80 منظمة تحاصر الإفلات من العقاب .. ضغوط دولية لتمديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق في السودان لعامين

1
human right

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتصاعد الضغوط الحقوقية لمنع الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين من السقوط في دائرة النسيان والإفلات من العقاب. وفي تحرك دولي جديد، طالبت 80 منظمة حقوقية سودانية وأفريقية ودولية بتمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق لعامين إضافيين، وتعزيز مواردها للتحقيق في الجرائم وحفظ الأدلة وتحديد المسؤولين عنها، تمهيداً لملاحقتهم وتحقيق العدالة للضحايا والناجين.

تقرير – بلو نيوز

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتصاعد الضغوط الحقوقية لتعزيز التحقيق في الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاعها، وسط اتهامات لأطراف النزاع بارتكاب جرائم ضد المدنيين وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وفي أحدث تحرك، طالبت 80 منظمة سودانية وأفريقية ودولية بتمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق لعامين، وضمان الموارد اللازمة لمواصلة التحقيق وحفظ الأدلة ودعم مسارات المحاسبة.

التحقيق والمساءلة

أكدت المنظمات، في بيان صدر قبيل انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في سبتمبر، أن استمرار ولاية البعثة يمثل ضرورة ملحة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجمع الأدلة وحفظها وتحليلها، وتحديد المسؤولين عن الجرائم تمهيداً لمحاسبتهم.

وحذرت من أن إنهاء مهمة البعثة بينما لا تزال الحرب والانتهاكات مستمرتين سيخلّف فجوة خطيرة في جهود التوثيق والمساءلة، خصوصاً في ظل تعذر الوصول إلى عدد من مناطق القتال، واتساع رقعة الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون.

وترى المنظمات أن استمرار البعثة لا يرتبط فقط بمتابعة التطورات الراهنة، وإنما بالحيلولة دون ضياع الأدلة والشهادات التي قد تكون ضرورية أمام مسارات العدالة الوطنية والدولية مستقبلاً.

الأبيض تحت المجهر

طالب البيان مجلس حقوق الإنسان بتوجيه البعثة إلى إعداد تقرير عاجل عن الانتهاكات المرتكبة في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها، بالتزامن مع تعزيز قدراتها الفنية والميدانية على التحقيق والتوثيق.

ودعت المنظمات كذلك إلى توسيع نطاق التحقيقات ليشمل أدوار الفاعلين الخارجيين في النزاع، في إشارة إلى التدخلات وأشكال الدعم التي تتلقاها أطراف الحرب من خارج السودان، وما قد ينشأ عنها من مسؤوليات قانونية مرتبطة باستمرار القتال والانتهاكات.

كما طالبت بإحالة تقارير بعثة تقصي الحقائق إلى مجلس الأمن الدولي، بما يتيح التعامل مع نتائج التحقيقات ضمن أطر دولية أوسع للمساءلة وحماية المدنيين، ويمنح ما تجمعه البعثة من معلومات وأدلة وزناً أكبر داخل المؤسسات الأممية.

حرب تخلّف أزمة إنسانية هائلة

يأتي التحرك الحقوقي في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع استمرار القتال، واتساع نطاق النزوح، وانهيار الخدمات الأساسية، وتفاقم احتياجات ملايين المدنيين إلى الغذاء والدواء والحماية.

وبحسب البيان، أسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 14 مليون شخص، بالتزامن مع تواتر التقارير عن استهداف المدنيين، والعنف الجنسي، وغيرها من الانتهاكات واسعة النطاق.

وأشار البيان أيضاً إلى اتهامات بارتكاب جرائم قد ترقى إلى الإبادة الجماعية في دارفور وكردفان، وهي اتهامات تستوجب، بحسب المنظمات، تحقيقات مستقلة وموثوقة تحدد طبيعة الجرائم والجهات المسؤولة عنها، وتضمن عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.

وتكشف هذه المعطيات عن اتساع الفجوة بين حجم الانتهاكات وقدرة آليات العدالة القائمة على التعامل معها، في ظل استمرار الحرب وغياب تحقيقات وطنية مستقلة وفعالة تغطي جميع المناطق والأطراف المتورطة.

لماذا تتمسك المنظمات بالبعثة؟

ترى المنظمات الموقعة أن مهمة بعثة تقصي الحقائق لا تقتصر على إصدار تقارير دورية، وإنما تمتد إلى جمع الأدلة وصونها وتحليلها، بما يتيح الاستفادة منها في عمليات المحاسبة وتحقيق العدالة.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة خلال النزاعات المسلحة، إذ إن توثيق الانتهاكات أثناء وقوعها يساعد على حماية الأدلة من التلف أو الإخفاء، ويتيح بناء ملفات قانونية ضد المسؤولين عنها، سواء أمام القضاء السوداني أو الآليات القضائية الدولية ذات الصلة.

كما يمثل استمرار البعثة، وفقاً للمنظمات، رسالة إلى الضحايا والناجين بأن معاناتهم لم تُنسَ، وأن الجرائم المرتكبة بحقهم لن تُطوى بانتهاء الحرب أو بمرور الزمن.

وأكد البيان أن عمل بعثة تقصي الحقائق يتكامل مع الجهود التي يضطلع بها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ولا ينبغي النظر إليه بوصفه بديلاً عن الآليات الأممية الأخرى، بل جزءاً من منظومة دولية أوسع للتوثيق والحماية والمساءلة.

اختبار جديد لمجلس حقوق الإنسان

تضع المطالبة بتمديد ولاية البعثة لعامين مجلس حقوق الإنسان أمام اختبار جديد بشأن مدى استعداده للحفاظ على آلية دولية مستقلة للتحقيق في جرائم السودان، في وقت لا تزال فيه الحرب والانتهاكات مستمرتين وتتراجع فيهما فرص الوصول إلى العدالة داخل البلاد.

فالتمديد، وفقاً للمنظمات، لن يكون مجرد إجراء إداري، بل خطوة ضرورية لضمان استمرار جمع الأدلة وتوثيق الجرائم، ومنع ضياع المعلومات والشهادات المرتبطة بالانتهاكات مع مرور الوقت، وتعزيز فرص ملاحقة المسؤولين عنها.

وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تظل العدالة والمساءلة وحماية المدنيين ركائز أساسية لأي مسار جاد لإنهاء الحرب وبناء السلام. ويبقى مجلس حقوق الإنسان أمام سؤال يتجاوز تجديد ولاية البعثة: هل يكتفي المجتمع الدولي بتوثيق الجرائم، أم يحوّل الأدلة المتراكمة إلى إجراءات فاعلة تلاحق مرتكبيها وتكسر دائرة الإفلات من العقاب؟

What do you feel about this?