمة التعريف الآلي الموجودة على متنها بصورة منتظمة في خليج عُمان، قبل التوجه في رحلات سرية إلى ميناء الشهيد رجائي الإيراني، ثم تعيد تشغيل الأنظمة بعد مغادرة السفن مضيق هرمز، ونقلت كثير من هذه السفن شحنات مجهولة إلى سوريا قبل انهيار نظام الأسد، وما تزال تنقل شحنات إلى الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، وترتبط هذه السفن، من خلال شركات وهمية، برجل أعمال سوري تعرض مراراً للعقوبات بسبب نقله النفط والأموال لصالح إيران وحزب الله.

ليبيا بوابة إلى السودان ولبنان

في الوقت نفسه، عادت السفن الإيرانية المملوكة للدولة أخيراً إلى البحر المتوسط، بعد أن كانت تتجنب المنطقة بين عامي 2023 و2025، وأصبحت ترسو بصورة منتظمة في الموانئ الليبية، وخلص باحثون إسرائيليون وليبيون إلى أن مواد إيرانية يجري نقلها حالياً من ليبيا إلى حلفاء طهران في لبنان والسودان، وربما قطاع غزة.

وحتى في ظل الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، التي تعهدت بمنع عمليات نقل الأسلحة، ما تزال عمليات التهريب إلى لبنان مستمرة عبر الطرق والموانئ السورية، وقد أسهمت خطوط الإمداد المتغيرة والعلاقات التي يعاد تشكيلها باستمرار في تحويل شبكة حلفاء إيران الإقليميين إلى منظومة معقدة، تتمتع بقدرة عالية على التكيف مع الضربات والعقوبات وإغلاق طرق النقل التقليدية، وبالنسبة إلى السودان، تمثل المسارات القادمة عبر ليبيا تطوراً بالغ الحساسية؛ إذ توفر الحرب المفتوحة، واتساع الحدود، وضعف سلطة الدولة، بيئة تسمح بمرور المكونات العسكرية والخبراء والأموال بعيداً عن الرقابة الرسمية.

استراتيجية جديدة أمام واقع متغير

يفرض الواقع الجديد للمحور على الولايات المتحدة تطوير استراتيجية مختلفة، تبدأ بالاعتراف بأن الاعتماد على القوة العسكرية والحرب الاقتصادية وحدهما لن يقود إلا إلى دورات متكررة من الصراع، قد تجر واشنطن إلى حرب أخرى طويلة ومفتوحة في الشرق الأوسط، وبدلاً من ذلك، ينبغي إعطاء الأولوية لمزيج من الإجراءات يشمل مواصلة تعطيل الشبكات التجارية والمالية للمحور، ومحاولة فصل الجماعات التي لم تندمج بالكامل بعد في هذه المنظومة، مثل الجماعات التي يعمل الحوثيون على استقطابها في القرن الأفريقي، إلى جانب الانخراط السياسي مع الجماعات الأكثر رسوخاً، خصوصاً عندما تتحول إلى ممارسة الحكم في المناطق التي تسيطر عليها، ولا يتعين أن تقتصر هذه التفاهمات على اتفاقات ثنائية مؤقتة، مثل الهدنة الأميركية مع الحوثيين، بل يمكن أن تتخذ شكل ترتيبات منظمة تهدف إلى التوصل إلى تسويات سياسية دائمة داخل كل دولة في المنطقة، بالتوازي مع دبلوماسية أميركية–إيرانية.

أما البديل، فيتمثل في تخلي واشنطن عن حذرها واتباع نموذج الحرس الثوري نفسه، عبر إقامة شبكة خاصة بها من الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين لمقاتلة المحور نيابة عنها. لكن تدريب الجماعات على تطوير أسلحتها الخاصة واستخدامها سيكون عملية شاقة ومحفوفة بمخاطر خطيرة، وبالنظر إلى سجل الولايات المتحدة غير المستقر في بناء القوات التقليدية للدول الحليفة، وإلى ميلها للتخلي عن حلفائها من الدول والجماعات بمجرد انتهاء حاجتها إليهم، فإن محاولة تكرار هذا النموذج قد تفضي إلى عواقب كارثية، وأياً يكن النهج الذي ستتبعه واشنطن، فإنها ستواجه صعوبة في الحد بمفردها من انتشار الأسلحة المتقدمة التي يمكن تصنيعها باستخدام مكونات متاحة تجارياً. فالولايات المتحدة ربما ما تزال الاقتصاد الأكثر تقدماً في العالم، لكن نقاط الاختناق الرئيسية في انتشار الطائرات المسيّرة لم تعد تحت سيطرتها، ولا تملك الصين، في الوقت الراهن، حافزاً كبيراً لمساعدة واشنطن على وقف مشتريات الجماعات المسلحة من مكونات الطائرات المسيّرة، لكنها تشعر في الوقت نفسه بالقلق من التهديد الذي قد تمثله تلك الطائرات لأمنها الداخلي.

كما أن مراكز تجارية، من بينها الإمارات العربية المتحدة، ظلت تغض الطرف طويلاً عن بعض هذه الأنشطة، ربما بدأت تعيد النظر في موقفها بعد تعرض المنطقة لموجات من طائرات «شاهد-136» خلال العام الحالي، وقد تساعد مبادرة متعددة الأطراف لتحسين تتبع المكونات ذات الاستخدام المزدوج، وفرض عقوبات متفق عليها على عمليات نقلها إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية، في تقييد قدرة هذه الجماعات على بناء ترسانات ضخمة من الطائرات المسيّرة مستقبلاً.

السودان أمام منعطف إقليمي خطير

تكشف هذه المعطيات أن استمرار الحرب السودانية لا يعني فقط مزيداً من القتل والنزوح وتدمير مؤسسات الدولة، بل يهدد أيضاً بإعادة تعريف موقع البلاد داخل صراعات المنطقة.

فإذا تحولت الأراضي السودانية إلى مواقع لتدريب الفصائل المسلحة وتصنيع الطائرات المسيّرة، أو إلى ممر للمواد والمكونات العسكرية القادمة عبر ليبيا والبحر الأحمر، فإن السودان قد ينتقل من حرب داخلية مدمرة إلى جزء من بنية صراع إقليمي طويل الأمد، ويزيد هذا الاحتمال من خطورة عودة الفصائل الإسلامية إلى واجهة العمليات العسكرية، ويطرح أسئلة ملحة بشأن الجهات التي تتلقى التدريب والتكنولوجيا، وطبيعة ارتباطاتها الخارجية، ومصادر تمويلها، والجهات المسيطرة على برامج الطائرات المسيّرة داخل البلاد. فالخطر لا يكمن فقط في وصول طائرة مسيّرة أو شحنة سلاح، وإنما في انتقال القدرة على التصنيع والمعرفة الفنية وبناء شبكات الإمداد المستقلة. إذ يمكن اعتراض السلاح المهرب أو تدميره، لكن المعرفة العسكرية حين تستقر داخل جماعات عابرة للحدود تصبح أكثر قدرة على البقاء والتوسع وإعادة إنتاج نفسها، ويتعين على أي نهج دولي لمواجهة هذه الشبكة أن يجمع بين تعطيل مصادر التمويل، وملاحقة شركات الواجهة، وتتبع المكونات ذات الاستخدام المزدوج، والانخراط الدبلوماسي، بدلاً من الركون إلى نظريات شاملة ومبسطة ثبت فشلها. أما ما لا تستطيع واشنطن فعله، فهو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؛ إذ لن يكون التعويل على انهيار إيران وحلفائها كافياً لتفكيك شبكة ما تزال قوية، وقادرة على التكيف، وإعادة بناء قدراتها، ونقل خبراتها إلى ساحات جديدة قد يكون السودان إحداها.

What do you feel about this?