“كذبة الدفاع عن الحرمين” تنتهي بسرقة ملايين الدولارات “3 – 3 “
وكالات – بلو نيوز
دخل السودان حرب اليمن في مارس 2015، عندما انضم إلى التحالف الذي قادته المملكة العربية السعودية ضد جماعة الحوثيين، ضمن عملية «عاصفة الحزم». وقدّم نظام المخلوع عمر البشير هذه المشاركة باعتبارها استجابة لطلب سعودي ووقوفًا إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وحمايةً للأمن العربي، بينما ارتبط الخطاب السياسي والإعلامي داخل السودان بأكثر المفردات حساسية في الوجدان الشعبي، وهي الدفاع عن المملكة العربية السعودية والحرمين الشريفين. وأرسل السودان قوات برية إلى اليمن على دفعات. وجاءت هذه الخطوة في سياق إعادة ترتيب واسعة لعلاقات نظام البشير الإقليمية.
في 13 ديسمبر 2022 نُشرت رواية عن جلسة بمحكمة الخرطوم الجزئية برئاسة القاضي طارق عبد اللطيف، ولم تكتفِ المادة المنشورة بالقول إن دعوى رُفعت ضد ضد المستشار المالي لمكتب القائد العام للقوات المسلحة محمد الفاتح الفكي، بل نسبت إليه نفسه المثول أمام المحكمة.
وبحسب هذه الرواية، تتعلق القضية بمستحقات الكتيبة الرابعة التي شاركت في حرب اليمن خلال عامي 2017 و2018، وتحدثت المادة عن 267 ضابطًا وفردًا ذكر عدد منهم أن المبلغ المفترض أن يحصل عليه الفرد هو 9 آلاف دولار، بينما لم يُسلَّم لهم سوى 5100 دولار.
وفي عام 2023 دافع نبيل عبد الله المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة وقتها عن الرواية الرسمية ونفى علاقة الفكي بالقضية، ثم انتقل في عام 2025 إلى منصب ملحق عسكري في القاهرة. ولعل هذا التعيين كان مكافأة أو إسكاتًا له بسبب قضية الفكي أم كان هذا التعيين مسارًا طبيعيًا في خدمة الضابط، أم جاء في إطار مكافأة سياسية أو مؤسسية؟ ويظل قرار التعيين وسجل خدمة الضابط والجهة التي اقترحت اسمه من الوثائق المهمة لأي تحقيق يريد ربط هذا التعيين بالقضية.
هل كانت المشاركة السودانية “ارتزاقاً”؟
لعل هذه النقطة تحتاج إلى دقة، فوصف المشاركة العسكرية بأنها «ارتزاق» ليس مجرد وصف بسيط، إذ للارتزاق تعريفات قانونية دولية محددة لا يمكن إطلاقها لمجرد وجود أموال أو بدلات مالية.
لكن من الناحية السياسية، فإن وجود ترتيبات مالية مرتبطة بإرسال القوات يجعل من المشروع مساءلة الخطاب الذي قدّم هذه المشاركة باعتبارها تضحية مجانية دفاعًا عن الأمن العربي والحرمين.
فإذا كانت الدولة أو القوات المسلحة تتلقى أموالًا مقابل مشاركة قواتها، فإن هناك بُعدًا ماليًا للمشاركة ينبغي أن يكون معلنًا وشفافًا، ولا ينبغي استخدام الشعارات الدينية أو الوطنية لتغطية الحسابات المالية. فالجندي الذي خاطر بحياته في اليمن يستحق أن يعرف كم دفع الطرف الآخر، وكم وصل إلى مؤسسته، وكم وصل إليه هو شخصياً.
وإذا أثبت التحقيق أن أموالًا مخصصة لعسكريين استُلمت من جهة مانحة، ثم جرى تحويلها أو الاحتفاظ بها أو تبديدها أو الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة، فقد تنشأ عندئذ مسؤولية جنائية ومدنية وتأديبية بحسب الوقائع والقانون المنطبق. ويستوجب ذلك تحديد الفعل والمال والمسؤول والقصد والمستند والمسار المالي كاملًا، فإذا اكتملت هذه العناصر أمكن للنيابة والقضاء تحديد الجريمة والعقوبة،
الطريق القانوني الحقيقي لاسترداد حقوق الجنود
إذا أراد أصحاب المطالبات تحويل هذه القضية إلى ملف جاد، فإن الخطوة الأولى هي الحصول على ملف القضية الأصلي، ثم محاضر الجلسات، فقرار تشكيل لجنة التحقيق وتقريرها، ثم محاضر التحريات العسكرية، وقرار صرف مستحقات الـ1184 فرد، وكشوف المستفيدين، وأوامر الدفع، وإيصالات الاستلام، وأخيرًا التحويلات المصرفية. وبعد جمع هذه الوثائق مجتمعة يمكن تحديد المسؤولية بدقة، فإذا ثبت وجود أموال مختلسة أو مستولى عليها أمكن فتح المسار الجنائي والمطالبة بالتعويض والاسترداد، وإذا كانت الأموال قد عبرت حدودًا أو وصلت إلى حسابات خارج السودان، أمكن استخدام آليات التعاون القضائي والمالي الدولي بحسب الدولة المعنية.
الجدير بالذكر أن هناك وثيقة واحدة قادرة على حسم الجزء الأكبر من هذا الجدل، وهي كشف التحويل المالي الأصلي. فإذا كان هناك مبلغ 9000 دولار للفرد فسيظهر فيه، وإذا كان المبلغ الفعلي 5100 دولار فسيظهر أيضًا، وإذا كانت هناك خصومات أو مبالغ أخرى فستظهر بدورها، وإذا كانت الأموال قد دخلت إلى حساب بعينه أو تم تحويلها إلى وحدات عسكرية أو انتهت في حسابات أخرى، فإن كل ذلك سيظهر في هذا الكشف. ولهذا فإن قضية اليمن ليست بحاجة إلى تتبع أثر المال نفسه.
القضية أوسع من مليون دولار
قد يكون مبلغ 1,041,300 دولار هو الفارق الحسابي الخاص بالكتيبة الرابعة وحدها وفق الرواية المنشورة، لكن إذا كان الملف يشمل 1184 شخصًا، فإن القضية المحتملة أوسع بكثير، وإذا كانت مشاركة السودان في اليمن قد استمرت سنوات وشارك فيها آلاف الجنود، فإن أي مراجعة مالية حقيقية ينبغي ألا تتوقف عند الكتيبة الرابعة، بل يجب أن تشمل مراجعة كاملة لكل عام من أعوام المشاركة، من 2015 وحتى نهاية المشاركة الفعلية، وصولًا إلى تحديد القيمة الإجمالية للأموال التي دخلت إلى السودان مقابل هذه المشاركة العسكرية طوال سنوات الحرب، ومعرفة من أعدّ الحساب النهائي لهذه الأموال، ومن راجعه وصدّق عليه وأغلقه، ومن احتفظ بالمستندات المرتبطة به. فإذا كانت الأموال قد دخلت إلى حساب حكومي أو عسكري فلا بد من وجود مستندات تثبت ذلك، وإذا لم توجد هذه المستندات فإن غيابها نفسه يصبح مسألة تستحق التحقيق بذاتها، خصوصًا في ضوء الاحتمال المطروح آنفًا بأن ما اكتُشف في كتيبة واحدة قد لا يكون سوى جزء يسير مما جرى في وحدات أخرى لم تُرفع بشأنها دعاوى مماثلة.
من حق الجنود معرفة الحقيقة
إن الجندي الذي ذهب إلى اليمن لم يكن يملك القدرة على التفاوض مع الحكومات أو البنوك، ولا حسابات مصرفية خارجية، ولا سلطة توقيع، ولا معرفة بتفاصيل التحويلات. كان يملك أمر تكليف وسلاحًا ومهمة عسكرية فقط، وإذا كان له حق مالي فإن الدولة والمؤسسة العسكرية مسؤولتان عن ضمان وصوله إليه كاملًا، وأي تلاعب في هذا الحق، إذا ثبت، يمثل إخلالًا خطيرًا بالثقة بين الجندي ومؤسسته.
ليس المطلوب اليوم بيانًا جديدًا من القوات المسلحة، ولا نفيًا جديدًا، ولا اتهامًا جديدًا، بل وثائق محددة تثبت الحقوق، رقم القضية ومحضر المحكمة، وقرار تشكيل لجنة التحقيق وتقريرها، ومحضر التحريات، وقرار البرهان الخاص بمستحقات الـ1184 فردًا، وكشف المستفيدين من هذا القرار وكشف الـ267 الأصلي، وأوامر الدفع وإيصالات الجنود، والتحويلات المصرفية، وأخيرًا الحساب الختامي الشامل لمشاركة السودان في حرب اليمن بكل وحداتها وسنواتها. هذه الوثائق وحدها القادرة على تحديد الحقيقة كاملة.
صحيح السودان
