السودان في التحالف البحري السعودي .. حضور بروتوكولي لدولة تستنزفها الحرب وتغيب عن معادلات التأثير

11
thalf

صحيح السودان

تُشكل مبادرة المملكة العربية السعودية بتأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات خطوة إستراتيجية محورية لحماية الملاحة الدولية في مناطق حيوية تشمل مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن؛ استجابةً لمُقتضيات أمن خطوط التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وشهد اجتماع التأسيس بالرياض حضور ممثلين عن 43 دولة من أصل 51 دولة ومنظمة وُجهت لها الدعوة، ومن بينها الاتحاد الأوروبي.

ويأتي هذا التحرك في توقيت لا يخلو من دلالة، إذ تتعرض ممرات مائية إقليمية أخرى، أبرزها مضيق هرمز، لتوترات متصاعدة، بينما تواصل جماعة الحوثي فرض تهديدات على حركة الملاحة في باب المندب، وهو ما يمنح مشروع التحالف طابعًا طارئًا يتجاوز البعد الرمزي إلى ضرورة تشغيلية فعلية.

سلطة الأمر الواقع تستغل المبادرة

في الوقت الذي يُجمّد فيه الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، منذ 27 أكتوبر 2021، بموجب المادة رقم (30) من الميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي، والتي تقضي بتجميد مشاركة الدول التي تطرأ فيها تغييرات غير دستورية للحكومات؛ يستغلّ  قائد الجيش وانقلاب 25 أكتوبر 2021 مبادرة المملكة العربية السعودية لتأمين الإقليم لتقوية موقفه وتأمين انقلابه وإضفاء شرعية دولية على سلطته دون وجه حق.

ولم يكن قرار الاتحاد الأفريقي إزاء سلطة الأمر الواقع حينها موقفًا عابرًا سرعان ما تراجع عنه؛ فقد أكد مجلس السلم والأمن الأفريقي، في اجتماعه بأديس أبابا في فبراير 2026، أي بعد أكثر من أربع سنوات على الانقلاب، إبقاءه على قرار التجميد، ورفض المقترح المصري المدعوم جزائريًا برفعه، مشترطًا لذلك انتقالًا ديمقراطيًا مدنيًا حقيقيًا لم يتحقق منه شيء حتى اليوم. هذا الثبات في الموقف الأفريقي، رغم الضغوط الدبلوماسية السودانية، يكشف أن غياب الشرعية ليس مجرد وجهة نظر سياسية قابلة للجدل، بل واقعة مؤسسية موثقة يقرها أكبر تجمع قاري معني بشؤون السودان.

وبهذا يمنح التحالف البحري الجديد، بانفتاحه على توقيع سلطة الانقلاب دون قيد مشابه لمعيار الاتحاد الأفريقي، البرهان وسلطة الأمر الواقع عمليًا ما رفضته المنظومة الأفريقية بإصرار طوال أكثر من أربع سنوات، وهو الاعتراف الدولي بصفة تمثيلية لم يكتسبها من صندوق اقتراع ولا من حكومة مدنية توافقية.

الدول المشاركة في البيان التأسيسي

إلى جانب جمهورية السودان التي يمثلها طرف انقلابي فرض أمرًا واقعًا بالقوة، يضم البيان المشترك الصادر من الرياض أربع عشرة دولة مؤسسة لإطار التعاون الدفاعي البحري. تقود المملكة العربية السعودية هذا التحالف بصفتها الدولة المؤسسة والمستضيفة لمقره الدائم، وقيادته المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، والأمانة العامة. وتشارك في التحالف دول ذات أنظمة ومؤسسات مستقرة تشمل دولة الكويت، ومملكة البحرين، ودولة قطر، والمملكة الأردنية الهاشمية.

كما يضم التحالف قوى بحرية وإقليمية تتمتع بأساطيل وقدرات عسكرية راسخة وقدرة على النشر، وهي جمهورية مصر العربية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية. وتكتمل قائمة الدول الموقعة بوجود جمهورية بنغلاديش الشعبية، وجمهورية نيجيريا الاتحادية، والجمهورية اليمنية، وجمهورية جيبوتي، وجمهورية الصومال الفيدرالية.

احتفاء بالتمثيل لا يُوازيه واقع

شارك في اجتماع الرياض التأسيسي الفريق أول ركن ياسر العطا، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، وهو المستوى نفسه الذي وُصف به الحضور العام للاجتماع في البيانات الرسمية “رؤساء هيئات الأركان وممثلو الدول الشقيقة والصديقة”، مع الإشارة إلى أن المشاركة جرت “حضوريًا أو عبر الاتصال المرئي” لعدد من الدول من أصل 51 دولة ومنظمة وُجهت إليها الدعوة.

لا تتوفر في المصادر المتاحة تفاصيل دقيقة تحدد أي الدول أرسلت رئيس أركانها الفعلي حضوريًا وأيها اكتفت بممثل أدنى رتبة أو بالمشاركة عن بُعد، لذا يتعذر إجراء أي مقارنة رقمية دقيقة بين مستويات تمثيل الدول الأربع عشرة الموقّعة بحسب الوثائق المتاحة.

لكن غياب هذا التفصيل لا يُسقط السؤال الأهم بصرف النظر عمن مثّل الدول الأخرى وبأي رتبة، فأن يحضر أعلى ضابط في هيئة الأركان السودانية اجتماعًا تأسيسيًا لتحالف دفاعي بحري، هي مسألة تتعلق بمدى تطابق هذا الحضور مع واقع الدولة التي يمثّلها. فالعطا، رئيس أركان جيش لا يسيطر فعليًا على كامل التراب السوداني، ولا يزال يخوض حربًا داخلية دخلت عامها الرابع دون حسم عسكري، ولا يملك القدرة على تأمين الميناء الذي يُفترض أن يشارك من خلاله في “تأمين الملاحة الدولية”. هذا التناقض بين حجم الالتزام الذي يوقّع عليه العطا وحجم القدرة الفعلية للمؤسسة التي يقودها يستدعي التساؤل.

مشاركة العاجز

وبحسب المعلومات الميدانية المتاحة، يشتمل العتاد البحري السوداني على نحو خمس سفن دوريات فقط، ويخلو من الغواصات والفرقاطات. وبهذه المعطيات، فإن أمام الأسطول المحدود مهمة معقدة تتمثل في تأمين ساحل يمتد لنحو 700 كيلومتر على البحر الأحمر. ويبلغ مجمل أفراد القوات البحرية والقوات الجوية السودانية مجتمعين أقل بكثير من 15 ألف فرد، وذلك ضمن جيش يُقدّر إجمالي قوامه بين 100 ألف و150 ألف جندي. كذلك يعاني الجيش من إنهاك عملياتي كبير جراء خوضه حربًا داخلية مدمرة ومستمرة منذ أبريل 2023.

والأخطر أن قاعدة هذه القوة البحرية ذاتها، أي بورتسودان، لم تعد ملاذًا آمنًا بعيدًا عن الحرب، بل تحولت منذ مايو 2025 إلى هدف مباشر لموجات متكررة من الهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مطارها، وقاعدتها العسكرية، ومستودعات الوقود المتاخمة للميناء الرئيسي، وأدت إلى حرائق واسعة وانقطاع كامل للكهرباء عن المدينة.

ويجدر النظر إلى أن بورتسودان ليست مدينة ساحلية عادية؛ فهي حالياً المقر المؤقت الحالي للحكومة السودانية منذ اندلاع الحرب في الخرطوم، ومقصدٌ لمئات الآلاف من النازحين والبعثات الأممية والدبلوماسية. وفي هذا كله مفارقة تُلخّص المسافة بين طموح التوقيع على تحالف لتأمين الملاحة الدولية وبين العجز عن تأمين الميناء الوطني الوحيد الذي تدير الحكومة شؤونها منه.

هذا الواقع يجعل السواحل والموانئ السودانية رهينة لصراع داخلي متواصل بدلًا من الخضوع لإستراتيجية بحرية متكاملة، ويجعل الحديث عن “مشاركة سودانية” في تأمين الممرات البحرية الدولية أقرب إلى التناقض حين تكون الدولة ذاتها عاجزة عن تأمين ميناء عاصمتها المؤقتة.

لا شك أن مشاركة السودان وجيشه في هذا التحالف كانت ستكتسب بعدًا أقوى وأجدى للتحالف نفسه، لو جاءت عبر سلطة منتخبة ديمقراطيًا تعبّر عن إرادة شعبية، وجيش وطني محايد قوي يمتلك مقومات القوة والبأس والعدة والعتاد، وليس جيشًا تحوّل إلى أداة بيد جماعة أيديولوجية تستثمر مؤسسة الدولة لتثبيت سلطتها.

عندها فقط ستُضيف مشاركة السودان في مثل هذا التحالف وزنًا وقدرة، لا توقيعًا شكليًا يبحث عن غطاء دولي لواقع فرضته البندقية.

What do you feel about this?