صفاء الفحل “عصب الشارع”: اعتراف حكومي متأخر..!
صفاء الفحل
وأخيراً استفاقت الحكومة العسكرية من (الصدمة) وكتبت مذكرة (سرية) غير معلنة للشعب السوداني للأمم المتحدة تحدثت فيها عن التقرير الصحفي الضجة باستخدامها أسلحة كيميائية خلال الحرب، نفت فيه إنتاج أو تخزين أو استخدام أسلحة كيميائية، وقالت إن كل مخزون الكلور في البلاد مخصص حصراً لتنقية المياه والاستخدامات الصناعية المدنية والطاقة، وأنها مستعدة لإثبات ذلك أمام أي جهة دولية مختصة.
والواضح في بيان الحكومة العسكرية أنه كتب في حالة من الفوضى، فخرج غير مترابط مع أحاديث سابقة، إذ قالت إنه قبل ظهور الاتهامات – وليس قبلها – بشأن وجود برنامج سوداني لإنتاج ذخائر كيميائية تم اتخاذ عدد من الإجراءات بالتعاون مع الولايات المتحدة، ولم يتم الإشارة إلى تكوين (لجنة داخلية) للفحص لم تصدر حتى اليوم نتائجها، ليقفز إلى أن تعهدت بتسليم الأدلة بكل هذه البساطة ولم تقم بذلك.
ويواصل البيان بأنهم وجهوا دعوة رسمية إلى الجانب (الأمريكي) لزيارة السودان والتحقق ميدانياً، مع تكوين فريق مشترك يضم خبراء أمريكيين مع (الجانب السوداني) للتحقيق الميداني المشترك في استخدام الأسلحة الكيميائية، وقد تناسى أو تجاهل تماماً هذا الحديثُ رفضَ تلك الحكومة المعلن دخولَ فريق من الطاقة الذرية تم تكوينه في تلك الفترة لزيارة السودان وإجراء مسوحات بعد ظهور أمراض وبائية وبعض الدلائل بتلوث العاصمة بالإشعاع الكيميائي؛ فإن افترض العسكر بأن ذاكرة الشعب السوداني (سمكية)، فإن للمجتمع الدولي ذاكرة حديدية.
أما عن اعتذار الحكومة الأمريكية مرتين عن تلبية دعوة لتكوين فريق مشترك، فقد كانت لا تحتاج أصلاً لذلك بعد أن امتلكت تماماً الدليل القاطع على استخدام تلك الأسلحة، وتعلم في ذات الوقت بأن تلك الدعوات للمراوغة ليس إلا.
أما أغرب ما ورد في ذلك الرد (الملتوي)؛ فالحديث بأنه جرى الاتفاق على عقد اجتماعات (تقنية) مشتركة بوساطة ومبادرة من دولة صديقة للطرفين – مع تجنب ذكر أن تلك الدولة هي (مصر) بوصفها طرفاً محايداً في هذه الادعاءات – على أن تُعقد في أراضيها، وهو ما وافق عليه الجانب السوداني وتم إرسال بيانات أعضاء الوفد، علماً بأنه من الطبيعي ألا يحضر الجانب الآخر الذي كان يعلم مسبقاً بأن هذا الحوار عبارة عن (تحصيل حاصل)، وهو بعيد عن موقع الحدث أصلاً.
وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات والاجتهاد في محو آثار الجريمة، قال البيان إن العسكرية تجدد استعدادها الكامل للتحقق من استخدامها أسلحة كيميائية بصورة موضوعية وشفافة، وتواصل دعوتها لفريق من الخبراء الأمريكيين لزيارة السودان أو فريق متخصص من أي منظمة دولية محايدة بعد تسليمها الأدلة لإجراء ما يلزم من فحوص وتحقيقات ميدانية مستقلة للتحقق في تلك الاتهامات.
والأمر لا يحتاج لتعليق منا، فمن الواضح أن نفي النفي إثبات، خاصة أن هناك منظمات حقوقية دولية بدأت في تحريك إجراءات جنائية في مواجهة الجيش السوداني نيابة عن بعض المتأثرين من هذه الأسلحة، وبعض الأسر التي يشك ذووها بأن وفاة بعض أفرادها كان نتاجاً لاستخدام تلك الأسلحة.. ولكن هل ستسمح الحكومة بإعادة تشريح تلك الجثث، أم أنها ستتراجع عن دعوتها دخول بعثة دولية؟ فالنفي من خلال البيانات وحده لا يكفي.
والثورة مستمرة.
والمحاسبة قادمة لا محالة.
والمجد والخلود أبداً لشهدائنا.
