نجم الدين دريسة: تأسيس ومعركة الرواية من تحرير الجغرافيا إلى تحرير العقل .. قراءة في مقال مجدي ماكن !!

1
dresa

نجم الدين دريسة

من أعمق المقالات التي قرأتها في الآونة الأخيرة وأكثرها قوة وتميزاً مقال مجدي ماكن الذي لا يتعامل مع أزمة السودان بوصفها مجرد صراع عسكري أو تنافس سياسي عابر وإنما يذهب مباشرة إلى المنطقة الأكثر حساسية في هذه الحرب وهي منطقة الرواية والمعنى وتعريف الدولة وتفسير التاريخ فالقيمة الحقيقية في مقال ماكن أنه لا يكتفي بوصف ما يحدث وإنما يحاول أن يضع يده على السؤال الذي ظل الخطاب السوداني يهرب منه طويلاً كيف يمكن لقوة أن تنتصر في الجغرافيا ثم تسمح لخصومها بأن ينتصروا عليها في تفسير تلك الجغرافيا وهذه ليست ملاحظة عابرة وإنما مدخل استراتيجي يستحق أن يتحول إلى نقاش واسع داخل تأسيس وخارجها

أخطر ما يمكن أن يحدث لحركة تحمل مشروعاً تاريخياً أن تنتصر في الجغرافيا ثم تُهزم في المعنى وأن تمتلك الوقائع على الأرض ثم تسمح لخصومها بامتلاك تفسير تلك الوقائع وأن تخرج من معركة السلاح أكثر قوة بينما تدخل معركة السياسة وهي تستعير قاموس خصومها دون أن تشعر فالهزيمة الكبرى ليست دائماً أن تخسر مدينة أو موقعاً وإنما أن ينجح الآخر في إقناع العالم بأن قضيتك ليست قضية تحرر وإنما مجرد نزاع على السلطة وهذه هي المنطقة التي يضع مقال مجدي ماكن يده عليها بوضوح وجرأة لافتة

مقال ماكن لا يضيف حجراً إلى جدار الخطاب السياسي المألوف وإنما يحاول هدم الجدار نفسه فهو لا يسأل لماذا عجزت تأسيس عن إقناع العالم فقط وإنما يسأل لماذا لا تزال تتحدث إلى العالم من داخل اللغة التي صاغتها المنظومة التي تقول إنها تريد تجاوزها ولماذا يستمر الخطاب في مطاردة رواية المركز ونفي اتهاماته بدلاً من بناء رواية تجعل المركز نفسه موضوعاً للمساءلة وهنا تكمن جرأة المقال لأنه ينقل الأزمة من مستوى الأداء الإعلامي إلى مستوى الوعي السياسي الذي ينتج ذلك الأداء

لقد ظل خطاب تأسيس في كثير من لحظاته أسير معادلة ضيقة تجعل الإسلاميين مركز الحكاية كلها بينما الحقيقة أكثر عمقاً فالكيزان لم يصنعوا وحدهم البنية التي ورثوها وإنما أعادوا تشغيلها بأكثر صورها تطرفاً ولذلك فإن اختزال الأزمة في الإسلام السياسي يمنح البنية الأقدم فرصة تاريخية للنجاة من المساءلة ويحول المعركة من مواجهة منظومة متجذرة إلى صراع على إدارة منظومة قائمة وهذه ثغرة استراتيجية لا يجوز لمشروع يدعي تأسيس السودان الجديد أن يسمح لنفسه بالوقوع فيها

فإذا كان الكيزان نظام تشغيل فإن دولة 56 هي اللوحة الأم وإذا كان المطلوب إزالة نظام التشغيل وحده فإن الجهاز سيظل صالحاً لإعادة إنتاج العطب ذاته وقد يأتي القادمون بلغة أكثر نعومة ووجوه أكثر أناقة وشعارات أكثر مدنية لكنهم سيحملون جوهر البنية نفسها التي أعادت إنتاج المركز والهامش والامتياز والإقصاء وهذه الفكرة تجعل مقال ماكن مختلفاً عن معظم ما كتب في الأزمة لأنه لا يكتفي بتسمية الخصم وإنما يحاول الوصول إلى المصنع الذي ينتج الخصوم باستمرار ويعيد تدوير الأزمة بأسماء جديدة

الأخطر أن بعض الخطاب الموجه إلى الخارج لا يزال يتصرف بعقلية من ينتظر شهادة حسن السيرة من المؤسسات التي قامت شرعيتها التاريخية على احتكار تعريف الوطنية وتوزيع صكوك الانتماء فبدلاً من أن تسأل تأسيس العالم عن جذور الأزمة تنشغل بإقناع العالم بأنها ليست ما يقوله عنها خصومها وبدلاً من أن تضع المنظومة القديمة أمام مرآة التاريخ تنشغل بتبرير وجودها وهذه ليست مجرد حالة ضعف إعلامي وإنما أثر عميق لهزيمة نفسية لم تتحرر منها بعض العقول بعد

التحرر الحقيقي يبدأ عندما تتوقف الحركة عن تقديم نفسها بوصفها طرفاً يحتاج إلى القبول وتبدأ في تقديم نفسها بوصفها مشروعاً يمتلك حق مساءلة الواقع كله فالحركة التي تستجدي الاعتراف من النظام القديم تظل محكومة بسقفه مهما ارتفعت أصواتها أما الحركة التي تعيد تعريف المشكلة فإنها تنقل الصراع إلى أرض جديدة لا يستطيع الخصم فيها الاختباء خلف مفردات السيادة والوحدة الوطنية ومكافحة التمرد لأن السؤال يصبح أعمق من ذلك كله أي دولة نريد ومن يملكها ولمن تعمل ومن يدفع ثمن بقائها

من هنا تصبح فكرة الأبارتهايد المقنع التي طرحها ماكن جديرة بالتطوير لا بوصفها استعارة دعائية وإنما باعتبارها مدخلاً لتحليل بنية تاريخية تحتاج إلى توثيق وتفكيك ومساءلة فالمشكلة ليست في اختيار المصطلح الأكثر إثارة وإنما في بناء منظومة أدلة تستطيع أن تشرح للعالم كيف أنتجت الدولة امتيازات متوارثة وكيف جرى توزيع السلطة والثروة بصورة غير متوازنة وكيف تحولت الأطراف إلى ساحات دائمة للحرب بينما ظل المركز يحتفظ بحق تعريف الدولة وحدود الوطنية ومعايير الشرعية

وهنا تحديداً ينبغي أن تتوقف تأسيس عن مخاطبة العالم بعقلية البيانات الموسمية وأن تبدأ في بناء مؤسسة معرفية تنتج المعرفة قبل أن تنتج التصريحات فالمعركة الدولية لا تكسبها كثرة المتحدثين ولا ارتفاع نبرة الخطاب وإنما تكسبها الملفات المحكمة والدراسات والوثائق والخرائط وشهادات الضحايا وتحليل الموارد ومسارات الأموال وتاريخ القرارات السياسية وكل ما يجعل القضية قابلة للفحص أمام الجامعات والبرلمانات ومراكز الأبحاث ومنظمات الحقوق لا مجرد رواية يتنازعها طرفان أمام شاشات الأخبار

أما الإقليم فلا ينبغي أن يكون قبلة سياسية مقدسة ولا عدواً أبدياً وإنما مساحة مصالح يجب التعامل معها بعقل بارد فمن السذاجة الاعتقاد بأن القوى الإقليمية تنظر إلى السودان من زاوية مصالح السودانيين وحدهم فالدول تتحرك وفق حساباتها وأمنها وموانئها وحدودها ومواردها ونفوذها ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس من معنا ومن ضدنا وإنما أي سودان يخدم مصالح الآخرين وأي سودان يهدد ترتيباتهم ومن هنا تصبح السيادة مشروعاً عملياً لا مفردة تردد في الخطب عند اشتداد الأزمات

مقال ماكن في جوهره يضع تأسيس أمام مرآة قاسية لكنها ضرورية وهي أن الانتصار العسكري لا يتحول تلقائياً إلى انتصار سياسي وأن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك تفسيرها وأن امتلاك الموارد لا يعني القدرة على تحويلها إلى نفوذ وأن المظلومية التاريخية مهما كانت عادلة لا تصبح قضية دولية مؤثرة إلا عندما تجد اللغة التي تستطيع حملها خارج حدودها ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في كيفية الانتصار وإنما في كيفية تحويل الانتصار إلى معنى سياسي لا يستطيع الآخرون مصادرته

وهنا تظهر الحاجة إلى انقلاب حقيقي في وظيفة الإعلام نفسه فالإعلام الذي يقضي عمره في ملاحقة اتهامات الخصوم يصبح تابعاً لهم حتى وهو يهاجمهم والإعلام الذي ينتظر رواية المركز ليرد عليها يظل المركز هو صاحب المبادرة المعنوية ولذلك فإن المطلوب ليس تحسين الردود وإنما تغيير موقع الخطاب بالكامل أن ينتقل من الدفاع إلى التفسير ومن النفي إلى الكشف ومن رد الفعل إلى صناعة المعنى ومن شرح الذات إلى تفكيك البنية التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها السودان الوحيد الممكن

إن تأسيس لا تحتاج إلى إعلام أكثر صخباً وإنما إلى إعلام أكثر ذكاء ولا تحتاج إلى مئات المنابر وإنما إلى عقل إعلامي يعرف كيف يبني الرواية ويكررها بلغات مختلفة ويحملها إلى الجامعات ومراكز التفكير والبرلمانات والمنظمات الدولية ويحولها إلى ملفات قابلة للتداول والمساءلة فالقضية التي لا تمتلك جهازاً معرفياً يحرس سرديتها تصبح مادة خاماً في ماكينة خصومها وكلما تأخرت الحركة في بناء هذا الجهاز اتسعت المسافة بين ما يحدث على الأرض وما يفهمه العالم عن حقيقة ما يحدث

الأكثر جرأة في أطروحة ماكن أنها ترفض أن ترى السودان باعتباره مجرد مسرح لحرب بين جنرالين أو تنازع بين قوتين مسلحتين وتدعو إلى النظر إليه باعتباره أزمة دولة كاملة أزمة تأسيس تاريخي وأزمة توزيع وأزمة هوية سياسية وأزمة علاقة بين المركز والأطراف وأزمة سيادة وهذا الفهم يفتح الطريق أمام تأسيس خطاب مختلف لأن من يملك هذه الرؤية لا يحتاج إلى الدخول في متاهة من الأقوى ومن بدأ الحرب فقط وإنما يستطيع أن يسأل السؤال الذي تخشاه المنظومة القديمة كيف صارت هذه الدولة على هذه الصورة ومن المستفيد من استمرارها

ولهذا فإن الرد الحقيقي على مقال ماكن لا ينبغي أن يكون الاحتفاء به فقط وإنما تحويل أفكاره إلى مشروع عمل متكامل يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم وينتهي بإعادة هندسة الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي فالمطلوب قاموس جديد للسودان الجديد ومفاهيم جديدة للشرعية والوطنية والسيادة والدولة والجيش والعدالة والثروة والتهميش وهذا ليس ترفاً فكرياً وإنما شرط أساسي لمن يريد أن يخوض معركة تاريخية بأدوات تتجاوز حدود البندقية وتصل إلى المجال الذي تصنع فيه الدول صورتها ومكانتها ومستقبلها

لقد آن الأوان لأن تفهم تأسيس أن العالم لا يتعامل مع الألم وحده وإنما مع القدرة على تحويل الألم إلى قضية قابلة للفهم ولا يتعامل مع الانتصار العسكري باعتباره نهاية الطريق وإنما باعتباره بداية امتحان أصعب هو امتحان السياسة والمعنى والشرعية ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تفعله تأسيس الآن هو أن تتوقف عن محاولة إقناع العالم بأنها ليست ما يقوله خصومها وأن تبدأ في إقناع العالم بماهية السودان الذي تريد بناءه ولماذا يستحق هذا السودان فرصة تاريخية مختلفة عن كل ما سبقه

السودان الجديد لن يولد من تبديل الجنرالات وحده ولن يولد من إخراج الإسلاميين من المشهد ثم تسليم مفاتيح الدولة إلى نسخة أخرى من النخبة القديمة فالتغيير الذي لا يمس قواعد إنتاج السلطة ليس تغييراً وإنما إعادة تدوير للتاريخ وإذا كان مشروع تأسيس يريد أن يكون بالفعل مشروعاً تأسيسياً فعليه أن يذهب إلى الجذر لا إلى الفروع وأن يواجه السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ استقلال السودان أي دولة نريد أن نبني لا أي حكومة نريد أن نحكم

لهذا فإن مقال مجدي ماكن يستحق أن يتحول إلى نقطة بدء لا إلى مادة للثناء لأنه فتح نافذة على سؤال ظل الخطاب السوداني يهرب منه طويلاً وهو أن المشكلة ليست فقط في من يحكم السودان وإنما في السودان الذي صممته بنية الحكم نفسها وأن التخلص من الوجوه دون تفكيك القواعد التي صنعتها لن ينتج سوى دورة جديدة من الأزمة وبذلك يصبح تحرير السودان من أسر الماضي عملية فكرية وسياسية ومؤسسية تسبق لحظة كتابة الدستور وتسبق توزيع المناصب وتسبق حتى تعريف الحلفاء والخصوم

المعركة القادمة ليست معركة من يملك الميكروفون الأعلى صوتاً وإنما من يملك القدرة على إنتاج المعنى وليست معركة من يكرر الرواية أكثر وإنما من يستطيع أن يجعل روايته إطاراً يفهم العالم من خلاله السودان فإذا كانت البندقية قد صنعت وقائع جديدة فإن العقل السياسي مطالب الآن بأن يصنع لها مكاناً في التاريخ وإذا كانت تأسيس تريد أن تنتقل من قوة موجودة على الأرض إلى مشروع دولة فعليها أن تنتصر في المعركة التي لا تحسمها البنادق وحدها معركة تعريف السودان الذي سيأتي بعد هذه الحرب

وهنا تبلغ أطروحة ماكن ذروتها الحقيقية فالمطلوب ليس أن تنتصر تأسيس على دولة 56 في حرب السلاح فقط وإنما أن تنتصر عليها في تعريف الدولة وفي تفسير التاريخ وفي صياغة المستقبل وفي امتلاك اللغة التي سيقرأ بها العالم السودان الجديد فحين تتغير المفاهيم تتغير مواقع القوى وحين يتغير تعريف المشكلة تتغير طبيعة الحلول وحين يصبح السودان الجديد قادراً على تفسير نفسه دون استعارة مفردات خصمه يكون قد قطع أول مسافة حقيقية نحو التحرر ولذلك فإن تحرير الأرض مهما كان عظيماً يظل ناقصاً ما لم يسبقه تحرير العقل الذي سيحكمها.

What do you feel about this?