فاطمة لقاوة: إعتماد الشهادة .. إنتصار على الحرب
فاطمة لقاوة
لم يكن إعتماد نتيجة الشهادة الثانوية مجرد إجراء رسمي لإعلان الدرجات، بل كان إنتصاراً للحياة على الحرب، وللعلم على الجهل، ولإرادة الطلاب على سنوات القهر والتهميش.
منذ إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لم يكن الرصاص يستهدف الإنسان وحده؛ فقد إمتدت نيران الحرب إلى المدارس ومؤسسات التعليم، فهُدمت الصروح، وتوقفت الدراسة، وتحولت بعض المدارس إلى ملاجئ للنازحين.
كان أبناء الريف، خصوصاً في كردفان ودارفور، في مقدمة من دفعوا الثمن، فحُرموا سنوات من حقهم الطبيعي في التعليم، ولم تتوقف المأساة عند إغلاق المدارس، فقد وجد الطلاب أنفسهم في مواجهة عراقيل صنعتها الحرب والسياسة معاً، حتى أصبح الطالب يُحاسب أحياناً على جغرافيته وهويته، وكأن مكان ميلاده ذنب يستحق العقاب.
لكن هؤلاء الطلاب لم يستسلموا،و عندما دقَّ جرس الإمتحانات، كان الصوت أكبر من مجرد إعلان بداية إختبار.،كان صرخة حياة في وجه الموت، ورسالة تقول إن الحرب تستطيع أن تهدم الجدران، لكنها عاجزة عن هدم أحلام الأجيال.
كان قرع الجنرال محمد حمدان دقلو جرس الإمتحانات في مدرسة الوحدة الثانوية بنات، وقرع الأستاذ محمد الحسن التعايشي الجرس في أدرمتا، ووقوف الدكتور علاء الدين نقد مع طلاب النيل الأبيض النازحين،مشهداً إختصر معنى المرحلة كلها: أن حق التعليم يجب أن يعود إلى أصحابه، وأن أبناء السودان ليسوا وقوداً لحربٍ لا ذنب لهم فيها.
اليوم، يأتي إعتماد نتيجة الشهادة الثانوية من دولة رئيس الوزراء”الأستاذ محمد حسن التعايشي” ليضع نقطة مضيئة في نهاية طريق شديد العتمة، بحضور وزير التربية والتعليم الأستاذ كوكو جقدول، ووكيل النيابة مولانا سنين مادبو، ورئيس الجهاز القضائي مولانا النور شالو، ورئيس لجنة التعليم بالولاية الدكتور حافظ.
إنها نتيجة إمتحان الشهادة الثانوية، نعم؛ لكنها في حقيقتها نتيجة صمود شعب بأكمله،و خلف كل إسم في كشوف الناجحين قصة طالبٍ قاوم النزوح، وأسرةٍ قاومت الفقر والخوف، وأمٍ إنتظرت لحظة الفرح، وأبٍ ظل يحلم بأن يرى إبنه يحمل شهادة لا سلاحاً.
لهذا، فإن إعتماد النتيجة اليوم لا ينبغي أن يُقرأ بإعتباره حدثاً تعليمياً مُعتاد عليه؛ بل هو إعلاناً بأن المستقبل السوداني لا يُكتب بالمدافع، وإنما بالعلم والمعرفة والعدالة.
لقد أرادت جنرالات الحرب في بورتسودان أن يسرقوا من هذا الجيل سنواته، وأن تتحوّل أحلامه إلى رماد، لكن الطلاب أثبتوا أن المستقبل يمكن أن يولد من قلب الخراب، وأن الإنسان السوداني، مهما إشتدت عليه المِحن، يملك القدرة على النهوض.
إعتماد نتيجة الشهادة الثانوية اليوم ليس مجرد إعتماد درجات؛ إنه إعتماد للأمل نفسه،إنه جرسٌ جديد يُقرع في السودان:جرسٌ يقول إن المدرسة ستعود، والطالب سيعود، والعلم سيعود، وأن مستقبل هذا الوطن لن تكتبه الحرب.
ولنا عودة بإذن الله
