محمد الأمين عبد النبي: الفيدرالية التوافقية .. نموذج بناء الدولة السودانية

1
mohamed alamin

محمد الأمين عبد النبي

تُطرح الفيدرالية في السودان باعتبارها الحل الممكن لإعادة بناء الدولة وإنهاء اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم. لكن لا يوجد نموذج واحد يمكن استنساخه؛ فالتجارب المقارنة تكشف اختلاف أسسها: فيدرالية دستورية في سويسرا، وفيدرالية قائمة على تعدد الولايات وتوزيع الموارد في نيجيريا، وفيدرالية إثنية في إثيوبيا، وفيدرالية لغوية في الهند، ونموذج لتقاسم السلطة الطائفي في لبنان.

تقدم سويسرا نموذجًا للفيدرالية باعتبارها عقدًا دستوريًا بين وحدات سياسية تمتلك تقاليد راسخة في الحكم الذاتي، مع توزيع واضح للصلاحيات، وقوة المؤسسات المحلية، والتوازن الدستوري. أما نيجيريا فتقدم نموذجًا ارتبط بتعدد الولايات وتوزيع الموارد. لكن تجربتها تؤكد أن كثرة الوحدات لا تصنع بالضرورة حكمًا فيدراليًا فعالًا إذا ظل المركز مصدرًا أساسيًا للسلطة والموارد.

وفي إثيوبيا، ارتبطت الفيدرالية بالهوية الإثنية، وهو ما يوضح مخاطر تحويل الهويات إلى حدود سياسية قد تجعل النزاع على الأرض والهوية والسيادة. أما الهند فأعادت تنظيم ولاياتها بصورة أساسية على أساس اللغة، مقدمة نموذجًا لاستيعاب التنوع داخل دولة اتحادية واحدة. وفي لبنان، أنتج تقاسم السلطة الطائفي ضمانات للتمثيل، لكنه أفضى أيضًا إلى محاصصة سياسية.

إن الطريق إلى الديمقراطية في السودان معقد، ولا يمكن اختزاله في الانتقال من الحكم العسكري إلى المدني؛ بل يتطلب جهدًا معرفيًا ونضالًا وطنيًا لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد. ومن هنا، أرى أن الصيغة الأنسب هي نظام فدرالي ديمقراطي توافقي، يجمع بين سيادة الشعب، وضمان حقوق الأقاليم، وحماية التنوع، بحيث لا يتحول التوافق إلى محاصصة نخب.

يحتاج السودان إلى فيدرالية دستورية، تعاونية وغير إثنية، تقوم على أقاليم كبرى مستندة إلى التاريخ والجغرافيا والتداخل الاقتصادي والاجتماعي. ويمكن أن تشمل، في إطار النقاش، دارفور وكردفان والوسط والشرق والشمال والعاصمة القومية، مع ترتيبات خاصة للمناطق ذات الخصوصية، على أن تُحدَّد الحدود عبر عملية دستورية تشاركية.

وجوهر الفيدرالية هو توزيع السلطة والموارد. وعليه، ينبغي أن تمتلك الأقاليم سلطات دستورية في التعليم والصحة والزراعة والثروة الحيوانية وإدارة الأراضي والتنمية المحلية والثقافة واللغات والاستثمار والشرطة المدنية، بينما تختص الحكومة الاتحادية بالدفاع والعلاقات الخارجية والجنسية والعملة والسياسات الاقتصادية الكلية والمعايير الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية

ولا معنى لفيدرالية سياسية بلا عدالة مالية؛ لذلك يجب إنشاء مفوضية لتوزيع الإيرادات، تراعي السكان والفقر والدمار الناتج عن الحرب والفجوات التنموية، مع ضمان نصيب عادل للمناطق المنتجة للموارد، بما يحقق التوازن بين حقوق الأقاليم واحتياجات الدولة الاتحادية.

كما يجب أن تكون قضية الأرض جزءًا من البناء الدستوري، عبر الاعتراف بالحقوق التاريخية والعرفية، وحماية مسارات الرعي، وتنظيم العلاقة بين الرعاة والمزارعين، وتسوية نزاعات الحواكير، وإدارة الموارد الطبيعية بصورة عادلة وشفافة.

غير أن الشرط الحاسم هو إصلاح القطاع الأمني؛ فلا يمكن قيام فيدرالية مستقرة مع تعدد الجيوش والمليشيات. والمطلوب جيش وطني مهني واحد يخضع للسلطة المدنية.

وسياسيًا، يحتاج السودان إلى نظام شبه رئاسي متوازن، مع مجلس نواب ومجلس للأقاليم يضمن التوازن الاتحادي على أساس المواطنة المتساوية.

الفيدرالية التوافقية مشروع لبناء وحدة السودان على أسس جديدة: مركز قوي في وظائفه السيادية، وأقاليم قوية في إدارة شؤونها، ومؤسسات اتحادية تحفظ وحدة الدولة وتنوعها.

والاختبار الحقيقي للنموذج الفيدرالي، هو قدرته على جعل المواطن أكثر أمنًا ومساواة ومشاركة، من دون أن يصبح أقل انتماءً إلى الدولة السودانية.

What do you feel about this?