السودان .. المخدرات وإرث ثلاثة عقود من سياسة المليشيات
وكالات – بلو نيوز
كشفت تصريحات اللواء محمد أحمد الأمين، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، عن ملف لم تكن الجهات الرسمية تتوق إلى فتحه في هذا التوقيت، وهو تورط عناصر من القوات المشتركة المساندة للجيش في تهريب المخدرات وترويجها داخل ولاية الخرطوم.
جاء الإفصاح في حديث خاص لقناة الحرة، دعا فيه المنظمات الدولية، وفي مقدمتها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، إلى دعم أجهزة المكافحة التي أنهكتها الحرب.
غير أن الإجابة الأمنية الرسمية تبدو عاجزة عن الإحاطة بما هو أعمق بكثير من حادثة جنائية بعينها. إذ إن الرجل الذي يقف على رأس أعلى جهاز شرطي متخصص في مكافحة المخدرات في البلاد اضطر إلى الاعتراف بأن أطرافًا مسلحة تقاتل رسميًا تحت مظلة الدولة تحولت إلى جزء من منظومة الجريمة المنظمة داخل الدولة نفسها.
لعل القراءة الصحيحة لهذه الحادثة تقودنا إلى نتيجة مفادها أن ما يحدث اليوم هو النتيجة المنطقية لسياسة ممنهجة امتدت على مدى ثلاثة عقود.
إرث السياسة
منذ انقلاب يونيو 1989، أرست الحركة الإسلامية الإرهابية نهجًا موروثًا في إدارة القوة، قوامه استيلاد تشكيلات مسلحة خارج الأطر النظامية، ولاؤها ليس للدولة بل لجهة سياسية ذات مرجعية أيديولوجية، وتتمتع بحرية حركة تفوق ما تخضع له من رقابة مؤسسية.
الأمن الشعبي في التسعينيات، ثم قوات الدفاع الشعبي، ثم المليشيات المكونة من القبائل العربية في دارفور في مطلع الألفية الثالثة، كلها نسخ متتالية من معادلة بعينها، سلاح بلا محاسبة، ونفوذ بلا رقابة.
الحقيقة التي لا جدال فيها أن القوات المشتركة المساندة للجيش اليوم وتضم في صفوفها حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وفصائل أخرى من حركات دارفور دخلت الخرطوم باعتبارها قوة إسناد قتالي.
إلا أن هذا “الإسناد” جاء في غياب شبه تام لضوابط الإدماج المؤسسي؛ فلا هيكل رواتب معروف وخاضع للمراجعة والتدقيق، ولا تسلسل قيادي موحد صارم، ولا منظومة رقابية تتعامل مع هذه القوات بالمعيار ذاته المطبق على الجيش النظامي.
في مثل هذا الفراغ، لا تحتاج الجريمة المنظمة إلى اختراق القوة المسلحة من الخارج؛ فهي غالبًا ما تنبثق من داخلها.
السودان من ممر عبور إلى مصنع
ما كانت تصريحات اللواء الأمين لتكتسب ثقلها الحقيقي لولا أن الأرقام الميدانية تضعها في سياق أكثر إثارة للقلق مما يشي به الخطاب الرسمي المتحفظ. فبحسب تقرير برنامج الشفافية والسياسات السودانية (STPT) الصادر في مطلع العام الجاري، رُصدت تسعة عشر منشأة لتصنيع المخدرات بين عامي 2015 و2025، مع تمركز معظم النشاط بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023. وهذا الرقم وحده كافٍ لتفنيد أي تصوير للظاهرة باعتبارها ذات طابع هامشي.
الأكثر دلالة هو معدل التوسع في الطاقة الإنتاجية. ففي يونيو 2023، رُصدت منشأة قادرة على تصنيع 7,200 حبة كبتاغون في الساعة (الكبتاغون هومنشّط صناعي شديد الإدمان يرفع اليقظة ويقلل الإحساس بالخوف والتعب) . وبحلول فبراير 2025، تم اكتشاف مختبر صناعي على بُعد كيلومترات قليلة من مصفاة الجيلي النفطية، جاهز لإنتاج 100,000 حبة في الساعة، بمعدات تبلغ قيمتها نحو ثلاثة ملايين دولار، فضلاً عن مخزون من المواد الخام يكفي لتصنيع 700 مليون حبة.
هذه طاقة إنتاجية تُعد مرتفعة حتى بالمقارنة مع عدد من المختبرات الصناعية المضبوطة إقليميًا.
وفي يناير 2026، أحبطت وحدات مكافحة التهريب في ولاية البحر الأحمر قرب ميناء بورتسودان عملية تهريب شملت ما يقارب نصف طن من المخدرات الصناعية، معظمها كريستال ميث (كريستال ميث / الميثامفيتامين
يعد من أخطر المنشطات العصبية، يسبب إدمانًا سريعًا واضطرابات ذهانية حادة)، في واحدة من أكبر الضبطيات الموثقة في تاريخ السودان.
مما لا شك فيه أن هذه الأرقام تشير إلى تحول بنيوي نوعي، وتنامي سوق سوداء مكتملة الأركان.
وبذلك يكون السودان انتقل خلال أقل من ثلاث سنوات من بلد عبور هامشي إلى مركز تصنيع إقليمي ناشئ للكبتاغون والمنشطات الصناعية، مستفيدًا من الفراغ النسبي الذي نشأ بعد انهيار صناعة الكبتاغون السورية إثر سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
لكن الأخطر أن المخدرات إضافة إلي كونها سلعة مالية، بدأت تتحول إلى أداة حرب. حيث أن تقارير ميدانية متقاطعة تشير إلى استخدام بعض المقاتلين، على أكثر من جبهة، للمنشطات الصناعية وعلى رأسها الكبتاغون والكريستال ميث لرفع القدرة على السهر، وتقليل الإحساس بالخوف والإرهاق، وزيادة التحمل أثناء القتال. هنا تتجاوز المخدرات كونها نشاطًا اقتصاديًا موازياً للحرب، لتصبح جزءًا من اقتصاد الحرب نفسه.
جغرافيا الشبكة
المتابع لحركة المخدرات في السودان سيكتشف بسهولة أن هذه التجارة لا تسلك مسارات عشوائية. الشبكات العاملة اليوم تمتد عبر خطوط جغرافية وتجارية راسخة، بعضها سبق وجود الحرب الحالية بعقود.
الحدود الليبية في الشمال الغربي، وحدود تشاد وأفريقيا الوسطى في الغرب، والمنافذ الجنوبية مع جنوب السودان وكينيا؛ كلها مسارات قطعتها تاريخيًا قوافل نقلت السلاح والبشر والذهب، وباتت اليوم تضم المخدرات ضمن بضائعها.
مناطق مثل الردوم في جنوب دارفور أصبحت محطة ترانزيت رئيسية تجمع بين عزلة الجغرافيا وضعف الرقابة، فيما بدأ ميناء بورتسودان يظهر كمنفذ تصدير، كما تكشف ضبطيات البحر الأحمر المتكررة.
في بيئة حرب تنتشر فيها عشرات الارتكازات وتتقاطع فيها صلاحيات الضبط بين أجهزة متعددة وغير منسقة، يتحول الزي العسكري وشارة الانتماء إلى تشكيل مسلح من أداة حماية وطنية إلى جواز مرور ميداني. كما يتكشف الدور المحوري الذي تؤديه المركبات العسكرية ونقاط الارتكاز التابعة للتشكيلات المسلحة؛ فمن يجرؤ على تفتيش مركبة ترفع راية فصيل مسلح حليف؟ هذا امتياز لا تستطيع الشبكات الإجرامية شراءه بالمال.
من يحمي المواطن
يسأل المواطن السوداني سؤالًا مشروعًا وصعبًا في آن واحد: كيف يأمن على نفسه وأسرته وأبنائه حين يكون الخطر قادمًا ممن يحمل السلاح باسم الدولة؟
الإجابة الأمنية الرسمية ستختزل الأمر غالبًا في “سلوك فردي”، لكن الشارع يعرف ما لا تفصح عنه البيانات الرسمية.
في الأسواق الشعبية في الخرطوم بحري وأم درمان، وفي مواقف المواصلات وعلى أطراف مناطق النزوح الممتدة، بات الترويج في بعض الأحياء يجري بصورة شبه علنية.
وبالتالي فإن الرسالة التي يستوعبها المواطن فورية ومقلقة في آن واحد، ألا وهي أن المروج ليس وحده، بل خلفه جهة لا يجرؤ أحد على مواجهتها.
ويصبح الأثر التراكمي لهذا المشهد على البنية الاجتماعية لا يقل خطورة عن الإدمان ذاته؛ فالمجتمعات المحلية فقدت تدريجيًا ثقتها بكل من يحمل سلاحًا، فيما تتسع أمام الشباب أسواق المخدرات بينما تضيق أمامهم فرص الحياة الطبيعية.
الأزمة لا تقف عند حدود الانتشار وحده، بل تمتد إلى انهيار القدرة على العلاج. فقد أُغلقت أو تعطلت مراكز علاج الإدمان والصحة النفسية في مناطق واسعة بسبب الحرب، وأصبح آلاف المدمنين أو المعرضين للإدمان بلا خدمات علاجية أو تأهيلية. وهذا يعني أن الدولة لا تفقد فقط قدرتها على منع الانتشار، بل تفقد كذلك قدرتها على احتواء نتائجه.
امتلاك الملف أم تحريكه
إن ما كشفته تصريحات مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات يتجاوز
صحيح السودان
