صباح محمد الحسن “أطياف”: خارج المجلس!!

4
sabah

صباح محمد الحسن  

طيف أول:

كل رغبة ركضت نحو بئر الأمنيات

عادت عطشى،

وكأنه لم يُخلق للأحلام دلو.

فمن يخبر المارة

أننا لم نعبأ بهم،

لأننا خرجنا من مواجعنا فرادى

نحو المطر.

 

وبالأمس مدّد مجلس الأمن الدولي، وبإجماع أعضائه الخمسة عشر، نظام حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور لمدة شهر واحد، في خطوة فنية قصيرة تعكس تعذّر التوصل إلى توافق داخل المجلس بشأن مستقبل نظام الجزاءات، كما يشمل حظر السلاح وتدابير تجميد الأصول وحظر السفر المرتبطة بنظام العقوبات الخاص بإقليم دارفور.

ولا تستخدم دولة تعبير “التواطؤ” إلا عندما تريد رفع سقف الضغط وعزل المعارضين لها سياسيًا داخل مجلس الأمن، وتهيئة الرأي الدولي لخطوة خارج المجلس.

فحديث مسعد بولس كشف عن الاتجاه الذي تخطّط أمريكا السير فيه؛ فتصريحاته بأن أي عضو يفكر في معارضة توسيع حظر الأسلحة يُخاطر بالتواطؤ مع من يُدمّرون السودان هي أقوى إشارة حتى الآن على أن واشنطن مصمّمة على توسيع الحظر، وأنها تلوّح بالفعل بالتحرر من قيود مجلس الأمن. وقوله إن أي عضو يفكر في معارضة توسيع حظر السلاح هو حديث مباشر لروسيا، فهذه ليست لغة تفاوض، لكنها تبدو لغة إنذار.

وهذا يكشف أن المهم بالنسبة لأمريكا ليس استخدام روسيا لحق الفيتو أو معارضة قرار التوسيع؛ فهي على علم بأن روسيا ستعترض، ولكن الأهم أن واشنطن بقولها إن التقاعس يعني المزيد من المعاناة والموت تريد أن تربط الفيتو الروسي باستمرار الجرائم والانتهاكات.

وهذا الربط لا شكّ أنه يسمح لواشنطن أن تقول لاحقًا إن روسيا تمنع حماية المدنيين، ولذلك ستقوم هي بذلك خارج المجلس، وهذا هو جوهر الخيار البديل.

فبولس يقول بشكل غير مباشر إنه إذا استخدمت روسيا الفيتو فستعتبرها واشنطن شريكًا في تدمير السودان. وهذه ليست مجرد رسالة دبلوماسية، بل تجهيز مبرّر سياسي للتحرك خارج المجلس.

ويبدو أن واشنطن تريد تغيير قواعد اللعبة داخل مجلس الأمن؛ فالحديث الواضح الذي أدلى به المستشار بأنهم يدعون المجلس للتفاوض بحسن نية على توسيع نطاق الحظر بما يتناسب مع واقع النزاع يعني أن واشنطن تصمّم على ضرورة فرض حظر سلاح شامل على كل السودان، مع إدراج جرائم جديدة مثل العنف الجنسي والخطف والهجمات على الإغاثة. لكنها في الوقت ذاته حاولت أن تُظهر أن المجلس يعطّل الحل الدولي، وهذه رسالة مهمة جدًا في الدبلوماسية.

فبولس قال إن التمديد التقني طويل الأجل ليس خيارًا مطروحًا، أي أن واشنطن ترى أن المجلس أصبح عاجزًا، وأن التمديد السنوي التقليدي للعقوبات لم يعد مقبولًا، وأن النظام الحالي للعقوبات أصبح ميتًا سياسيًا ولا يخدم المصالح الأمريكية. وهذه أول مرة تقول فيها واشنطن هذا الكلام بهذا الوضوح، ما يعني أنها لن تقبل أن يبقى السودان تحت نظام العقوبات القديم لعام كامل.

لكن هذه اللغة غير الدبلوماسية تُخرجنا من أروقة مجلس الأمن لتعيدنا إلى قضية الكيماوي، وتؤكد أن تسريب واشنطن الأدلة المتعلقة بالكيماوي للصحافة لم يتم صدفة، وليس لأن الصحافة الأمريكية بارعة في التحقيقات، وأن أدلة الكيماوي مجرد” خبطة صحفية” ؛ فهذا حديث ضعيف.

فواشنطن سارعت بتسريب الأدلة لتستبق هذه الجلسة لأنها تعرف أن روسيا ستستخدم الفيتو ضد أي توسع للعقوبات وحظر السلاح، وأن مجلس الأمن أصبح مشلولًا، وأن حظر السلاح الشامل ربما لا يمر داخل المجلس، وأن النظام الحالي للعقوبات لم يعد مناسبًا للحرب الحالية.

إذن، ما الذي تحتاجه واشنطن؟

مبرّر قوي يسمح لها بالتحرك خارج المجلس دون أن تبدو وكأنها تتجاوز الشرعية الدولية.

والأدلة على استخدام السلاح الكيماوي هي أقوى مبرّر دولي يمكن أن تستند إليه، لأن استخدام السلاح الكيماوي جريمة حرب ضد الإنسانية ومحظور دوليًا بموجب اتفاقية CWC، ويفتح الباب لتدخل دولي دون الحاجة لقرار من مجلس الأمن، ويعطي واشنطن حقًا قانونيًا للتحرك منفردة أو مع تحالف دولي صغير.

لذلك قلنا إن المهم في جلسة الأمن ليس أن توافق روسيا أو تستخدم حق الفيتو؛ فأمريكا استخدمت هذه الجلسة طُعمًا، وروسيا ابتلعته، لأنها عندما تعارض توسيع الحظر فهي تتواطأ، ..مع من؟

مع من يستخدم الكيماوي.

وهذا يعطي واشنطن غطاءً أخلاقيًا للتحرك خارج المجلس، فأوروبا وكندا وبريطانيا واليابان وأستراليا إذا اجتمعت معها على فرض حظر سلاح شامل فلا حاجة لأمريكا لمجلس الأمن.

لذلك فإن الكيماوي هو الذريعة القانونية التي ستستند إليها واشنطن لتبرير خطواتها خارج المجلس، فهذه هي الشرعية البديلة التي تبنيها واشنطن الآن ومن داخل مجلس الأمن.

 

طيف أخير:

لا للحرب.

ويبدو أن فشل البرهان في جمع القوى السياسية للحوار السوداني حاول أن يعوّضه  بجمع  الإعلاميين الموالين،

لكن ليست المحنة في أن تضيع ملامح الحوار وشكل الحضور؛

المحنة الحقيقية أن تتحول القضية الوطنية إلى قضايا شخصية.

(ما كنت في البيدروم وأنا أقرأ للصحفيين بنفسي ،وبابكر فيصل قال.

فبدلًا من سؤال: أين الكيماوي؟

اسألوه: أين الحوار.

What do you feel about this?