أماني وداعة: «وينو الكيماوي؟» حين تصبح السخرية محاولة للهروب من جريمة خطيرة
أماني وداعة
«وينو الكيماوي؟».. هكذا اختار بعض الصحفيين والإعلاميين المؤيدين للجيش أن يتعاملوا مع قضية من أخطر القضايا التي أثيرت خلال الحرب السودانية. ظهر بعضهم في صور ومقاطع فيديو وهم يتجولون في شوارع الخرطوم ويسألون بسخرية: «وينو الكيماوي؟»، وكأن السلاح الكيميائي شيء يجب أن يبقى في الشارع حتى يأتي الصحفي ويشاهده بعينه، وإلا فإن القضية كلها تصبح كذبة.
ربما تبدو العبارة مضحكة لمن يرددها، لكنها في الحقيقة تكشف طريقة غريبة جداً في التعامل مع قضية بهذا الحجم.
فالحديث عن استخدام أسلحة كيميائية ليس حديثاً عن آثار معركة عادية يمكن للصحفي أن يذهب إلى مكانها ويصورها ثم يقول للناس: وجدتها أو لم أجدها. نحن نتحدث عن اتهام باستخدام سلاح محظور، وعن قضية تحتاج إلى تحقيق وفحوصات وأدلة وخبراء، وليس إلى جولة في شوارع الخرطوم وهاتف محمول وسؤال ساخر.
وهنا تكمن المشكلة في عبارة «وينو الكيماوي؟».
فهي لا تقدم دليلاً ينفي استخدامه، ولا تجيب عن الاتهامات المثارة، وإنما تحاول تبسيط قضية شديدة الخطورة وتحويلها إلى مادة للسخرية. والأسوأ أن بعض من يرددونها يقدمون أنفسهم باعتبارهم صحفيين، بينما يتصرفون في هذه القضية كأنهم جزء من فريق دفاع عن الجيش.
والصحفي، في رأيي، لا يفترض أن تكون مهمته إثبات براءة الجيش أو إدانة خصومه. مهمته أن يسأل عن الأدلة، وأن يبحث في الوقائع، وأن يطالب بالتحقيق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات يمكن أن تمس حياة المدنيين وترتبط بجرائم خطيرة.
فإذا كانت هناك تقارير وأدلة موثوقة توصلت إلى استخدام أسلحة كيميائية، فإن الرد عليها لا يكون بالسخرية، وإنما بمناقشة هذه الأدلة ومصادرها ومنهجية الوصول إليها. وإذا كانت هناك اعتراضات عليها، فيجب تقديم أدلة مضادة أو المطالبة بتحقيق مستقل يستطيع الوصول إلى الحقيقة.
أما أن يتجول صحفي في شارع بالخرطوم ثم يسأل «وينو الكيماوي؟»، فماذا أثبت بذلك؟
هل أجرى فحوصات؟ هل جمع عينات؟ هل يمتلك مختبراً؟ هل اطلع على الملفات الطبية؟ هل تحدث إلى خبراء؟ هل وصل إلى المواقع والأوقات المحددة التي تتعلق بها الاتهامات؟
إذا لم يفعل شيئاً من ذلك، فإن وجوده في الشارع لا يثبت شيئاً، والسخرية لا تصبح دليلاً مهما تكرر الفيديو أو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذا هو الجانب الذي يستحق أن نتوقف عنده، لأن المشكلة لم تعد فقط في الموقف من قضية الأسلحة الكيميائية، وإنما في الطريقة التي يفهم بها بعض الصحفيين دورهم أثناء الحرب. هناك فرق كبير بين الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة، والصحفي الذي يبدأ من موقف سياسي ثم يبحث عن أي شيء يساعده على الدفاع عنه.
وعندما يصبح الدفاع عن الجيش هو نقطة البداية، تصبح كل معلومة ضده موضع سخرية، وكل اتهام يحتاج إلى ألف دليل، بينما قد تُقبل الاتهامات الموجهة إلى الطرف الآخر بسهولة أكبر. وهنا تفقد الصحافة أهم شيء تملكه: معياراً واحداً للحقيقة.
قضية الأسلحة الكيميائية أكبر من الجيش وخصومه، وأكبر من النقاش السياسي نفسه. فإذا ثبت استخدامها، فنحن أمام أمر بالغ الخطورة لا يجوز التعامل معه باعتباره مادة للمناكفات بين أنصار أطراف الحرب. والضحايا المحتملون لهذه الأسلحة ليسوا جزءاً من مباراة سياسية حتى نحتفل بفوز رواية على أخرى.
لهذا كان الأولى بمن خرجوا يسألون «وينو الكيماوي؟» أن يسألوا أسئلة مختلفة: ما الأدلة الموجودة؟ ماذا تقول التقارير؟ هل توجد عينات أو شهادات أو نتائج فحوصات؟ وهل يمكن إجراء تحقيق مستقل وشفاف يستطيع الوصول إلى المواقع المعنية وتحديد ما حدث؟
أما «وينو الكيماوي؟» فهي ليست تحقيقاً ولا دليلاً ولا رداً علمياً. إنها في أحسن الأحوال سخرية، وفي أسوأ الأحوال محاولة إعلامية لتبسيط اتهام خطير والدفاع عن طرف في الحرب قبل أن تقوم الصحافة بواجبها في البحث والتحقق.
والأغرب أن السؤال نفسه يفترض أن السلاح الكيميائي يجب أن يكون شيئاً يراه الصحفي أثناء سيره في الشارع. ولو كانت القضايا بهذا القدر من البساطة، لما احتاج العالم إلى مختبرات وخبراء وتحقيقات متخصصة لإثبات استخدام الأسلحة المحظورة.
لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس «وينو الكيماوي؟».
السؤال هو: وينو التحقيق؟ وين الأدلة؟ ومن يملك الشجاعة لأن يضع انحيازه السياسي جانباً ويبحث عما حدث فعلاً؟
وإذا كانت الأدلة الموثوقة قد أثبتت استخدام أسلحة كيميائية، فإن واجب الصحافة ليس السخرية منها أو محاولة دفنها تحت الشعارات، وإنما وضعها أمام الناس والمطالبة بالتحقيق والمحاسبة. وإذا بقيت جوانب تحتاج إلى إثبات إضافي، فواجبها أيضاً أن تقول ذلك بوضوح.
لأن جريمة بهذا الحجم لا تختفي بفيديو في أحد شوارع الخرطوم، ولا يسقطها سؤال ساخر، ولا تتحول إلى كذبة لأن صحفياً وقف أمام الكاميرا وقال: «وينو الكيماوي؟».
الحقيقة تحتاج إلى دليل، والجريمة تحتاج إلى تحقيق، والضحايا يحتاجون إلى عدالة.
أما الصحافة، فتحتاج قبل كل ذلك إلى أن تتذكر أنها ليست مكتب دفاع عن أي جيش أو أي طرف في الحرب.
