نفيسة حجر: “الشلانقي ما خلا عميان” .. لمن يسأل: أين الكيماوي؟
نفيسة حجر
في الثقافة الدارفورية والكردفانية يقول المثل: “الشلانقي ما خلا عميان”.
يُضرب هذا المثل للدلالة على أن الحقيقة قد انجلت، فالشلانقي هو الطبيب التقليدي الذي يزيل الغشاوة أو المياه البيضاء عن العيون، وبعد إزالة ما بها باتت الرؤية واضحة ومكشوفة للجميع بحيث لم يعد هناك مجال أو فرصة لمن يحاولون تغبيش الوعي أو إعادة الناس إلى العمى.
فقد انطلقت حملات إعلامية كيزانية في شوارع الخرطوم، تقف أمام الكاميرات، وتردد سؤالًا واحدًا وهو “أين الكيماوي؟” وكأنها خرجت في رحلة للبحث عن شيء مفقود، لا للتحقيق في جريمة موثقة.
الأسلحة الكيميائية لا يُبحث عنها بهذه الطريقة السطحية في الشوارع وأمام الكاميرات بل تُكشف بدخول اللجان الفنية المتخصصة وباستخدام تقنيات التحليل المخبري الدقيق لعينات التربة والمياه، إلى جانب دراسة الأعراض التنفسية والجلدية التي يعاني منها الضحايا، مثل ضيق التنفس الحاد وحرقة العينين والحلق.
ولو أن هؤلاء توقفوا قليلًا وأنصتوا، لسمعوا ما قاله شهود عيان في تحقيق استند إلى شهادات ثمانية سودانيين. أحدهم كان حاضرًا في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، ووصف كيف حلقت طائرة عسكرية فوق المنطقة، ثم سقطت أجسام على شكل براميل لم تشبه ارتطاماتها أي هجوم تقليدي بالمتفجرات. قال إن رائحة غريبة انتشرت في الهواء، وإن نحو عشرين عاملًا أصيبوا بضيق حاد في التنفس. هؤلاء لا يتحدثون عن تقارير قرأوها، بل عن لحظة عاشوها. ولا يمكن لسؤال يُطرح أمام كاميرا في شارع أن يمحو ما رأته عيونهم وما اختنقت به صدورهم.
وهنا لا تقتصر الإشكالية على محاولة نفي جريمة بهذا الحجم، بل تتضاعف حين ندرك أن هؤلاء لا يتحدثون في الفراغ بل يحاولون تحديدًا تكذيب التقارير التي صدرت مؤخرًا حول استخدام الأسلحة الكيماوية.
تقارير نشرتها صحف كبرى مثل “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” في سبتمبر 2026، استندت إلى أكثر من 150 وثيقة مسربة، وتسجيلات صوتية، وآلاف الرسائل النصية من هواتف ضباط سودانيين كبار.
وتكشف هذه الوثائق عن برنامج سري بدأ في يوليو 2024 لتحويل الكلور إلى سلاح، واختبارات نُفذت من طائرة عسكرية قرب مروي وُصفت نتائجها بأنها “ناجحة 100%”. كما تشير إلى إنتاج ما يقارب 290 ذخيرة كيميائية معظمها مخزّن في قاعدة مروي الجوية وإلى قنابل تحتوي على 15 كجم من غاز الكلور و20 كجم من المتفجرات، مصممة خصيصًا “لإخفاء أي دليل على استخدام المواد الكيميائية”.
والأخطر من ذلك أن رسائل صوتية ونصية واردة في هذه الوثائق تشير إلى اتصال مباشر مع القيادة العليا، مما يدل على علمها بالبرنامج. وقد قيّم أكثر من 24 من مسؤولي المخابرات وخبراء الأسلحة الكيميائية هذه الأدلة بأنها “موثوقة للغاية”.
ويكتسب هذا المشهد خطورة مضاعفة حين نربط هذه التطورات بتصريح موثق للفريق أول ياسر العطا، رئيس هيئة الأركان الحالي. ففي خطاب له بمدينة أم درمان في 14 يوليو 2023، أي بعد مائة يوم فقط من اندلاع الحرب، قال العطا مخاطبًا قواته: “لدينا معارك مهمة خلال الفترة المقبلة، وسوف نستخدم القوة المميتة والخفية لحسم المعركة، وذلك بالقدر الذي يسمح به القائد العام”. وقتها لم يجد المراقبون تفسيرًا لهذا المصطلح الغامض سوى الأسلحة المحرمة دوليًا.
واليوم، وبعد ظهور الوثائق المسربة، يبدو أن “القوة الخفية” لم تكن مجرد كلمة فضفاضة، بل ارتبطت فعليًا بغاز الكلور وقنابل مصممة خصيصًا لإخفاء الأدلة. وهذا التقاطع بين الخطاب الرسمي الموثق والوثائق المسربة يكشف كيف يتم اللجوء إلى مصطلحات مطاطة بينما تتكفل الأدلة الفنية بكشف الحقيقة على الأرض.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت كل هذه الأدلة موجودة ( شهادات الشهود، والوثائق المسربة، والتصريحات الرسمية ) فلماذا لا يزال النقاش يدور حول “أين الكيماوي؟” بدلًا من أن يدور حول “لماذا لا تُفتح الأبواب للجان التحقيق؟”
فالموقف السليم من أي جريمة بهذا الحجم ليس النفي ولا الإثبات، بل الدعوة إلى دخول لجان تقصي الحقائق المستقلة.
فإن ثبت عدم استخدام أسلحة كيميائية فذلك خير وبركة ونكون قد حافظنا على سمعة البلاد وأرواح أبنائها من اتهام ظالم.
وإن ثبت العكس، فمن الأفضل أن نتحرك بسرعة لحماية ما تبقى من شعبنا من آثار هذه الأسلحة، قبل أن تلتهم المزيد من الأرواح وتترك أجيالًا تعاني من أمراض لا دواء لها. إن المطالبة بالتحقيق ليست اتهامًا بل هي أقل ما يمكن تقديمه لضحايا يبحثون عن الحقيقة وشعب يستحق أن يعيش بلا خوف من سلاح لا يُرى ولا يُسمع، لكنه يقتل ببطء.
فلماذا تتمنع حكومة بورتسودان وترفض دخول لجان التحقيق؟ إن الإجابة تكشف الوجه الحقيقي لكل محاولات التهرب والإنكار؛ فرفض استقبال لجان التحقيق المستقلة أو السماح لها بالوصول إلى مسارح الأحداث لا يعبر عن ثقة بالبراءة، بل يعكس خشية حقيقية من افتضاح أدلة دامغة تؤكد ارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فالطرف الذي يملك سجلًا نظيفًا أو يثق بعدم تورط مؤسساته يسارع عادةً إلى فتح الأبواب والترحيب باللجان الأممية لإثبات الحقيقة وقطع الطريق أمام أي اتهامات، أما التمنع والرفض المنهجي فيؤكدان أن استراتيجية التغطية والتضليل الإعلامي هي خط الدفاع الأول والأخير لطمس الحقائق.
إنهم لا يقولون لا نعرف بل يقولون لا يوجد وكأنهم يملكون من العلم والخبرة ما سيضحض كل هذه الوثائق والاعترافات .
وهذا الأسلوب في التضليل ليس وليد اللحظة بل هو طريقة متكررة في حروب سابقة شهدتها البوسنة وسوريا والعراق، حيث جرى تحويل الأدلة المادية إلى مجرد إشاعات لمجرد أنها لا تُرى بالعين المجردة في جولة عابرة.
والتكرار لا يمنح هذا الخطاب شرعية بل يفضح ضعفه.
وفي مقابل ذلك فإن حقيقة ما يجري قد تبدت للعيان تمامًا فقد انفتح الوعي وبات بصر الناس بالحقائق أقوى من أي محاولة لإعادة الغشاوة إلى العيون .
والأكثر إيلامًا أن هذا الخطاب لا يستهين بعقول المواطنين فحسب بل يرتكب ظلمًا مضاعفًا ضد كل من يتحدث أو ينقل التقارير التي توثق هذه الجرائم.
فعندما يرتفع صوت يحذر أو يتناول ما نشرته التقارير الدولية حول استخدام الأسلحة المحرمة تُقابل محاولات نقل الحقيقة بسخرية واستخفا، وكأن المطلوب هو صمت الجميع.
كان حريًا بمن يحاولون تجميل الواقع وتضليل الرأي العام أن يوجهوا رسائلهم ومطالباتهم إلى سلطة الأمر الواقع وأن يدفعوها نحو فتح الأبواب والتعاون الكامل مع لجان التحقيق الدولية والمستقلة لتظهر الحقيقة بدلًا من الترويج لدعاية فارغة لا تعدو كونها استخفافًا بمعاناة شعب يبحث عن الحقيقة والعدالة لا عن مسرحيات هابطة تضاعف جراحه وتستهين بذاكرته وألمه.
وهكذا يبقى سؤالهم الحائر دليل عجز لا دليل براءة. لقد انجلت الغشاوة، وصدق المثل: “الشلانقي ما خلا عميان”. فلم يعد ممكنًا لأحد أن يغطي عين الشمس بإصبع، أو أن يحجب حقيقة ستشقّ طريقها مهما بلغت محاولات التضليل.
