الطينة وكلبس: من نقطتين حدوديتين إلى مركز ثقل جديد في الحرب السودانية

4
klbs

وكالات – بلو نيوز

أعادت التقارير الواردة عن حشود عسكرية كبيرة لقوات الجيش السوداني وحلفائه من القوات المشتركة من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى على الحدود السودانية التشادية، تسليطَ الضوء على الشريط الحدودي المُمتدّ بين منطقتي الطينة وكلبس في ولاية شمال دارفور، وهو شريط ظل لعقود ممرًا هادئًا نسبيًا للتجارة والرعي وحركة السكان عبر الحدود، قبل أن تُحوِّلَه الحربُ الدائرة منذ أبريل 2023 إلى واحد من أكثر المحاور حساسية على المستويين اللوجستي والعسكري.

ووفقًا لما نقلته وسائل إعلامية محلية عن مصادر عسكرية، فإن قوات الدعم السريع دفعت بتعزيزات كبيرة باتجاه مدينة الطينة الحدودية، ويُتوقَّع أن تشهد المنطقة مواجهات مُرتقبة بين القوات المشتركة وقوات الدعم السريع، مع غياب شبه كامل لأي وجود مباشر وازن لقوات الجيش السوداني النظامية في هذا القطاع تحديدًا.

تخضع أجزاء واسعة من هذا الشريط الحدودي عمليًا لنفوذ قوات الدعم السريع، بينما تنتشر في بعض المحاور المتاخمة لشمال دارفور قوات الحركات المسلحة المنضوية ضمن ما يعرف بالقوات المشتركة. واللافت أن الوجود المباشر لقوات الجيش السوداني النظامية في هذا المحور معدوم مقارنة بمحاور أخرى في دارفور. وتتحمل القوات المشتركة العبء الميداني الكامل، مستفيدة من إسناد محدود من الجيش يقتصر غالبًا على جوانب القيادة أو الدعم اللوجستي أو الغطاء الجوي حين يتوفر، وهو ما يضع المشتركة أمام عبء عملياتي يفوق أحيانًا قدراتها اللوجستية والبشرية الفعلية.

الطينة: أحد المعابر الأربعة

تقع الطينة في أقصى غرب ولاية شمال دارفور، على خط الحدود مع تشاد، ويُقابلها على الجانب الآخر من الحدود مدينة تحمل الاسم نفسه داخل الأراضي التشادية. وتطابق الاسم يعكس عمق الامتداد الاجتماعي والتاريخي بين ضفتي الحدود، التي رُسمت بموجب اتفاقية فرنسية بريطانية عُقدت في يوليو 1898، فقسّمت عمليًا امتدادًا اجتماعيًا وقبليًا واحدًا بين دولتين مختلفتين.

وظلت الطينة واحدة من المعابر الحدودية الأربعة الرئيسية بين البلدين إلى جانب أدري وفوربرنقا وأم دخن، إذ تمتد حدود تشاد مع السودان لنحو 1400 كيلومتر تضم هذه المعابر الأربعة التي شكلت شريانًا أساسيًا لدخول المساعدات الإنسانية إلى دارفور.

إلا أن وقوع الطينة على بعد يقارب 170 إلى 200 كيلومتر من مدينة الفاشر حاضرة شمال دارفور، وعلى مسافة أقل من 100 كيلومتر من كلبس، بينما لا تفصلها عن العمق التشادي سوى عشرات الكيلومترات القليلة؛ يجعلها عمليًا جزءًا من منظومة حدودية واحدة تمتد داخل تشاد قبل أن تعود لتتصل بالأراضي السودانية.

كلبس: ثقل رمزي =

أما كلبس فتقع إلى الجنوب الغربي من الطينة، وتشكل مع القرى والتجمعات المحيطة بها جزءًا من الحزام الحدودي الذي يربط شمال دارفور بغرب دارفور ثم يمتد إلى الداخل التشادي.

تحمل كلبس دلالة تاريخية خاصة تتجاوز موقعها الجغرافي، إذ تُعد معقلًا تاريخيًا لقبيلة القمر التي تضم مدينة كلبس مقر سلطنتها، وهو ما جعلها ذات ثقل اجتماعي ورمزي يفوق حجمها كمحلية إدارية تابعة لولاية غرب دارفور. وخلال المراحل الأولى من الحرب الحالية، ومع تمدد قوات الدعم السريع في أنحاء غرب دارفور عقب اندلاع القتال في أبريل 2023، تمكنت قيادات سلطنة القمر من التوصل إلى تفاهمات محلية حالت دون اقتحام المدينة مباشرة. ورغم سيطرة الدعم السريع على عدد من القرى والبلدات المحيطة بها في تلك الفترة، إلا أن هذه التفاهمات لم تصمد طويلًا، إذ سقطت كلبس لاحقًا بيد الدعم السريع في أكتوبر 2024.

وشهدت المدينة منذ ذلك الحين تحولات ميدانية متكررة تعكس طبيعتها كنقطة تجاذب دائمة بين الطرفين، إذ نجحت القوات المشتركة مؤقتًا في السيطرة على كلبس مجددًا في نهاية يونيو 2026، قبل أن تُرسل قوات الدعم السريع تعزيزات عسكرية جديدة باتجاه كلبس ومناطق مجاورة كسرف عمرة وكبكابية، في مؤشر على استمرار المدينة كنقطة ارتكاز متنازع عليها لم تستقر لأي طرف لفترة طويلة منذ بداية الحرب.

وتتسم المنطقة بكونها سهلًا شبه صحراوي مفتوحًا تندر فيه العوائق الطبيعية كالجبال أو الأودية الكبرى، الأمر الذي يجعل حرية الحركة البرية للمركبات والقوات المتحركة عاملًا حاسمًا في أي عملية عسكرية تُدار فيها.

وتتخلل هذا السهل شبه الصحراوي شبكة من المجاري الموسمية الجافة المعروفة محليًا بـ “الخيران” أو “الوديان”، وهي مسارات لا تحمل مياهًا إلا في مواسم الأمطار القصيرة، لكنها تبقى معظم العام قنوات رملية جافة صالحة لحركة المركبات وتشكل أحيانًا الملاذ الوحيد للتمويه أو الاحتماء من الاستطلاع الجوي. كما تتناثر في الأرض تشكيلات صخرية وتلال منخفضة متفرقة، إلى جانب غطاء نباتي شوكي متناثر لا يشكل عائقًا حقيقيًا أمام الرؤية أو الحركة. ويُستثنى من هذا الانبساط العام ارتفاع جبل مون القريب نسبيًا من كلبس، والذي يمثل الاستثناء الجغرافي الوحيد اللافت في هذه المنطقة المسطحة، إذ يمنح من يسيطر عليه ميزة المراقبة الأعلى.

أهمية المنطقتين للدعم السريع

تنظر قوات الدعم السريع إلى هذه المنطقة باعتبارها عقدة لوجستية حيوية لعدة اعتبارات مترابطة، فهي تضمن المحافظة على خطوط الحركة بين غرب وشمال دارفور، وتُتيح تسهيل المناورة العسكرية على أرض مفتوحة تُناسب طبيعة القوات المتحركة سريعًا بالمركبات المسلحة الخفيفة التي تعتمد عليها هذه القوات أساسًا في تكتيكاتها القتالية.

كما تضمن استمرار خطوط الإمداد والاتصال مع المناطق الغربية التي تشكل عمقًا إستراتيجيًا مهمًا للدعم السريع، خاصة أن هذه القوات تحتفظ بمرافق لوجستية داخل الأراضي التشادية، تشمل مطارًا ومنشأة استشفائية في منطقة أم جرس، تُستخدم للدعم اللوجستي والعلاج الطبي لعناصرها، وهو ما يجعل تأمين الممرات البرية الرابطة بين هذه المرافق وجبهات القتال في دارفور أولوية قصوى بالنسبة لها.

وتكتسب هذه الأهمية بعدًا إضافيًا في المرحلة الراهنة، إذ تشير تقارير إلى أن مسارات إمداد أخرى كانت تغذي قوات الدعم السريع، كخط الكفرة الليبي، تعرضت لتضييق متزايد عقب اتفاق أمني بين قوات حفتر والجيش التشادي مطلع 2026، بينما شهد خط الإمداد عبر تشاد نفسه تذبذبًا مرتبطًا بتوتر العلاقات الفرنسية التشادية قبل أن يُستأنف مجددًا، ما يجعل الحفاظ على الممر الحدودي عبر الطينة وكلبس بديلًا بالغ الأهمية لأي طرف يسعى لضمان استمرار تدفق العتاد والوقود والتعزيزات البشرية نحو الداخل السوداني في ظل تشديد الرقابة على المسارات الأخرى المحيطة بالإقليم.

أهميتهما بالنسبة للمشتركة

في المقابل، تنظر القوات المشتركة إلى الطينة وكلبس باعتبارهما بوابة الوصول إلى شمال دارفور من الجهة الغربية، والسيطرة عليهما تحقق لها عدة أهداف متكاملة، أبرزها حماية الاتجاه الغربي المؤدي إلى الفاشر التي تُعد أولوية قصوى للقوات المشتركة، وتضييق حرية الحركة على الخصم في منطقة مفتوحة يصعب فيها فرض قيود دون سيطرة مباشرة على الطرق الرئيسية، إلى جانب تأمين القرى والتجمعات الحدودية التي تتعرض لضغط مباشر من التماس مع الدعم السريع، وتعزيز القدرة على مراقبة الطرق الرئيسة التي تمر عبرها الإمدادات والتعزيزات.

إن الطبيعة المفتوحة لهذا الشريط الحدودي تجعل مجرد دخول القوات المشتركة إليه أو الإعلان عن السيطرة عليه أمرًا غير كافٍ على الإطلاق لتحقيق سيطرة فعلية ومستدامة، على طول الطرق الرئيسية الرابطة بالفاشر وكتم وكبكابية ومليط، إلى جانب امتلاك احتياطيات متحركة قادرة على التدخل السريع عند أي اختراق أو هجوم مضاد، ومنظومة استطلاع ومراقبة مستمرة تراقب حركة القوات المعادية عبر هذه المساحة الشاسعة والمفتوحة، فضلًا عن القدرة على حماية خطوط الإمداد لمسافات طويلة تمتد لمئات الكيلومترات في بيئة صحراوية قاسية، وقدرة لوجستية على الاستمرار في هذه البيئة من حيث المياه والوقود والذخيرة، وتنسيق فعال بين الوحدات الميدانية والقيادة المركزية. وفي غياب هذه العناصر مجتمعة، فإن أي سيطرة معلنة على الطينة أو كلبس تبقى عرضة لأن تتحول إلى وجود مؤقت قابل للتراجع مع أول هجوم مضاد منظم.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?