ظهور البرهان في شوارع الخرطوم .. ماذا يريد أن يثبت الجنرال؟

9
brhan

ظهور متعدد ومكرر لقائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان، مخاطباً  المصلين تارة، أو مؤديا لتمارين تارة اخرى، أو متجولا في الاسواق مرات ومرات. ومع كل ظهور يبدو حديثه مختلفا في الصياغة رغم المضمون الموحد  أن البلاد في أمان وان الجيش هو المسيطر وصاحب السيادة. هذا النمط الجديد من الحضور العلني لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سياسي بالغ التعقيد، يتسم بغياب الشرعية الدستورية الانتخابية وتآكل الهياكل المؤسسية للدولة منذ إجراءات أكتوبر 2021 وما أعقبها من اندلاع حرب أبريل 2023. فبينما تحاول المؤسسة العسكرية ترسيخ حضورها كضامن للسيادة الوطنية، يطرح المراقبون تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية وراء هذه حملات الظهور المكثفة للبرهان، فهل هي محاولة استباقية لهندسة شرعية بديلة في ظل فراغ السلطة وتصاعد التحديات الميدانية؟

متابعات – بلو نيوز

إشارات بصرية ونفسية

المحلل السياسي عمر سفيان سالم يذهب في حديثه لـ”راينو” إلى أن التطورات الميدانية الحالية التي يعيشها السودان وتغير ميزان القوة العسكري لصالح الدعم السريع بعد أن أطلق حميدتي العنان لقواته، فضلا عن تجاوزه لكل محاولات الاتفاق على التهدئة بسبب نكوص وإصرار الجيش والإسلاميين على الغدر والتصعيد ورفض التفاوض والسلام، مما جعل البرهان يهرول محاولا تصدير إحساس بالثقة لتكذيب إنتكاسات جيشه. وقال:” تستهدف الجولات الميدانية المباشرة للبرهان وسط المواطنين والعائدين إلى ولاية الخرطوم  إرسال إشارات بصرية ونفسية قوية لتبديد مخاوف السكان، وإيصال رسالة ميدانية مفادها أن الأمن بدأ يستتب في المناطق التي أمّنها الجيش، وهو ما يهدف إلى تعزيز الثقة الشعبية المهزومة في قدرة مؤسسات الدولة على حماية المجتمع وتوفير المظلة الأمنية الضرورية لاستئناف الحياة اليومية”.

واعتبر سفيان أن البرهان يحرص في خطاباته ولقاءاته المصاحبة لهذه الزيارات على التذكير بأن القوات المسلحة هي المؤسسة القومية التي لا تنتمي لحزب أو جهة أو قبيلة. وأضاف: “يسعى البرهان بهذا التأكيد المتكرر  إلى مواجهة حالة الاستقطاب السياسي الحاد وتثبيت شرعية الجيش كمؤسسة شرعية وحيدة مخولة بحماية وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مسوقاً نفسه كرهان أخير لمنع تفكك الدولة السودانية في ظل تعدد الجبهات والضغوط الإقليمية والدولية.”

وتذهب النحليلات إلى أن محاولات البرهان لا تبدو مفصولة عن السياق والمحيط والبئية التي يظهر ويتحدث فيها. وبحسب رصد”راينو”  فإن البرهان يقوم بمحاولاته تلك وسط ظروف معيشية قاسية تضرب الأسواق، حيث ترتفع أسعار السلع الأساسية لمستويات باهظة تُنهك أجور المواطنين وقدرتهم الشرائية. لذا فإنه في سياق تسيوق إحساسه بهم المواطنين يكرر الحديث عن توجيهاته المباشرة للسلطات المحلية في ولاية الخرطوم بتخفيض الأسعار، وتوفير الخدمات، ودعم الفئات البسيطة – مثل توجيهه بالسماح لـ”ستات الشاي” بممارسة أعمالهن – كمحاولة لإظهار التفاعل المباشر مع الأزمات الاقتصادية الطاحنة، في مسعى لامتصاص نقمة الشارع والتقليل من حجم الفجوة المتسعة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي المتردي.

وهو ما يؤكده سفيان  بأن حضور الجنرال في الأسواق والأحياء السكنية يتضمن دعوة عملية لحث النازحين والمغتربين على العودة إلى ديارهم، بالتزامن مع إعلانات حكومية ووعود متكررة بإعادة تأهيل المرافق الحيوية، مثل المستشفيات والمرافق الصحية والتعليمية في أم درمان وبحري وشرق النيل، في محاولة لربط الاستقرار الأمني بإعادة بناء الحد الأدنى من الخدمات الضرورية التي تشجع على عودة الاستقرار الديموغرافي والعمراني للعاصمة.

ويرى مراقبون أن  البرهان بارتدائه للزي الرياضي والنزول إلى المساجد والساحات العامة يسعى لإحداث تحول في الصورة الذهنية عنه كقائد عسكري بكسر الصورة التقليدية التي ترسخت للسودانيين عنه كعسكري معزول خلف مكاتب القيادة العامة المحصنة. ويذهب البعض إلى أن تواصل البرهان غير الرسمي يهدف إلى تقديم البرهان بصورة الزعيم القريب من هموم المواطن البسيط، ويعتبر انصار هذا التحليل أن هذا الأسلوب  لا يخرج عن الأساليب المعتادة في إدارة الحملات القيادية لتكريس القبول الشعبي وتخفيف حدة الانتقادات السياسية الموجهة لإدارة المعركة واستمرار الحرب.

فيما يلفت المحلل عمر النظر إلى أن تركيز البرهان على هذا الظهور بتلك الصورة يعني ضمن ما يعنيه خطوة اخرى في مسرحية من إخراج دول الجوار في مسيرة تنصيبه رئيساً للسودان التي رشحت من العديد من الدوائر خلال الفترة الماضية.

عموما غض النظر عن  نجاح تلك المحاولات من عدمها، إلا أن المشهد يظل محكوماً بالتناقضات، فالتصعيد الميداني المستمر، وتجدد الهجمات بالطائرات المسيرة التي تستهدف عمق العاصمة ومحيطها، يفرض تحديات أمنية تقوض الرسائل السياسية للبرهان وتحيل أحاديه إلى سراب، في وقت يجد المواطن السوداني فيه نفسه عالقاً بين محاولات السلطة لإنتاج شرعية ميدانية عبر الرمزية الشعبية، وبين واقع اقتصادي وأمني بالغ التعقيد يتطلب معايير فعلية تسبق أي استعراض جماهيري.

تحليل سلوك البرهان

في قراءة سوسيولوجية للتحولات الأخيرة في طريقة ظهور قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أمام الجمهور، يرى أستاذ علم الاجتماع بالجامعات السودانية، د. عبد الناصر علي الفكي، أن النزول إلى الأسواق والأحياء والجلوس مع المواطنين لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مشاهد عفوية أو لحظات إنسانية عابرة.

ويقول الفكي في حديثه لـ«راينو»، إن هذه التحركات تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة بناء صورة القائد وترميم شرعية عسكرية وسياسية تعرضت لاختبارات قاسية بفعل الحرب، وما صاحبها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية.

ونوه إلى أن سلوك البرهان يكشف، من زاوية علم الاجتماع السياسي، عن «تناقض بنيوي» بين موقعه على رأس مؤسسة عسكرية يفترض أنها تمثل الدولة، وبين واقع دولة أضعفت الحرب مؤسساتها وخدماتها، وأصبح المواطن يواجه يومياً مشكلات الأمن والمعيشة والعلاج والتعليم.

ويشرح الفكي أن هذا التناقض يمكن فهمه من خلال ما يسميه «الازدواجية المؤسسية»، فالبرهان يحتاج، من ناحية، إلى الاستناد إلى شرعية الدولة التي يمثلها الجيش، لكنه يحتاج، من ناحية أخرى، إلى الابتعاد عن الصورة المرتبطة بجهاز الدولة العاجز عن تلبية كثير من الاحتياجات الأساسية.

ومن هنا، كما يقول، تظهر حالة من «الانتقائية في تقديم الصورة»؛ ففي بعض المناسبات يظهر البرهان في هيئة القائد العسكري، محاطاً بالضباط والحرس ويتحدث عن الحرب والسيادة، وفي مناسبات أخرى يقترب من صورة المواطن العادي، فيتجول في الأسواق، ويتحدث مع الناس، ويجلس معهم، ويتناول مشروباً شعبياً أو يلتقط الصور مع الأطفال.

ويرى الفكي أن هذه الطريقة تمنح القائد فرصة للظهور باعتباره قريباً من الناس، لكنها في الوقت نفسه تحمل مشكلة أخرى، لأنها تضع الصورة الشخصية أمام مسؤولية الدور السياسي والمؤسسي. فكلما اقترب القائد من المواطن، أصبح المواطن أكثر قدرة على مقارنته بما يحدث حوله.

الكاريزما .. شكل بلا مشروع

ويرى أستاذ علم الاجتماع أن بعض مشاهد ظهور البرهان تستدعي، من حيث الشكل، صوراً تاريخية لقادة عرفوا بحضورهم الشعبي في الذاكرة العربية والأفريقية، لكنه يحذر من المقارنة المباشرة بين البرهان وقادة مثل جمال عبد الناصر أو جعفر نميري.

ويقول إن كاريزما عبد الناصر لم تُبنَ على الظهور بين الناس أو الصور الشعبية وحدها، وإنما ارتبطت بمشروع سياسي واجتماعي وقومي واضح، شمل قضايا الوحدة العربية والتصنيع وبناء الدولة والتحولات

 

نقلا عن وكالة راينو

What do you feel about this?