التضخم تجاوز نسبة 51% .. تريليون دولار خسائر الاقتصاد السوداني بسبب الحرب
وكالات – بلو نيوز
يواجه الاقتصاد السوداني أخطر مراحله منذ الاستقلال، بعد أن حوّل النزاع المسلح المستمر الأزمة من حالة ركود مزمن إلى انهيار شامل في المؤشرات الكلية والقطاعية. وتقدر الأمم المتحدة الخسائر الاقتصادية التراكمية بنحو تريليون دولار أمريكي، فيما تتفاقم أرقام التضخم والفقر وانعدام الأمن الغذائي، وتتجزأ السياسات النقدية والمالية، وتتآكل البنية الإنتاجية للدولة بشكل متسارع.
وتتجلى ملامح هذا الانهيار أولاً في أرقام الاقتصاد الكلي؛ فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 51.28% في يونيو 2026، مقابل 44.5% في مايو، بينما قفز التضخم الشهري إلى 7.08% بعد أن كان 3.97% فقط. وجاءت الزيادة مدفوعة بارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 54.49%، وقطاع النقل بنسبة 65.89%، ما وضع غالبية الأسر تحت ضغط معيشي غير مسبوق.
انهيار الجنيه
وفي الاتجاه نفسه، فقد الجنيه السوداني أكثر من 80% من قيمته خلال عامين، وجرى تداوله في يونيو 2026 عند نحو 5700 جنيه مقابل الدولار في السوق الموازية، بعد أن تجاوز 4400 جنيه في وقت سابق من الشهر. ويقترن ذلك بنقص حاد في السيولة النقدية، وتجميد للحسابات المصرفية في مناطق النزاع، وظهور خصومات تصل إلى 30% عند سحب الأموال عبر وكلاء التحويل.
ولا يمكن فصل هذا التدهور النقدي عن الواقع الإنساني المتدهور؛ إذ تتوقع شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET أن يصل عدد المحتاجين للمساعدة إلى ما بين 22 و22.99 مليون شخص بحلول يناير 2027، أي ما يعادل 40% إلى 45% من السكان، مع دخول مناطق واسعة مرحلة الطوارئ وفق التصنيف المرحلي المتكامل، وبروز خطر المجاعة في بعض البؤر.
ويؤكد ذلك ما أعلنه برنامج الأغذية العالمي WFP في يوليو 2026، إذ تمكن في يونيو من الوصول إلى 955 ألف شخص في شمال شرق السودان و242 ألفًا في إقليم كردفان الكبرى بمساعدات غذائية ونقدية، بينما لا يزال نحو 25 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في ظل أضرار الفيضانات وتفشي الأمراض وإنهاك النظام الصحي، وهو ما يقوض أي محاولة للصمود الاقتصادي على مستوى الأسر والمجتمعات.
شلل الأسواق المحلية
وإذا كانت الأرقام الكلية تعكس حجم الصدمة، فإن أثر النزاع على الأسواق والإنتاج يكشف عن عمقها. فقد تسبب القتال في شلل واسع للأسواق المحلية وخطوط التجارة، وزادت الضربات التي استهدفت أسواقًا وبنى تحتية للصحة والوقود في يوليو 2026 من تعطيل سلاسل الإمداد، ورفعت كلفة النقل، ووسعت الفجوة السعرية بين الولايات. ومع تزايد المخاطر، تراجعت رغبة التجار في إعادة فتح خطوط الإمداد أو الاستثمار في مناطق غير مستقرة.
وانعكس ذلك مباشرة على القطاع الصناعي، حيث خرج ما يقدر بنحو 2500 مصنع عن الخدمة، ما قضى على جزء كبير من الطاقة الإنتاجية الرسمية، وأدى إلى ارتفاع البطالة، وتراجع المعروض من السلع المصنعة محليًا، وزيادة الاعتماد على الواردات بأسعار مرتفعة.
وفي المقابل، ومع انسحاب الدولة من مساحات واسعة، أعادت عمليات التهريب وتحويل مسارات الصادرات تشكيل الخريطة التجارية. وأصبحت صادرات الذهب الرسمية تمثل كسراً ضئيلًا من الإنتاج الفعلي، إذ تُهرب كميات ضخمة عبر تشاد وليبيا والإمارات العربية المتحدة لتمويل الفاعلين المسلحين وشبكات التجارة غير الرسمية بعيدًا عن إيرادات الخزينة العامة.
سرقة الذهب
واتهمت وزارة المالية في سلطة الأمر الواقع جهات مسلحة بسرقة 2.7 طن من الذهب و9 أطنان من الفضة و350 مليون دولار من الخزينة في مارس 2024، في حين لم تتجاوز صادرات الذهب الرسمية المعلنة نحو 1.5 مليار دولار لعامي 2024 و2025. وجرى الأمر ذاته مع الصمغ العربي الذي تحولت صادراته إلى قنوات غير رسمية، ما أفقد الدولة مصدرًا تقليديًا مهمًا للنقد الأجنبي.
وبهذا لم يعد النزاع يعطل الاقتصاد الرسمي فحسب، بل أعاد إنتاجه على صورة اقتصاد موازٍ يغذي الحرب ويعمق العجز المالي للدولة.
وزادت الضغوط الدولية من تعقيد المشهد؛ ففي منتصف يوليو 2026 فرضت الولايات المتحدة قيودًا جديدة شملت حظر شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة من المجال الجوي الأمريكي، وتقييد وصول السودان إلى التمويل والصادرات الأمريكية، وإعلان معارضة القروض والمساعدات من المؤسسات المالية الدولية باستثناء المساعدات الإنسانية.
العقوبات الدولية
واتسع نطاق الاستهداف ليمل قطاع الذهب عبر قيود من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على شركات التعدين، وهو القطاع الذي يشكل المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي المستخدم في تمويل العمليات العسكرية وشبكات التجارة عبر الحدود. ويزيد من هشاشة الوضع ضعف تطبيق ضوابط مكافحة غسل الأموال، ووجود مسارات إقليمية للغسيل عبر الإمارات ومصر وليبيا، ما يقوض الرقابة على حركة النقد الأجنبي عبر الحدود.
داخليًا، انعكست هذه العوامل في تجزئة حادة للنظام النقدي والمصرفي. فمع انهيار البنوك في مناطق النزاع، لجأ المواطنون إلى الاحتفاظ بالكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، وبرزت منصات تحويل أموال غير مرخصة لسد الفجوة، أبرزها “بنك المستقبل” المرتبط بقوات الدعم السريع، والذي تطور ليؤدي وظائف سلطة نقدية موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واتسع نشاطه ليشمل وكلاء في أوغندا، ما أثار مخاوف دولية تتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما أن إصلاحات العملة التي نفذها بنك السودان المركزي في نوفمبر 2024 استبعدت عمليًا المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع من التداول الرسمي، ورسخت واقع عملتين متوازيتين. وتسببت أزمة السيولة في تسارع تلف الأوراق النقدية، ودفعت بعض المناطق إلى استخدام عملات متعددة في التجارة، وأفاد سكان بوجود حسابات مرتبطة بتطبيقات مصرفية مجمدة أو تعرضت لاختفاء أرصدة.
وفي هذا السياق، واجهت مقترحات إنشاء “بنك ذهب” سيادي انتقادات حادة، على أساس أن إنشاءه بمرسوم وإشراك رأس المال العسكري المحتمل فيه يهدد استقلالية البنك المركزي والحوكمة والرقابة. وبذلك أدت معدلات التضخم المرتفعة والانهيار السريع لقيمة العملة وانتشار أنظمة دفع غير منظمة إلى تقييد قدرة البنك المركزي على استعادة استقرار العملة أو إدارة السياسة النقدية بفعالية.
ضعف الأجور
ولم تسلم سوق العمل من هذا الانهيار المتسلسل؛ فقد تم تعليق رواتب أكثر من 350 ألف معلم وإداري منذ أبريل 2023، كما أدى تدمير المصانع إلى فقدان مئات الآلاف من فرص العمل في القطاع الصناعي. وزادت موجات النزوح من تعقيد الأزمة، إذ تجاوز عدد النازحين داخليًا 10 ملايين شخص، وعدد اللاجئين 4 ملايين بحلول 2026، ما فرض ضغطًا كبيرًا على أسواق العمل في مناطق الإيواء، وقلل من توفر العمالة في مناطق الإنتاج.
وتعاني مناطق الخطوط الأمامية مثل شمال دارفور وكردفان الكبرى والنيل الأزرق من توقف أنشطة سبل العيش، ومحدودية فرص توليد الدخل، وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، ما أبقى معدلات البطالة والبطالة الجزئية في مستويات قياسية. وتراجع الدخل الحقيقي للأسر بشكل حاد، فمع تضخم عند 51% وانهيار الجنيه بأكثر من 80% لم تعد الأجور كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، ودخلت شريحة واسعة من الطبقة الوسطى دائرة الفقر.
تدريب اللاجئين
ورغم قسوة الصورة، حاولت بعض الاستجابات الإنسانية التخفيف من الأثر؛ فقد قدم برنامج الأغذية العالمي في مصر خلال يونيو 2026 تدريبات حرفية ومنحًا صغيرة ومساعدات نقدية للاجئين السودانيين، وأفادت بيانات بأن أكثر من 80% من المشروعات الصغيرة المدعومة نمت، ووسعت واحدة من كل خمس مؤسسات قوتها العاملة.
كما وظف صندوق الأمم المتحدة للسكان 60 قابلة مجتمعية في شمال كردفان والنيل الأبيض، ما وفر توظيفًا مؤقتًا في القطاع الصحي. غير أن هذه المبادرات تبقى محدودة الأثر أمام حجم الأزمة.
إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد أزمة دورية يمكن احتواؤها بإجراءات فنية، بل انهيار بنيوي تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: انهيار نقدي ومالي، وتدمير للطاقة الإنتاجية، وتدهور إنساني واسع. وبدون وقف فوري للنزاع، وإعادة توحيد السياسة النقدية والمالية، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، سيظل الاقتصاد في حالة انحدار.
وتشكل إعادة الصادرات عبر القنوات الرسمية، ورفع القيود عن القطاع المصرفي، وإعادة تأهيل البنية التحتية للإنتاج والنقل أولويات عاجلة. كما أن أي معالجة مستدامة تتطلب حوارًا وطنياً يفضي إلى حكومة قادرة على إدارة الموارد واستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.
وفي غياب ذلك، فإن التوقعات تشير إلى مزيد من التضخم، واتساع رقعة الجوع، وتعمق الاقتصاد غير الرسمي، وخروج أجزاء متزايدة من البلاد عن سيطرة الدولة المركزية اقتصاديًا ونقديًا، وهو ما يجعل إنهاء الحرب الخيار الوحيد أمام أي مسار للتعافي.
صحيح السودان
