صلاح شعيب:لماذا صمتت الخارجية والسفارة والبعثة عن الأدلة القوية حول الكيمـ ــاوي؟

1
salah

صلاح شعيب

إلى هذه اللحظة، لم يصدر عن وزارة خارجية بورتسودان، ولا عن سفارتها في واشنطن، ولا عن بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة، أي بيان رسمي ينفي – أو يؤكد أو حتى يعلق بجدية – على ما نشرته صحيفتا نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، قبل أيام قليلة مضت عن استخدام الجيش الكيمـ ـاوي في الحـ رب.

كانت هناك تغريدة يتيمة لمستشار البرهان أمجد فريد الذي وصف هذه التقارير بأنها “قوالة مرتدية ثوب المعلومات الاستخباراتية، ودليلها المزعوم عقارب ميتـــ ـة”. ولكن على كل حال ليست هذه لغة دبلوماسية يعتد بها أمام سيل جارف من الوثائق التي تحتاج تفنيداً، موضوعياً، ومدعماً، بجملة من الحقائق المعاكسة لما نشر. وهذا اعتقد أنه جهد فريق من خبراء تحتاج إليهم بورتسودان لإعداد رد يشفي غليل السودانيين – والعالم، على الأقل المشكك في الحبكة كما يقؤل إسلاميون.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: هل كانت اللجنة الوطنية التي عينها الفريق أول عبد الفتاح البرهان للنظر في الاتهامات الأميركية السابقة مجرد مسرحية شكلية لذر الرماد في عيون المجتمع الدولي؟ أتصور أن الأمر كذلك! فقد كُونت اللجنة ثم اجتمعت بشكل صوري لغش المجتمع الدولي بأن البرهان أخذ الموضوع مأخذ الجدية. وكان القرار السـ ريع للجنة أن المزاعم الأميركية “مجرد هراء”.

والحال هكذا، فإن الحصار الإعلامي الذي فرضته الصحيفتان الأميركيتان المرموقتان على سلطة بورتسودان يبدو قد أصاب الحكومة، وأركانها، بحالة عظيمة من الدوار. فهي عاجزة حتى الآن عن مخاطبة الرأي العام السوداني، والإقليمي، والدولي، بموقف واضح، سواء بوصف ما نُشر بأنه “شنشنة نعرفها من أخزم”، أو بأي رواية مضادة مدعومة بأدلة.

وإذا اختارت الجهات الرسمية التقليل من قيمة هذه التقارير الصحفية باعتبارها مغرضة، فماذا تقول عن تصريحات جديدة – متزامنة مع موضوع الكيمـ ــاوي – للمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل وولتز، الذي دعا إلى توسيع نطاق حظر الأسلحــ ــة ليشمل كل أنحاء السودان، قائلا إن الناس عانوا بما فيه الكفاية؟

لم يعد مجدياً اليوم اللجوء إلى الخطاب التقليدي الذي يصف الولايات المتحدة بالإمبريالية، أو التآمر، ذلك الخطاب الذي استهلكته الدعاية السياسية للحركة الإسلاميـــ ـة لعقود. فسياسة دس الرأس في الرمال التي انتهجتها الحكومة هناك خلال الساعات الماضية لن تخلق سوى حالة من التوهان لدى الرأي العام المؤيد لها، والذي ظل يملأ الفراغ الإعلامي لبورتسودان. تارة بالأكاذيب، وسب حمدوك، والقحاتة، والإمارات، وإسـ رائيل، والماسونية، وحتى الاستخبارات المصرية!

صحيح أن انبراء أنصار البرهان، والبلابسة، بحماسة للدفاع عن بورتسودان عاطفياً مفهوم في سياق محاولة نفي أي حقائق دامغة موجهة ضدها، وضد إيقاف الحـ رب. لكن الدفاع “الوطني” – العاطفي وحده لا يحل الورطة التي دخل فيها النظام جراء اتهامات استخدام الأسلحــ ــة الكيميائيــ ـة. كما هو حال تغريدة أمجد فريد التي زعم بها أنه سيقتل مربعاً.

الصمت الرسمي عند بورتسودان لم يعد خيارا آمنا، بأي صورة من الصور. فالأدلة المنشورة، سواء ثبتت بالكامل أو نقضت، تضع سلطة البرهان أمام اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي، والمنظمات المعنية بحظر الأسلحة الكيميائيـــ ـة. والرأي العام السوداني ينتظر هذه اللحظة موقفاً واضحاً، لا صمتاً مطبقاً، أو بيانات إنشائية مثل نفي اللجنة الوطنية البارد الذي شارك فيه مسؤول أوردت واشنطن بوست بأنه رب مشروع الكيماوي داخل أروقة الجيش. اسمه طارق مدني.

الكرة الآن في ملعب الخارجية، والسفارة، والبعثة، أو بالعدم وزارة الأعيسر. إما أن يتحدثوا بما يفند، أو يفسر، أو يبقى الصمت شاهداً على عجز أكبر في إدارة ملف الكيمــ ــاوي، وكل الملفات العالقة، والمتأزمة، بعد انقلاب الخامس والعشرين منّ أكتوبر 2021.

What do you feel about this?