د. جودات الشريف حامد: السودان والدولة المؤجلة (٢)

1
Jodat

السودان والدولة المؤجلة (٢)

سلسلة في التأسيس والدولة والسياسة والمواطنة*

لماذا تعيد الدولة السودانية إنتاج أزماتها رغم تَغيُّر الحكام؟

د. جودات الشريف حامد

 

إذا كان المقال الأول قد طرح سؤالاً: هل أزمة السودان أزمة حكومات أم أزمة دولة؟ فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعده مباشرة هو: إذا كانت الحكومات قد تغيّرت وتعاقبت عبر تاريخ الدولة السودانية مرات عديدة، إذن فلماذا لم يتغير مسار الدولة بالقدر نفسه نحو الأفضل؟

التاريخ السياسي للسودان لم يعرف ندرة في تغيير الحكومات والأنظمة والقيادات. سقطت أنظمة، وصعدت قوى كانت في المعارضة إلى السلطة، وتعاقبت قيادات وشعارات ايدلوجيا وتحالفات سياسية مختلفة، واندلعت ثورات شعبية (أكتوبر1964، أبريل1985، ديسمبر2018-2019) رفعت سقف التوقعات إلى مستويات عالية. وفي كثير من تلك اللحظات الثورية كان الاعتقاد أن الأزمة السودانية قد غادرت مع الذين غادروا، وأن وصول قوى جديدة إلى الحكم بإرادة الشعب سيقود تلقائياً إلى واقع جديد ينقلنا الى دولة المؤسسات. لكن جميع تلك التجارب الثورية كانت أكثر تعقيداً؛ فالقادمون الجدد دائماً ما يدخلون (بيت عنكبوت) سياسي، إنهم يدخلون إلى دولة لها مؤسسات وتاريخ وقوانين ومصالح متراكمة، وبيروقراطية اكتسبت عاداتها، ومراكز نفوذ وغرف أسرار تعرف كيف تحافظ على مواقعها، وثقافة دهاليز سياسية كوّنت تصوراً معيناً ومحدوداً عن السلطة.

وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات وتحديات أي تغيير مؤسسي وبنيوي: فقد يتغير من يقود النظام، بينما يمتلك النظام “الساقط” قدرة شيطانية على إعادة إنتاج نفوذه ومنطقه داخل أروقة القادمين الجدد. فالإنسان لا يغير المؤسسات دائماً عندما يدخلها؛ وفي أحيان كثيرة تبدأ المؤسسات نفسها في إعادة تشكيل سلوكه هو وفقاً لقواعدها ورغبات من كانوا يديرونها قبل إزاحتهم.

الحاكم الذي يدخل إلى مؤسسة تسمح بتركيز السلطة في يده سيجد أمامه إغراء استخدامها، حتى لو عارض هذا التركيز مبادئه وقيمه وهو خارجها. والحزب الذي يصل إلى دولة تسمح للمنتصر بالتدخل في الخدمة العامة سياسياً قد يكتشف أن استخدام أدوات التدخل أكثر سهولة من تفكيكها ومنعها. والجماعة التي كانت تطالب بالشفافية في المعارضة قد تجد، بعد وصولها إلى الحكم، من يبرر ويزين لها بعض القول الإغرائي أن بعض المعلومات «حساسة»، وأن بعض الرقابة «تعطيل للعمل»، وأن بعض النقد «استهداف للحكومة». هذا ليس لأن البشر جميعاً متشابهون، ولا لأن كل التجارب السياسية سواء، وإنما لأن القواعد السيئة تستطيع أن تنتج حوافز وإغراءات سيئة حتى للأشخاص الذين دخلوا السلطة بنوايا مختلفة.

وهنا يصبح السؤال أعمق من صلاح الحاكم أو فساده السلطوي: يصبح السؤال ما السلوك الذي تشجعه تكافئه المؤسسة؟ وما الذي ترفضه وتعاقب عليه؟ هل تكافئ الكفاءة أم الولاء؟ هل تحمي من يقول الحقيقة أم من يقول للقيادة ما تريد سماعه؟ هل تجعل الالتزام بالقانون الطريق الأقصر إلى الإنجاز، أم تجعل تجاوزه أكثر فاعلية؟ فالقواعد مبدئاً ليست نصوصاً محايدة، بل أُوجدت لتصنع السلوك وتهذب الأخلاق. فإذا كان طريق الترقي يمر عبر الولاء الشخصي، ستنتج المؤسسة الولاء؛ وإذا كان طريق النفوذ يمر عبر القُرب من مركز السلطة، فستعيد إنتاج المركزية مهما تحدثت عن فضيلة المشاركة؛ وإذا كانت المحاسبة انتقائية، سيتعلم الناس أن المشكلة ليست في ارتكاب الخطأ، وإنما في ارتكابه من دون حماية كافية.

ومن هنا يأتي أحد أخطر أوهام التغيير السياسي: الاعتقاد أن الأشخاص الجيدين يستطيعون وحدهم جعل النظام جيداً. نعم القيادات الرشيدة والمشبعة بالقيم والأخلاق مهمة، لكن الدولة لا ينبغي أن تعتمد سلامة مؤسساتها على فرضية صلاح وأخلاق وقيم الأشخاص الذين يديرونها. المؤسسات التي لا تعمل إلا عندما يقودها شخص صالح أو استثنائي (Virtuous leader)، هي مؤسسات تنتظر بلا شك أزماتها الحتمية المقبلة. صلاح الأشخاص قيمة أخلاقية وسياسية مهمة، لكن استدامة الدولة يجب أن تقوم على مؤسسات تجعل السلوك الصحيح قاعدة وليس استثناءً،قاعدة تحول دون أن يصبح سوء سلوك شخص واحد أزمة لدولة كاملة.

ولعل تجربتنا السياسية السودانية برمتها تكشف أن عمليات التغيير التي حدثت، ركزت جميعها على قمة السلطة أكثر من تركيزها على المستويات العميقة التي تجعل الدولة تعمل باستدامة. كان اهتمام القادمين عبر أي تغيير مُنصباً حول من يتولى الرئاسة، ومن يدخل مجلس الوزراء، ومن يمثل القوى السياسية، ومن يحصل على هذه الوزارة أو تلك، هي بلا شك أسئلة مهمة، لكنها لا تكفي ولا ترتقي لمستوى إدارة التغيرات الكبرى. فالدولة الحقيقية يهتم قادتها بالعمل على الاستجابة للأسئلة الاستراتيجية المتعلقة ب: كيفية اتخاذ قرارات الدولة الاستراتيجية، وتخصيص المال العام، وتشكيل الخدمة المدنية، والتعيينات، واستقلال مؤسسات الرقابة، وتدفق المعلومات، وقدرة المؤسسات على الاعتراض عندما تتجاوز السلطة حدودها. إن تغيير القيادة من دون تغيير هذه القواعد والأسس قد يصبح أشبه بتغيير قائد سفينة مع بقاء نظام الملاحة نفسه.

ولهذا استطاعت أزماتنا المركزية المتطاولة أن تعبر من عهد إلى آخر. يتغير الخطاب، وتبقى رغبات تركيز السلطة. يتغير الحزب، ويبقى إغراء استخدام الدولة لصالح الحزب الجديد. تتبدل أسماء المسؤولين، وتظل المؤسسات معتمدة على الأشخاص أكثر من اعتمادها على القواعد والأسس. وتتغير التحالفات، بينما يبقى الوصول إلى مركز الدولة أكثر أهمية وجاذبية من تأسيس وبناء الدولة نفسها.

المؤسسات، بهذا المعنى، تحمل ذاكرة مبرمجة ترفض التغيير وهذه الذاكرة ليست وثائق محفوظة فقط، وإنما طرق مستقرة في فعل الأشياء اليومي. فالسياسي الجديد يجد أمامه مسارات جاهزة، والموظف المبرمج على استمرار “النظام القديم” يعرف كيف «تسير الأمور»، أما المسؤول الذي يريد إنجاز أمر سريعاً يكتشف أن الطريق غير الرسمي أقصر من الطريق القانوني المؤسسي. ومع التكرار تتحول الاستثناءات إلى عادات، والعادات إلى ثقافة، و الثقافة إلى مؤسسة غير مكتوبة وأقوى من النصوص الرسمية.

لهذا لا يكفي أن نغير القانون إذا ظلت الممارسة التي أضعفته باقية ومستمرة، ولا يكفي أن نكتب دستوراً جديداً إذا استمرت العلاقات القديمة بين السلطة ومؤسسات الدولة تعمل وتنشط رغم مخالفتها للدستور الجديد. فالدولة ليست فقط ما نكتبه عنها؛ الدولة أيضاً ما يحدث عندما تصطدم القاعدة بالمصلحة.

ومن هنا يمكن فهم سبب أخرى تجعل عملية تداول السلطة شأناً صعباً في واقع السودان غير المؤسسي. لان في الدولة ذات المؤسسات الراسخة يستطيع الحزب أن يخسر الانتخابات ويظل موجوداً في الساحة السياسية، ويستطيع السياسي مغادرة الحكومة والعودة إلى المجتمع، ويستطيع موظف الخدمة المدنية العامة أن يعمل تحت حكومات مختلفة لأن وظيفته تتبع الدولة وليس الحزب. أما عندما تتداخل وتتشابك الدولة بالسلطة السياسية، فإن خسارة الحكم تصبح من وجهة نظر الساسة أكثر تكلفة وأشد خطراً عليهم. حيث إن ارتباط المناصب والموارد والنفوذ والحماية مرهوناً بالسيطرة على الدولة، يتحول بموجبه التنافس السياسي الطبيعي إلى صراع شديد على امتلاك مقدرات الدولة.

ولهذا فإن بناء الديمقراطية الحقيقية لا يبدأ بصندوق الانتخابات وحده، وإنما أيضاً بتقليل قيمة احتكار الدولة؛ أي بمعنى الوصول إلى وضع لا يستطيع فيه المنتصر إنتخابياً أن يأخذ كل شيء، ولا يخسر فيه المنافس المهزوم كل شيء. فالناس يقبلون الخسارة عندما يعرفون أن حقوقهم لا تسقط مع خسارتهم، والأحزاب تستطيع البقاء في المعارضة عندما تعرف أن الدولة لن تتحول إلى أداة تهديد وجودي ضدها، والمواطن يقبل تغير الحكومات عندما يعلم أن المدرسة والمستشفى والقضاء والخدمة المدنية ستظل مؤسسات للدولة و ليست غنائم سياسية لمن فاز.

هذا هو المعنى الأعمق لمدلول الفصل بين الحزب والدولة: الأمر ليس أن يتوقف السياسيون عن قيادة الحكومات، فهذا من صميم وطبيعة الديمقراطية، وإنما الأمر ألا تتحول مؤسسات الدولة إلى امتدادات تنظيمية للقوة السياسية التي تدير الحكومة في مرحلة معينة.

لقد صاحب تجربتنا السياسية كذلك تطلعات ثابتة وبحث متكرر عن «لحظة الخلاص»: ثورة جديدة، اتفاق جديد، قائد جديد، حكومة انتقالية جديدة، أو وثيقة دستورية جديدة، وكأن التاريخ يستطيع في لحظة واحدة أن يقطع صلته بكل ما سبقه. فتأسيس وبناء الدول أكثر تعقيداً مما نستعجله. يمكن إسقاط حكومة في أيام، بينما تأسيس وبناء مؤسسة واحدة يحتاج ربما لسنوات. ويمكن إلغاء قانون في جلسة واحدة، بينما تغيير الثقافة التي نشأت حول هذا القانون الملغي تحتاج إلى تراكم زمني طويل للتعافي من آثاره. ويمكن إعلان اللامركزية في نص، بينما جعلها حقيقة تمشي بين الأقاليم والمحليات يحتاج إلى نقل للصلاحيات، والموارد، والقدرات، والمساءلة.

وهذه الفجوة بين سرعة التغيير السياسي وبطء البناء المؤسسي ربما تفسر جانباً مهماً من خيبات الانتقال في السودان نحو التطلعات الوطنية المشروعة . فالثورات بطبيعتها لحظات عالية التوقعات، بينما المؤسسات تحتاج إلى قواعد وتدريب، وتجريب، وتصحيح، واستقرار. ولا يعني ذلك أن الشعوب السودانية مطالبة بالصبر على الفشل، وإنما القيادة الجادة يجب أن تعرف الفرق بين ما يمكن تغييره فوراً وحالاً وما يحتاج إلى تأسيس وبناء تراكمي. فالتأسيس ليس إعلاناً سياسياً؛ التأسيس عملية-ورحلة طويلة تحتاج جدية وصبر وتؤدة.

ولا تكتمل الصورة ايضاً  إذا نظرنا إلى الدولة من أعلى فقط. فعندما تضعف ثقة المواطن في المؤسسات يبدأ رحلة البحث عن بدائل تعويضية: الأسرة، الأرومة القبلية الممتدة، الجماعة، الحزب، شبكة العلاقات الشخصية أو أي جهة يتوقع أن توفر له ما لم تستطع الدولة توفيره. وهنا تصبح الواسطة أداة لتجاوز المؤسسات التي لا يثق المواطن بأنها ستمنحه حقه، ويصبح الولاء عبر البدائل التعويضية مسلكاً للحصول على فرصة في بيئة لا يضمن فيها القانون تكافؤ الفرص، ويصبح الاحتماء بالبدائل الآنفة الذكر مفهوماً متجذراً عندما لا يشعر الفرد أن الدولة قادرة على حمايته كمواطن.

هكذا تنشأ حلقة خطيرة للغاية يصعب كسرها: الدولة الضعيفة تدفع المجتمع إلى البحث عن بدائل لها، واتساع الاعتماد على تلك البدائل يضعف الدولة أكثر فأكثر. وكسر هذه الحلقة الشريرة لا يتحقق بتغيير المسؤولين وحدهم، بل تطويقها يبقى ممكناً عندما يصبح المسار المؤسسي هو الطريق  الوحيد والأكثر أماناً وفاعلية للحصول على الحقوق.

ومن هنا نفهم أيضاً لماذا لا تستطيع النصوص وحدها إنقاذ الدول. قد يعلن الدستور المساواة، لكن المواطن سيقيسها بما يراه في الواقع. وقد ينص القانون على استقلال المؤسسات، لكن استقلالها الحقيقي يُختبر عندما يتعارض قرارها مع رغبة السلطة. وقد تتحدث الحكومة عن اللامركزية، لكن الإقاليم ستقيسها بالصلاحيات والموارد التي تملكها فعلياً. وقد يعلن الحزب احترامه للدولة ككيان مؤسسي جامع ، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصل هذا الحزب إلى الحكم: هل يقاوم إغراء استخدام المؤسسات العامة لمصلحة وخدمة التنظيم السياسي؟

فالسياسة لا تُختبر فقط في الشعارات التي نرفعها عندما نكون بعيدين عن السلطة، وإنما في الحدود التي نقبلها عندما تصبح السلطة بين أيدينا.

ولا يعني الحديث عن المؤسسات تبرئة الأشخاص من المسؤولية. فمن يتخذ قراراً سيئاً أو يمارس فساداً أو قمعاً يتحمل مسؤولية فعله. لكن التحليل المؤسسي يضيف سؤالاً آخر ذا أهمية بالغة: كيف نجعل خطأ الشخص محدوداً بدلاً من أن يصبح خطأ دولة كاملة؟ كيف نبني جهاز دولة يستطيع أن يقول للقائد أو الزعيم  إن قراره مخالف للقانون؟ كيف نجعل المال العام خاضعاً للنظام لا للرغبة؟ وكيف نجعل التعيين وظيفة تقوم على الكفاءة وليس مكافئة على الولاء للحزب الحاكم؟ ……هذه الأسئلة تنقلنا من أخلاق الحكم إلى تصميم وهندسة الحكم.

فالدولة لا تستطيع ضمان أن يحكمها أفضل الناس في كل الأزمان، لكنها تستطيع أن تضع قواعد وأسس تجعلها أقل اعتماداً على صفاتهم الشخصية. فالدولة المؤسسية ليست الدولة التي لا تخطئ، لكنها الدولة التي تمتلك آليات ووسائل لاكتشاف الخطأ وتصحيحه ومحاسبة المسؤول عنه والتعلم منهLessons Learned)).

وهنا ربما ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر صعوبة من سؤال «من نريد أن يحكم» ؟:..ما الذي ينبغي أن يكون مستحيلاً على أي حاكم فعله، مهما كانت شعبيته أو قوته أو موقعه؟ هذا السؤال ربما يكون أكثر أهمية من البحث الدائم عن الحاكم المثالي؛ فالدساتير والمؤسسات الجيدة لا تبنى فقط لمن نثق بهم، وإنما أيضاً تحسباً لمن قد لا نثق بهم.

لقد غُيّرَالحكام في السودان مرات كثيرة، وهذا ليس معناه أن كل تغيير كان بلا قيمة ولو نسبية بسيطة، أو أن جميع عهود التغيير في السودان كانت سواء؛ فبين تجارب التغيير اختلافات حقيقية ومكاسب خجولة وإخفاقات لا ينبغي محوها. لكن الدرس الذي يفرضه التكرار هو أن التغيير في قمة السلطة لا يصبح تحولاً تاريخياً دائماً إلا إذا امتد إلى قواعد الدولة، ومؤسساتها، وحوافزها، وثقافتها.

إذا تغير الحاكم وبقيت القاعدة التي تسمح بتركيز السلطة، ستعود المركزية. وإذا تغير الحزب وبقيت الدولة قابلة للامتلاك ونزعات السيطرة والاستحواذ، سيعود إغراء الامتلاك من الشباك صبيحة اليوم الثاني. وإذا تغير المسؤول وبقيت المؤسسة تكافئ الولاء، سيحل ولاء جديد محل الولاء القديم. وإذا تبدل الخطاب وبقي المواطن محتاجاً إلى الواسطة للحصول على حقه، فإن جوهر علاقته بالدولة لم يتغير والتغيير لم يتم بعد.

ولهذا ربما لم يكن إخفاقنا السوداني الأكبر أننا لم نستطع تغيير الحكام؛ فقد فعلنا ذلك مرات عديدة. لكن كان إخفاقنا الأعمق أننا لم نحول لحظات التغيير إلى لحظات تأسيس وبناء مؤسسي يصعب التراجع عنها.

وهنا يتغير السؤال من جديد. فبدلاً من أن نسأل في كل أزمة: من ينبغي أن يذهب ومن ينبغي أن يأتي؟ علينا أن نسأل أيضاً:

ما القاعدة التي يجب أن تبقى بعد أن يذهب الجميع؟

فالحاكم مؤقت وعابر، والحكومة مؤقتة وعابرة، أما الدولة التي نريد تأسيسها وبناءها فيجب أن تكون أكبر منهما، وأن تبقى ملكاً لجميع مواطنيها، وأن تستطيع حماية قواعدها وأسسها حتى ممن يتولون قيادتها.

وربما لهذا لم يكفِ تغيير الحكام لوحده؛ لأن التغيير الحقيقي لا يكتمل عندما يغادر شخص موقع السلطة ويأتي آخر محله، وإنما التغيير الحقيقي عندما يصبح تغيير الأشخاص أمراً عادياً، بينما تبقى القواعد والأسس التي تحمي الدولة والمواطن أقوى من الجميع.

ومن هنا يفتح سؤالنا باباً آخر في رحلة «السودان والدولة المؤجلة»: إذا كانت القواعد والمؤسسات أعمق أثراً من الأشخاص، فكيف أصبحت المركزية في التجربة السودانية أكثر من كونها مجرد نظام إداري، وتحولت مع الزمن إلى طريقة و مدخل لتوزيع السلطة والموارد رؤية  ووجهة نظر الدولة نفسها.

What do you feel about this?