عادل ود سهل: السودان بين هيبة الشعار وانكسار الواقع .. قراءة في سراب «سلة غذاء العالم» واسترداد الكرامة الغائبة

3
adel

السودان بين هيبة الشعار وانكسار الواقع ..

قراءة في سراب «سلة غذاء العالم» واسترداد الكرامة الغائبة

عادل ود سهل

 

من سلة غذاء العالم… إلى سؤال الجوع والنزوح:

ربما آن الأوان كي نتوقف قليلاً مع أنفسنا.

وبشجاعة أخلاقية لا تجامل أحداً، ولا ترحم وهماً طال بنا المقام فيه.

عن ترديد تلك العبارة التي حَفِظناها صغاراً ورَدَّدناها كِباراً، حتى خالطت دماءنا وغَدَت جزءاً أصيلاً من صورتنا الشاخصة أمام ذواتنا:

«السودان… سلة غذاء العالم».

لقد استرحنا طويلاً إلى هيبة الشعار.

وغَفَوْنا على مَخادِع الطمأنينة المغشوشة؛

 

كأنما مجرد امتلاك الأرض العذراء، والماء الدافق، والأنعام السائمة.

كفيلٌ بذاته أن يجعل منا أمةً منتجةً تفيض طعاماً وكرامةً وازدهاراً.

غير أن السنوات الأخيرة—بكل ما حملته من قسوة وانكشاف—وضعت هذا الشعار التليد أمام امتحانٍ حضاريٍّ عارٍ من الرتوش.

 

بلدٌ تتمدد في أحشائه مئات الملايين من الأفدنة الخصبة الأشدّ نماءً في المعمورة.

ويلتقي في قلبه نيلان خالدان.

وترعى على ظهره مئات الملايين من رؤوس الماشية.

وتختزن أرضه أندر ثروات الشجر والأرض…

 

  • ثم يصحو أبناؤه اليوم ليمتدّ بهم النزوح.
  • وتتطاول بهم طوابير الإغاثة.
  • ويطرقوا أبواب الغربة والمنافي بكسرة خاطر.
  • يبحثون عن رغيف يسدّ الرمق.
  • وشربة ماء تُبلّ العروق.
  • وسقفٍ يستر هوان الفاقة!

 

فأين تكمن الحلقة المفقودة في هذا المزيج العجيب؟

هل كانت أزمتنا يوماً في أن أرضنا عاقرٌ لا تملك؟

أم في أننا لم نعرف كيف نحول ما نملك إلى قيمة؟

 

فالثروة التي لا تتحول إلى إنتاج وتصنيع وقيمة مضافة.

ليست إلا حبراً على ورق؛

والأرض التي لا يحرثها أهلها بمدخلات العلم والتكنولوجيا والوعي، لا تطعم أحداً؛

والماء الذي لا يروي الإنسان والحيوان.

لا يكفي أن يكون نهراً عظيماً، إنما يبدو وكأنه خطاً أزرقَ مرسوماً بحبرٍ أنيق على الخريطة.

 

وربما كان السؤال الأشد إيلاماً ووجعاً للضمير:

لماذا عجز السودان عن أن يكون (سلة غذاء السودانيين)، قبل أن يتمادى في حلمه الوردِيّ بأن يكون (سلة غذاء العالم)؟

هنا تبدأ الحكاية…

لا لنجلد ذاتاً مكلومة.

ولا لنبكي على أطلال شعاراتٍ نَخِرَة.

بل لنفهم كيف امتلكنا مقومات الهيبة.

ثم تعثرت خطانا بين المورد والإنتاج.

وبين الإنتاج والاقتصاد.

وبين الاقتصاد وحياة الإنسان السوداني وكرامته.

أرضٌ بلا رغيف… حين تتحول الوفرة إلى ندرة:

حين نعود إلى جذور الفكرة.

نجد أن وصف السودان بـ «سلة غذاء العالم» لم يكن خيالاً محضاً ولا مبالغةً بلا سند.

لقد بُني الشعار على حقائق جغرافية ومناخية باهرة:

  • أراضٍ زراعية بكر تُقدّر بـ 200 مليون فدان.
  •  تنّوع مناخي يتنقل بين المطير والمناخ الاستوائي الي شبه الصحراوي.
  •  ثروة حيوانية هائلة تُناهز 100 مليون رأس من الإبل والبقر والضأن والمعز.
  • فضلاً عن مجرى النيلين.
  •  واستحواذ البلاد على أكثر من 80% من إنتاج الصمغ العربي في العالم.

كان السودان يملك—بالفعل—كلَّ مقومات “السلة”…

لكنه لم يَبْنِ يوماُ “منظومة إنتاج” تجعل هذه السلة ممتلئة!

 

لقد سقطنا في الخديعة الكبرى حين ظننا أن المورد الطبيعي في باطن الأرض أو ظاهرها يُعادل القوة الاقتصادية.

فتكسّرت السلسلة الذهبية المفترضة:

(أرض وماء ⬅️ زراعة ورعي ⬅️ إنتاج وتصنيع ⬅️ تخزين ونقل ⬅️ قيمة مضافة وتصدير ⬅️ كرامة ورغيف للمواطن).

 

انقطعت هذه السلسلة في محطاتها الأولى؛

فبقيت الزراعة في مجملها تقليديةً تتكئ على رحمة السماء.

وظل الريُّ مكبَّلاً بغياب التمويل والتكنولوجيا.

وتداعت البنية التحتية حتى غدت الطرق والانقطاعات الكهربائية مقبرةً للإنتاج.

وافتقرت البلاد إلى منظومات التخزين والتصنيع الزراعي الحديث.

 

ولعلّ مأساة “الصمغ العربي” تختصر هذا التناقض المفجع:

ثروة سودانية عالمية تُشكّل المادة الخام المفصلية لصناعات دوائية وغذائية واسعة حول العالم في الغرب والشرق.

 

لكنها تخرج من أراضينا خاماً بخفي حنين.

ليعود إلينا فتاتها.

بينما يرزح المنتج السوداني في مناطق إنتاجه تحت وطأة الفقر والمسغبة!

 

كذلك الحال في ثروتنا الحيوانية؛

قطيعٌ هائلٌ يرعى في الفضاء المفتوح.

  • لكنه يفتقر إلى المسالخ الحديثة.
  • وصناعات اللحوم والجلود والألبان المتطورة.
  • والسياسات التصديرية الذكية.

ليتراكم العدد أرقاماً صماء في النشرات.

بينما يكتوي المواطن في قلب الخرطوم والولايات بغلاء اللحوم وعجز القدرة الشرائية.

إنها المفارقة الصارخة التي تجعلنا نشبه أمراءَ يتوسدون مناجم الذهب.

ولكنهم يموتون جوعاً وعطشاً لأنهم لم يتعلموا كيف يصوغون الذهب رغيفاً ودواءً وكرامة!

 

حين أصبحت الشعارات بديلاً عن دولة الإنتاج:

في عمق المأساة السودانية.

لم تكن الهزيمة اقتصاديةً مجردة.

بل كانت في جوهرها هزيمةً فكريةً وسياسية…

أدارت بها الأنظمة المتعاقبة البلاد بالحد الأدنى من الفعل.

والحد الأقصى من التخدير الجمعي.

لقد أُدمنّت الشعارات الجوفاء حتى تحولت من حافزٍ للعمل إلى بديلٍ عن العمل نفسه.

 

توهمنا أن كثرة الحديث عن «سلة غذاء العالم».

واجترار مآثر «أغنى بلد».

والتباهي ببلاغة الأرقام الصماء في ثروات الإبل والأنعام والنيلين.

كفيلٌ بأن يُغنينا عن مشقة بناء “دولة الإنتاج”.

 

وقَعْنا في الفخّ الحضاري الأكبر حين اختزلنا “الإنجاز” في “الإمكان”.

ونسينا أن المورد الطبيعي الكامن بلا إرادةٍ وتنظيمٍ وتخطيط،

ليس سوى خرافةٍ وسرابٍ نخدع به أنفسنا لنهرب من استحقاقات الحاضر.

ولعلّ أشدّ صور هذا العجز مكاشفةً ونكثاً للوعي.

هو ذلك الهروب التاريخي المتكرر نحو التباهي بالأمجاد الغابرة كلما ضاقت بنا سبل الواقع؛

فنردد في اعتزازٍ مستكين: «نحن من كسينا الكعبة المشرفة يوم عجز الآخرون!».

هذا التاريخ يُحترم، ولكن التاريخ وحده لا يطعم جائعاً ولا يبني دولة.

لسنا ضد المجد…

بل نحن ضد استخدام المجد بديلاً عن العمل.

وهنا تصرخ الحقيقة العارية في وجوهنا دون مواربة:

وهل كانت الكعبة المشرفة – وهي الرمز المقدس الشامخ – تنتظر قطعة من القماش تأتيها من السودان لتكتسب هيبتها؟

أوليس الأولى بذات العقل الذي يتفاخر في التباهي بكسوة الكعبة،

أن يلتفت ليستر عورة الفقر والجهل والمسغبة التي تنهك أهله ووطنه؟

إن التغني بالأمجاد التاريخية حين يُفصل عن واقعه الملموس.

لا يعود وساماً يُزين الصدور.

بل ينقلب إلى قناعٍ زائف يستتر خلفه الفشل السيادي.

وعكازٍ هشّ يتكئ عليه عجزُ السياسات التي لم تستطع أن تبني مطحناً.

ولا أن تُشيد مسلخاً.

ولا أن تضمن شربة ماءٍ نقية لمن يقطنون على ضفاف النيلين!

لقد أُديرت البلاد بمفهوم “المشافهة” الوطنية، أي اننا صرنا شعب أصبح يغلب عليه إدارة قضايا الوطن الاستراتيجية بالحديث الشفهي، والشعارات الشفهية، والخطابات الحماسية، والاعتماد على الرواية، والحديث المنقول بدلاً من العمل الميداني، والتخطيط المؤسسي، والتحول الرقمي، ولغة الأرقام والإنتاج.

ورغم كل ذلك ظل المواطن المغلوب على امره، ينتظر أن تتجلى هذه “السلة” المزعومة في مائدته، حتى انقضت العقود.

بل ماتت أجيالٌ وهي تردد ذات الشعار.

بينما كانت السلة تتسع…

لا لتفيض بالخير على العالم.

بل لتتلقى فيه فتات الإغاثات ومؤن المنظمات!

العقول أيضاً ثروة… بين زَمَن العزة وكسرة الخاطر:

إذا كانت خسارة الأرض والموارد تُوجع القلب.

فإن إهدار “الإنسان السوداني” هو الجرح النازف الذي يدمي الروح ويستدرّ الدمع حظاً وحسرة.

فنحن لم نهدر طمي أراضينا ومياه نيلنا فحسب.

بل أنفقنا سنوات العمر وزهرة الميزانيات في تعليم وتنشئة الإنسان.

  •  الطبيب الفذّ.
  •  والمهندس الألمعي.
  • والأكاديمي الشاهق.
  •  والمزارع الخبير.
  • والحرفي المبدع.

ثم تركنا جفاف البيئة الوطنية، وتضييق فرص الحياة والعمل، يلقي بهذه العقول الخيرة إلى رياح الشتات.

ليحصد غيرُنا ثمرة ما زرعناه فيهم من علمٍ وكرامة.

وتأخذنا الذاكرة – بحسرةٍ تعصر الفؤاد – إلى شريط “الزمن الذهبي”.

زمن العزة والمكانة المنيعة.

نذكر حين كان العقل السوداني عنواناً للهيبة والنزاهة.

تُفتح له الأبواب، وتُستقطع له أعلى الميزانيات لا استجداءً ولا تعاطفاً.

بل لاحتياج العالم الشديد لخبرته ورصانته وكرامته المطبوعة.

نذكر ذلك الموقف الذي تناقلته الذاكرة السودانية.

حين خرج وزير الصحة السعودي عبر شاشات التلفاز.

ليردّ بقوةٍ وحجة على مواطنٍ احتجّ على ضخامة راتب طبيبٍ سوداني تجاوز المائة ألف ريال.

موضحاً بلسان الاعتراف والتقدير، أن الدولة سعت واستقطبت تلك الكفاءات السودانية الفذة من أرقى بيوت الطب في بريطانيا.

لأنها تدفع لقيمةٍ لا تُقدر بمال.

ولعقولٍ هي أصل الأمان والطبابة.

 

فواحسرتاه…

كيف تحولت تلك القامة العالية الشامخة.

إلى هذا الواقع الأليم الذي نعيشه اليوم؟

كيف تهاوى السقف بعد الحرب الراهنة.

لينحدر أجرُ ذلك العقل السوداني،

وتلك الأيدي العاملة الماهرة في مهاجر الشتات وأسواق الغربة؟

كيف أبحنا كرامتنا حتى بات العالم ينظر إلى السوداني – الذي كان يرفل في عزّه وشموخه – بأعين التعاطف المجرد أو نظرات التوجس.

كأنه متسول، يخطب ود الوظيفة بأزهد الأجور، فيقبل الفتات منكسراً.

كيف لا وهو يطرق أبواب الملاجئ ومكاتب المنظمات مطأطئ رأسه بكسرة خاطر.

يطلب حق الأمان ورغيف العيش بعد أن جُرد من أرضه وداره؟

إنها الحقيقة المؤلمة التي تجعل الدمع يتقطَر؛

حين نرى كيف تحول “أمراء الأرض” وخبراء العقول، إلى نازحين يقتسمون الخيام.

ومغتربين يرضون بأبخس الأجور لمجرد سدّ الرمق.

بعد أن أحرقت هذه الحربُ ما تبقى من هياكل الوطن الهشة.

وكشفت عن عمق الضياع الذي تراكم عبر السنين.

الحرب… لم تصنع الفراغ بل كشفت هشاشة البناء:

حين اندلعت حرب الخامس عشر من ابريل وأتت على الأخضر واليابس.

ظنّ الكثيرون أنها هي التي صنعت أزمتنا الاقتصادية والوجودية من العدم.

لكنّ الحقيقة الأكثر قسوةً وجرأة هي، أن الحرب لم تكن إلا المشرط الحادّ الذي شقّ الجسد المريض.

واقتلع القشرة الهشة لاقتصادٍ كان مريضاً أساساً باعتماده على الموارد الخام، وإدمان الشعارات.

لقد كشفت الحرب عورة البناء الهش؛

فما إن تعطلت العاصمة وتوقفت مشاريع الري في الجزيرة والخرطوم والولايات، واضطربت مسارات الرعي، حتى تداعى الهيكل بأكمله في طرفة عين.

تحولنا بين ليلة وضحاها من دولةٍ تتغنى بإمكانية إطعام العالم.

إلى أمةٍ تبحث عن طحين الإغاثة في الموانئ.

وتنتظر طائرات المساعدات الإنسانية لتسدّ جوع الملايين من النازحين في الداخل والمشردين في دول الشتات.

لقد جردتنا الحرب من أوهامنا السابقة؛

فلم يعد هناك مجالٌ للمكابرة.

رأينا بأعيننا كيف تصبح ملايين رؤوس الماشية بلا مسالخ تُنقذ قيمتها.

وكيف تغدو الأفدنة الخصبة بلا سلاسل إمداد تخزن محصولها.

وكيف يتعطل الصمغ العربي والمزارع والتاجر حين تُقطع الطرق وتُغلق الموانئ.

لم تكن الحرب سوى المرآة التي واجهتنا بالحقيقة العارية:

ولم نكتشف ذلك فجأة، بل هي حقيقة، كنا نغض النظر عنها.

فنحن…

لم نكن نملك اقتصاداً متيناً.

بل…

كنا نعيش على رزق اليوم باليوم.

ظللنا…

نتوسد المورد الكامن ونظن أننا آمنون.

حتى….

هبت الريح العاتية.

تبخرت الموارد وانطفأ بريق العز.

وأصبحنا نُصنف في أدبيات المنظمات الدولية ضمن قوائم الجوع، واللجوء، والفقر!

السلة ليست الأرض… السلة هي إنسان:

اليوم، ونحن نقف وسط هذا الركام والوجع النازف.

لا يحق لنا أن نختم هذه القراءة ببكائيةٍ يائسة.

ولا بالاستسلام لمرارة الواقع.

  • فالأرض السودانية العظيمة لم تمُت.
  • والنيل الخالد لم يتوقف عن التدفق.
  • والمواسم لم تنسَ مواعيد هطولها.
  • والأنعام ما زالت ترعى.
  • والصمغ العربي ما زال ينزف أمله من أحشاء الشجر.

والأهم من ذلك كلّه…

أن العقل السوداني، والفكر الخلاق، لم يفقد جذوته ولا كرامته الأصيلة.

إن الدرس القاسي الذي يجب أن نتعلمه اليوم هو إعادة تعريف الشعار كلياً:

«سلة غذاء العالم ليست أن نملك الأرض والماء… بل أن نبني الإنسان الذي يزرع الأرض ويصون الماء».

فالسلة ليست جغرافيا صماء.

بل هي إنسانٌ مكرم.

ومنظومةُ إنتاجٍ حجرُ زاويتها العدالة، والعلم، والتصنيع المحلي، وسيادة القرار الوطني.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى تكرار معزوفة «سلة غذاء العالم» ليداعب بها خياله المجهد.

بل…

يحتاج فوراً إلى أن يصبح «سلة غذاء السودانيين»؛

  • يُطعم شعبه أولاً.
  • ويحفظ كرامة مواطنه.
  • ويبني دولة الإنتاج والسيادة.

ثم يفتح سلتَه بعد ذلك ليطعم العالم من فائض عزّته وكرامته.

لقد حان الوقت كي ننتقل – وبلا إبطاء – من مرحلة «السودان الذي يتغنى بإمكاناته» إلى «السودان الذي يستثمر قدراته».

  • ننتقل إلى ربط العقول بالإنتاج.
  • وتحويل المواد الخام إلى قيمة مضافة.
  • وبناء المسالخ والمصانع والمطاحن.
  • وخلق البيئة الوطنية التي تحتضن الطبيب والمهندس والمزارع.
  • وتسترد العقول الهاربة من جحيم الشتات لتبني وطن الكرامة.

لقد ظللنا نصف السودان بأنه «سلة غذاء العالم» لعقودٍ طويلة.

وغفونا طويلاً على هامش الشعار حتى أفاقتنا الحرب على صدمة الفاقة والنزوح…

وربما حان الوقت الآن – وأكثر من أي وقتٍ مضى – كي نتوقف تماماً عن وصف السلة…

ونبدأ بشرفٍ وإرادةٍ حرة في ملئها؛

ملؤها بالقمح، والذرة، والماء، والماشية، والصناعة، والعلم، والعدالة، والسلام…

وقبل ذلك كله، بإعادة الاعتبار وتاج الكرامة للإنسان السوداني!

النفير الأخير… حين تصبح القصيدة نبوءة والواقع شاهداً:

آهٍ يا وطني…

كفى خدراً وأحلاماً تتكسر على صخرة الوجع!

فكم نحتاج اليوم أن نبكي…

لا بكاء ضعف واستكانة.

بل بكاء أمة تميط اللثام عن جرحها لتبدأ أولى خطوات الشفاء!

فليتساقط هذا الدمع السخين من مآقينا جميعاً؛

ليغسل ركام الغفلة.

وليعصر قلوبنا حرقة على سنين أهدرناها في الوهم.

وعلى قامات شامخة كسرتها المهجر.

وعلى أرض معطاءة ماتت على ضفاف نيلها عطشاً وجوعاً!

لنَبْكِ هذا الهوان كي نفيق…

لنصرخ في ركام الصمت كي نسترد كرامتنا المسلوبة.

فالحر لا ينكسر إلى الأبد.

وأمة تحمل في أحشائها هذا العز المدفون.

لا بد أن تقوم من حطامها كالعنقاء.

لتبني زمنها العزيز.

وتغسل عن وجهها العفار.

وتعيد للإنسان سؤدده.

وللأرض بهجتها.

وحينها فقط…

حين نقوم من هذه الكبوة صفاً واحداً.

يمسك فيه المزارع بمحراثه.

والعالم بفكره.

والشاب بأمله؛

لن تبقى كلمات شاعرنا الكبير وأستاذي الجليل بخور طقت الثانوية محيي الدين فارس مجرد نبوءة قديمة يصدح بها صوت العطبراوي لنبكي بها شجن الغربة.

بل ستغدو حقيقة تمشي على أرض المنال.

حين نردد خلفهما من أعماق أرواحنا المفجوعة بيقين العودة والعزة:

وهناك…

أسراب الضحايا النازحون ملؤوا الطريق.

وعيونهم مجروحة الأغوار.

ذابلة البريق.

يتهامسون…

وسياط سفاح تسوق خطاهمُ.

ويغمغمون…

تمشى الملايين الجائعون.

مشردون.

والمعتدون يقهقهون ويضحكون.

يجلجل الصوت الرهيب كأنه الظلم اللعين.

وتظل تصخب في الدجى المشؤوم أفواه البنادق والحروب.

ما تصنعون؟

جثث وأشلاء ممزقة في كل حين.

هل ينظرون؟

والحرب ملتهب يؤجج حياله نهد وجيد.

هل يسمعون؟

صخب الرعود؟

صخب الملايين يشق أسماع الوجود؟

لا يسمعون!

في اللاشعور حياتهم فكأنهم صم الصخور.

وَغَداً نَعُودُ…

حَتْماً نَعُود.

لِلْقَرْيَةِ الغَنَّاءِ.

لِلْكُوَخِ المُوَشَّحِ بِالوُرُود

وَنَسِيرُ فَوْقَ جَمَاجِمِ الأَسْيَادِ مَرْفُوعِي البُنُود.

وَتُزَغْرِدُ الجَارَاتُ.

وَالأَطْفَالُ تَرْقُصُ وَالصِّغَار.

وَالنَّخْلُ وَالصَّفْصَافُ وَالسَّيَّالُ زَاهِيَةُ الثِّمَار.

وَسَنَابِلُ القَمْحِ المُنَوِّرِ فِي الحُقُولِ وَفِي الدِّيَار.

لا لَنْ نَظَلَّ مُشَرَّدِينَ…

حَتْماً نَعُود.

وتعود أنغام الصباح…

حتماً نعود!

هكذا يصدح صوت العطبراوي بكلمات فارس؛

مزيجٌ من الألم العميق والأمل الذي لا يموت.

«حتماً نعود» ليست مجرد أنشودة.

بل هي وعد يتجدد.

وشهادة على صمود الإنسان في وجه أقسى الظروف.

تبقى هذه التحفة الفنية منارة تضيء دروب العائدين.

وتذكيراً بأن الحق لا بد أن ينتصر.

وأن فجر الحرية والانعتاق آتٍ لا محالة.

What do you feel about this?