نزيف بـ6 مليارات دولار سنوياً .. تحويلات المغتربين تتجاوز البنوك وتصب في السوق الموازية

1
pund

يفقد الجهاز المصرفي السوداني سنوياً ما يقدر بنحو 4 إلى 6 مليارات دولار من تحويلات المغتربين، مع اتجاه الأموال إلى القنوات غير الرسمية بفعل اتساع فجوة أسعار الصرف وتراجع الثقة في البنوك والجنيه، ما يحرم الاقتصاد من مورد حيوي للنقد الأجنبي.

الخرطوم – بلو نيوز

يواجه الاقتصاد السوداني نزيفاً متواصلاً في موارد النقد الأجنبي، مع خروج نسبة كبيرة من تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عن القنوات المصرفية الرسمية واتجاهها إلى السوق الموازية، في ظل تداعيات الحرب واضطراب القطاع المالي.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن قيمة التحويلات التي لا تمر عبر النظام المصرفي تتراوح بين 4 و6 مليارات دولار سنوياً، ما يحرم البنوك من تدفقات مالية كان يمكن أن تعزز احتياطيات النقد الأجنبي وتدعم تمويل الواردات والسلع الأساسية.

ويُعد اتساع الفجوة بين سعر الصرف المصرفي وسعر السوق الموازية أحد أبرز العوامل التي تدفع المغتربين إلى تجنب البنوك، إذ توفر القنوات غير الرسمية مقابلاً أعلى لأموالهم، بما يساعد الأسر المستفيدة على مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

وتعكس هذه الفجوة أزمة ثقة متنامية بين الدولة والسودانيين في الخارج، في ظل تعقيد الإجراءات المصرفية وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات، فضلاً عن ضعف الثقة في العملة المحلية واستمرار التضخم والتراجع الحاد في قيمة الجنيه.

فجوة الصرف تستنزف مورداً حيوياً

تمثل تحويلات المغتربين أحد أهم مصادر النقد الأجنبي بالنسبة إلى السودان، خصوصاً مع تراجع الإنتاج والصادرات وتضرر القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

ويرى اقتصاديون أن إعادة هذه التدفقات إلى القطاع المصرفي تتطلب معالجة الأسباب التي دفعتها إلى السوق الموازية، وفي مقدمتها تقليص الفارق بين أسعار الصرف، وتوفير حوافز تنافسية، وتسريع إجراءات التحويل والاستلام، وضمان سهولة الوصول إلى الخدمات المالية.

كما تتطلب استعادة التحويلات بناء الثقة في الجهاز المصرفي، وتوفير ضمانات لحماية أموال المودعين، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط المغتربين بمنتجات ادخارية واستثمارية مجدية بدلاً من الاكتفاء بالمناشدات والسياسات المؤقتة.

ويضع استمرار الوضع الراهن السلطات النقدية أمام تحدٍ مزدوج؛ إذ يفقد النظام المصرفي مليارات الدولارات من التدفقات المحتملة، بينما تتسع السوق الموازية ويزداد الطلب على العملات الأجنبية، ما يفرض ضغوطاً إضافية على الجنيه.

الحرب تعمق أزمة التحويلات

فاقمت الحرب اضطراب النشاط المصرفي والتجاري، وأدت إلى خروج فروع مصرفية عديدة من الخدمة، وتعطل شبكات الاتصال والتحويل، وتراجع الإيرادات والإنتاج، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وتدهور العملة الوطنية.

وفي المقابل، تعتمد ملايين الأسر على الأموال التي يرسلها أقاربها في الخارج لتوفير الغذاء والعلاج والسكن والتعليم، ما يجعل سرعة التحويل وقيمة المبلغ عند استلامه عاملين حاسمين في اختيار القنوات غير الرسمية.

ورغم وصول هذه الأموال إلى الأسر ودورها المباشر في دعم الاستهلاك وتخفيف الضائقة المعيشية، فإن بقاءها خارج النظام المصرفي يحرم الدولة والبنوك من مورد يمكن توظيفه في تمويل الاستيراد وتوفير السلع الأساسية وتعزيز استقرار سوق الصرف.

وتبرز أمام السلطات معادلة اقتصادية معقدة: كلما اتسعت الفجوة بين السعرين المصرفي والموازي، ازدادت جاذبية القنوات غير الرسمية، وكلما تراجعت الثقة في البنوك، أصبحت استعادة تحويلات المغتربين أكثر صعوبة.

ويبقى التحدي أمام بنك السودان والسلطات الاقتصادية في قدرتها على تبني سياسات نقدية ومصرفية واقعية تعيد بناء الثقة وتجذب التحويلات، قبل أن يتحول فقدان مليارات الدولارات لصالح السوق الموازية إلى أزمة أكثر عمقاً واستدامة.

What do you feel about this?