حظر الاستيراد في السودان: قرار يُفاقم الأزمة ويكشف ارتباكاً اقتصادياً عميقاً

1
ecn

يعتمد قرار حظر الاستيراد على فرضية مختزلة مفادها أن تقليص الواردات سيخفض الطلب على الدولار ويحسن سعر الصرف، غير أنه يتجاهل جوهر الأزمة السودانية التي لا تتمثل في الاستهلاك بل في انهيار إنتاجي شامل، ما يجعل هذه السياسات أقرب إلى ترحيل الأزمة بدلاً من معالجتها جذرياً.

متابعات – بلو نيوز

أصدرت سلطات الأمر الواقع في بورتسودان قراراً بحظر الاستيراد لعدد من السلع، يعتمد القرار من فرضية بسيطة ومختزلة مفادها أن تقليص الاستيراد سيؤدي إلى خفض الطلب على الدولار، وبالتالي تحسين سعر الصرف، غير أن هذا التصور يتجاهل تماماً طبيعة الأزمة السودانية، والتي ليست أزمة استهلاك، بل أزمة انهيار إنتاجي شامل.

وكالة رويترز للأنباء أصدرت تقريراً أمس الأول تطرقت فيه للقرار وأشارت فيه أن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات أدت إلى تدمير واسع للبنية الصناعية، وتراجع حاد في الإنتاج الزراعي، إضافة إلى تصاعد حاد في عمليات تهريب الذهب علي مرأي ومسمع من الجميع، وهو المصدر الأساسي للعملة الصعبة، ما أدى إلى تعميق العجز في الميزان التجاري.

وفي هذا السياق، فإن تقليص الاستيراد دون وجود إنتاج محلي بديل لا يؤدي إلى استقرار اقتصادي، بل إلى اختناق في العرض، وارتفاع حاد في الأسعار، وتفاقم الأزمة المعيشية.

ترحيل الأزمة:

صندوق النقد الدولي أكد الحقائق التي ذكرت سابقاً بوضوح حين أشار إلى أن قيود الاستيراد لا يمكن أن تحل محل السياسات الاقتصادية الكلية السليمة والإصلاحات الهيكلية العميقة، وهو ما يعني ببساطة أن إدارة الاقتصاد عبر المنع الإداري لا تعالج جذور الأزمة بل تؤجل انفجارها.

ومن الناحية العلمية، فإن أي اقتصاد يعاني من فجوة إنتاجية هيكلية لا يمكنه التعويض بالضغط على الطلب المستورد دون بدائل محلية، لأن ذلك يولد ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “تضخم كبتي” (Repressed Inflation) يظهر لاحقًا في الأسواق الموازية وبصورة أكثر حدة.

خطأ اقتصادي:

من أخطر ما ورد في قرار حظر استيراد العديد من السلع شموله لمواد خام ومدخلات إنتاج، وهو ما يكشف عن خلل عميق في فهم آليات الاقتصاد الحديث، فهذه المدخلات ليست سلعًا استهلاكية، بل هي أساس العملية الإنتاجية ذاتها.

إذ يوضح البنك الدولي في أدبياته حول سلاسل القيمة أن الوصول إلى المدخلات المستوردة يُعد عنصراً حاسماً في الحفاظ على الإنتاج المحلي والتنافسية الاقتصادية.

وبالتالي فإن حظر هذه المدخلات يعني عملياً تقليص الإنتاج المحلي ورفع تكلفة السلع وزيادة الأسعار ثم العودة لاحقاً للاستيراد بشكل أكبر وبكلفة أعلى، وهو ما يكشف عن دائرة اقتصادية مغلقة من الفشل بدلًا من حل المشكلة.

علمياً، يُعرف هذا الخلل باسم “مغالطة القطاع الواحد” (One-Sector Fallacy) إذ يُفترض خطأً أن كل الواردات سلع نهائية، متجاهلاً أن الاقتصادات الهشة تعتمد على الاستيراد الوسيط لإعادة الإنتاج، وأن تعطيل هذا المدخل يضرب العمود الفقري لأي محاولة تنموية.

 تجريب المجرب:

التجارب الدولية تقدم دليلاً واضحاً على أن هذا النوع من السياسات لا يؤدي إلى استقرار اقتصادي، بل إلى نتائج عكسية حادة. ففي دولة زيمبابوي، أدت القيود الصارمة على الاستيراد إلى نقص حاد في السلع الأساسية، وتوسع السوق السوداء، وانفلات معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، إذ وصل التضخم إلى مستويات فوق 500 مليار بالمائة في ذروته وفقاً لبيانات البنك الدولي.

أما في دولة نيجيريا، رغم فرض قيود على الاستيراد والعملات الأجنبية، لم يتحسن الإنتاج المحلي، بل ارتفعت الأسعار بشكل كبير وازدهر التهريب بشكل واسع، وتجاوز سعر الصرف في السوق الموازي ثلاثة أضعاف السعر الرسمي.

أما بعيدا عن أفريقيا ففي دولة فنزويلا، فقد أدت سياسات الحظر واستبدال الواردات دون قاعدة إنتاجية حقيقية إلى انهيار الأسواق الرسمية، واختفاء سلع أساسية من السوق، وتوسع اقتصاد الظل بشكل كامل.

القاسم المشترك بين هذه التجارب واضح وصريح، حين تُفرض قيود على الاستيراد في اقتصاد ضعيف الإنتاج، تكون النتيجة نقصاً في السلع وليس إصلاحاً اقتصادياً، وهذا ما تؤكده أبحاث البنك الدولي التي تُحذر من أن القيود التجارية في غياب المرونة الإنتاجية تؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 5% و12% في الحالات المماثلة.

تضارب القرارات:

أكثر ما يكشف عشوائية قرار حظر استيراد بعض السلع هو ما حدث لاحقاً من تراجع جزئي عبر وزارة الصناعة والتجارة، إذ تم حذف 12 سلعة من قائمة الحظر، لينخفض العدد من 46 إلى 34 سلعة فقط، وهذه الخطوة لا يمكن تقديمها باعتبارها “تطويرًا للقرار”، بل تعكس بشكل مباشر حالة من التخبط المؤسسي والتناقض داخل دوائر صنع القرار.

كيف يصدر قرار اقتصادي بهذا الحجم ثم يتم تعديل قائمة أساسية فيه خلال فترة زمنية قصيرة؟ الأخطر من ذلك أن هذا التعديل يفتح سؤالًا بالغ الحساسية: هل تم أصلًا التنسيق بين وزارة الصناعة ورئاسة الوزراء قبل إصدار القرار؟ إن هذا النوع من التباين لا يشير إلى مرونة سياسية، بل إلى غياب واضح للمنهج العلمي في صناعة القرار الاقتصادي، وتحول السياسات العامة إلى ردود أفعال متتابعة بدلاً من أن تكون خطة مدروسة مسبقاً.

من منظور علوم السياسات العامة، فإن أي قرار اقتصادي يُعدّل خلال أقل من أسبوعين يعتبر دليلاً قاطعاً على غياب “دراسات الأثر التنظيمي” (Regulatory Impact Assessment) وهو ما يعادل إطلاق رصاصة في غرفة مظلمة دون معرفة الجدران.

 السوق .. هل تستطيع اخضاعه بالقرارات؟

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إلغاء الطلب بقرار إداري، فحين يتم حظر سلع أساسية أو شبه أساسية، فإن السوق لا يتوقف، بل يعيد إنتاج نفسه عبر قنوات موازية.

وأشار تقرير رويترز حول القرار إلى انتقادات حادة من اتحاد المستوردين، حيث وصف القرار بأنه “معيب وضار وغير مدروس”، محذراً من أنه سيخلق ظروفاً احتكارية لفئة محدودة من التجار، والواقع أن الأدبيات الاقتصادية توثق بوضوح أن أربعة من كل خمسة دول طبقت حظراً واسعاً على الاستيراد في ظروف ضعف إنتاجي، شهدت تضخماً في هوامش الربح الاحتكارية بنسبة لا تقل عن 40% خلال ستة أشهر من التطبيق، وهذا ما سينعكس مباشرة على جيوب السودانيين.

 المواطن الضحية المباشرة:

في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح نحو 14 مليون شخص، فإن أي اضطراب في سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، ومع تزايد الطلب الناتج عن عودة السكان إلى مناطق أكثر استقراراً، يصبح تقليص العرض عبر الحظر عاملاً مباشراً في رفع الأسعار.

كما أن إدخال الأعلاف ومدخلات الإنتاج ضمن القيود يهدد سلاسل الغذاء بالكامل، ما يعني أن الأزمة لن تبقى في نطاق السلع المستوردة فقط، بل ستصل إلى الغذاء المحلي ذاته، وبالتالي فإن الفرد السوداني العادي سيدفع الثمن مرتين، مرة عبر أسعار غذاء مرتفعة، ومرة عبر فقدان فرص العمل في القطاعات التي تعتمد على تلك المدخلات المحظورة.

وأشارت تقديرات أولية غير رسمية إلى أن القطاع الخاص السوداني ربما يفقد ما بين 15 إلى 20% من طاقتة الإنتاجية المتبقية خلال ثلاثة أشهر من تطبيق الحظر، وهذا ليس تدهوراً، بل انتحار اقتصادي بطيئاً.

وهم السيطرة على سعر الصرف

رغم أن الهدف المعلن هو وقف تدهور قيمة الجنيه السوداني، فإن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الأسباب الجذرية لانهياره لا تزال قائمة، وعلى رأسها ضعف وشح الإنتاج المحلي واستمرار العجز التجاري وتهريب الذهب وغياب الاستقرار السياسي.

وأكد صندوق النقد الدولي International Monetary Fund بوضوح أن استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه عبر الإجراءات الإدارية وحدها، بل يتطلب إصلاحات اقتصادية هيكلية شاملة، تشمل دعم الإنتاج المحلي، ومكافحة التهريب، وبناء احتياطيات نقد أجنبي حقيقية، وليس مجرد قطع الاستيراد بقرار من مكتب رئيس الوزراء.

وبالتالي، فإن الاعتماد على قرارات الحظر كأداة وحيدة هو اختزال خطير لمشكلة معقدة للغاية، وهو ما يذكّرنا بتجارب دول مثل السودان نفسه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إذ أدت سياسات الاستبدال العشوائية للواردات – دون قاعدة تصنيعية – إلى دمار اقتصادي دام عقودًا.

إن ما يجري في السودان اليوم لا يمكن وصفه بأنه مجرد خطأ في تقدير السياسات الاقتصادية، بل هو أقرب إلى نمط إدارة ارتجالية للأزمة الاقتصادية دون رؤية منهجية واضحة.

What do you feel about this?