عبدالرحمن حنين “شاهد عيان “: ساعات قبل التصويت.. الرياض تطرق باب موسكو بشدة.. ماذا يدور خلف الكواليس؟

3
hanin

عبدالرحمن حنين

في السياسة الخارجية، لا تحتاج الدول دائماً إلى إعلان أهدافها بصوت مرتفع ، أحياناً يكون التوقيت وحده كافياً لطرح الأسئلة، وتصبح حركة الدبلوماسية أكثر أهمية من البيانات الرسمية التي تصدر عنها،  وفي الملف السوداني تحديداً، تبدو زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى موسكو، قبل ساعات من جلسة مجلس الأمن المرتقبة للتصويت على مشروع القرار الأميركي بشأن توسيع حظر السلاح، واحدة من تلك التحركات التي يصعب النظر إليها باعتبارها مجرد زيارة ثنائية عادية.

فالرياض وموسكو أعلنتا أن مباحثاتهما تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التنسيق في المحافل الدولية، وهي أجندة واسعة بطبيعتها. لكن السودان يقف في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية المطروحة على مجلس الأمن حالياً، خصوصاً بعدما طرحت واشنطن مشروعاً لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع التأكيد على إدراج الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر.

وهنا تبدأ أهمية موسكو.

روسيا ليست دولة عادية في معادلة التصويت على القرار؛ فهي عضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض.

والأهم أن موقفها من المقترح الأميركي ليس مجهولاً، إذ أعلنت موسكو صراحة رفضها توسيع نظام العقوبات وحظر السلاح ليشمل كامل السودان، معتبرة أن توسيع الإجراءات القسرية قد يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت السعودية قد أقنعت روسيا بموقف جديد، وإنما ما إذا كانت الرياض تعمل على تثبيت الموقف الروسي ومنع تغييره تحت ضغط القوى الغربية.

هذه نقطة جوهرية.

فالتحرك السعودي، إذا قرئ في سياقه الزمني، يأتي بعد أيام قليلة من لقاء نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد في القاهرة، حيث ناقش الطرفان تطورات الوضع في السودان والجهود المبذولة بشأنه.

وبعد ذلك مباشرة تقريباً انتقل وزير الخارجية السعودي إلى موسكو للقاء سيرغي لافروف.

قد يكون هذا مجرد تتابع دبلوماسي طبيعي، وقد يكون جزءاً من اتصالات أوسع حول السودان. لكن في السياسة الدولية، لا يمكن تجاهل دلالة أن تتحرك الرياض مع الخرطوم أولاً، ثم تتحرك باتجاه موسكو في اللحظة التي يقترب فيها موعد التصويت على مشروع قرار قد تكون له تداعيات مباشرة على مسار الحرب وقدرات طرفيها العسكرية.

والأهم أن موسكو نفسها أعطت للتحرك السعودي بعداً سودانياً حين تحدثت عن تقارب المواقف بين البلدين إزاء عدد من الملفات، وفي مقدمتها القضايا الإقليمية والدولية. كما أن الموقف الروسي من السودان ظل يقوم بدرجة كبيرة على التشديد على سيادة البلاد ورفض فرض حلول أو ترتيبات خارجية عليها.

وهذا الموقف ليس جديداً.

في نوفمبر 2024، استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار بريطاني–سيراليوني بشأن السودان، رغم حصول المشروع على تأييد جميع أعضاء المجلس الآخرين. وكان القرار يدعو إلى وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وبررت موسكو موقفها آنذاك بالاعتراض على تدخلات خارجية في الشأن السوداني والتأكيد على دور الحكومة السودانية في قضايا السيادة والأمن.

اليوم، تبدو المسألة أكثر تعقيداً.

فالمشروع الأميركي الجديد لا يتعامل فقط مع وقف إطلاق النار أو الوصول الإنساني، وإنما يذهب إلى منطقة شديدة الحساسية: مصادر القوة العسكرية نفسها. وتقول المعطيات المتداولة إن واشنطن تريد توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كل السودان، إضافة إلى تأكيد شمول الطائرات المسيّرة والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها.

وهذا التطور يأتي في وقت أصبحت فيه المسيّرات جزءاً أساسياً من طبيعة الحرب السودانية.

فبعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة قالت مؤخراً إن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، يؤدي دوراً في استمرار الحرب، بينما أشارت تقارير حديثة إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا نتيجة هجمات المسيّرات خلال عام 2026. ودعت جهات أممية إلى تشديد الرقابة على تدفقات السلاح والشبكات التي توفره لأطراف النزاع.

وهنا تتقاطع الحسابات الدولية مع الحسابات الإقليمية.

فالولايات المتحدة تنظر إلى حظر السلاح باعتباره أداة للحد من قدرة أطراف الحرب على مواصلة القتال، بينما ترى موسكو وبكين أن توسيع العقوبات قد يتحول إلى وسيلة ضغط سياسي على الدولة السودانية، خصوصاً إذا شمل الإجراء كامل البلاد ولم يعد مقتصراً على دارفور.

أما السعودية، فتقف في موقع مختلف.

الرياض كانت طوال الأزمة السودانية من أكثر العواصم العربية انخراطاً في جهود الوساطة ظاهريا ، واحتضنت مع الولايات المتحدة مسار جدة، وفي الوقت ذاته حافظت على علاقات وثيقة مع مؤسسات سلطة بورتسودان . ولذلك فإن أي قرار دولي قد يغير ميزان القوة أو يفرض قيوداً جديدة على الخرطوم لا يمكن أن يكون بعيداً عن حساباتها الأمنية والسياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحرك السعودي باتجاه موسكو باعتباره محاولة لبناء مظلة دبلوماسية تحول دون تمرير القرار، أو على الأقل تمنع انتقاله من مجرد مشروع أميركي إلى قرار دولي نافذ.

لكن من الخطأ القفز من هذه المعطيات إلى نتيجة قطعية بأن الرياض طلبت من موسكو استخدام الفيتو.

لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تثبت ذلك.

الأكثر دقة هو القول إن هناك تقاطعاً واضحاً في المصالح والمواقف:

السعودية لديها مصلحة في تجنب خطوات دولية قد تزيد تعقيد المشهد السوداني أو تضيق هامش الحركة أمام حلفائها ،وهي التي ظلت تميل بشكل فاضح الى تحالف بورتسودان ، بل ودعمه بالسلاح وحين عجزت سلطة بورتسودان من القضاء على ندها اللدود  الدعم السريع شرعت في استقطاب بعض قادته الميدانيين امثال نور القبة والسافنا واخرين ، بينما   روسيا لديها موقف معلن ضد توسيع حظر السلاح على كامل السودان.

ومن ثم فإن الدبلوماسية السعودية قد تكون معنية بتثبيت هذا التقاطع وتحويله إلى موقف داخل مجلس الأمن.

لكن ثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله: الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يملك أوراق الضغط على موسكو.

فروسيا نفسها تتحرك في بيئة دولية شديدة التعقيد، وتربط مواقفها في الملفات الدولية بشبكة واسعة من المصالح الجيوسياسية والاقتصادية.

ولذلك فإن السؤال الذي سيحسمه تصويت مجلس الأمن ليس فقط: ماذا تريد الرياض؟ بل أيضاً: ماذا تريد موسكو في السودان، وما الثمن الذي يمكن أن تقبله أو ترفضه مقابل الحفاظ على موقفها؟

وهنا يصبح التصويت اختباراً حقيقياً.

إذا استخدمت روسيا الفيتو، فسيكون ذلك امتداداً لموقفها المعلن ضد توسيع حظر السلاح، لكنه في الوقت نفسه سيعزز الانطباع بأن تحرك الرياض في موسكو نجح في تثبيت جبهة رافضة للمشروع الأميركي.

أما إذا اختارت موسكو الامتناع عن التصويت، فسيكون ذلك مؤشراً على أن حسابات أخرى دخلت على الخط، وأن الضغوط الدولية نجحت في دفعها إلى موقف أكثر مرونة.

وفي الحالتين، لن يكون السودان مجرد بند في جدول أعمال مجلس الأمن.

إنه يتحول تدريجياً إلى ساحة اختبار للعلاقات بين القوى الكبرى، وللتنافس الإقليمي حول شكل الدولة السودانية ومستقبل الحرب، ولقدرة العواصم العربية على التأثير في القرارات الدولية المتعلقة بأمن المنطقة.

ولعل المفارقة الأكبر أن مشروع حظر السلاح يأتي في الوقت الذي تؤكد فيه التقارير الدولية نفسها أن الحرب السودانية أصبحت أكثر ارتباطاً بالشبكات الخارجية وتدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.

ولذلك فإن المعركة الدبلوماسية حول القرار لا تتعلق فقط بالعقوبات، بل بمن يملك حق تحديد أدوات الضغط على أطراف الحرب، ومن يملك حق رسم حدود التدخل الدولي في السودان.

من هنا، فإن زيارة فيصل بن فرحان إلى موسكو لا ينبغي قراءتها باعتبارها دليلاً قاطعاً على صفقة روسية–سعودية بشأن التصويت، لكنها بالتأكيد جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

وقد تكون الرسالة السعودية لموسكو بسيطة وواضحة: إذا كان السودان يمثل بالنسبة إليكم قضية سيادة ونفوذ ومصالح استراتيجية، فإن الرياض تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن ترجمة هذا الموقف داخل مجلس الأمن.

وغداً، عندما تبدأ جلسة التصويت، ستتضح الإجابة.

فإما أن تقف موسكو في طريق المشروع الأميركي باستخدام الفيتو، فتكون الرياض قد نجحت في تحصين الموقف الروسي، أو أن تتقدم الحسابات الدولية الأخرى خطوة إلى الأمام، ويصبح مشروع توسيع حظر السلاح اختباراً جديداً ليس للسودان وحده، وإنما لشبكة التحالفات والمصالح التي تحيط بالحرب منذ اندلاعها.

وفي #الحالتين، سيكون التصويت أكثر من مجرد قرار أممي ،إنه اختبار لمن يملك مفتاح الحرب والسلام في السودان ولكن الخلاصة هي ان تحالف السودان التأسيسي دون انتباهة من سلطة بورتسودان وضع قدما في” ميس ” السباق الدولي .

 

#لاللحرب ‎

What do you feel about this?