حنان حسن: عندما يعجزون عن هزيمة الفكرة
حنان حسن
لم يكن أكثر ما لفت انتباهي في التعليق الذي كُتب على مقالي هو السخرية من أنفي.
ما لفت انتباهي أن (رجلا) قرأ مقالا كاملا يناقش الإقصاء في المجال العام..ثم خرج من كل الأفكار بسؤال واحد: (عملتِ تجميل النخرة صغرت؟)
في البداية قد يبدو الأمر تعليق سخيف يستحق التجاهل..لكنه في الحقيقة ليس تعليقا عابرا… إنه نافذة تطل على عقلية كاملة..وعلى ثقافة لا تزال ترى أن أفضل طريقة لإسكات المرأة ليست مناقشة أفكارها..وإنما تحويلها من عقل إلى ملامح.
عندما يعجز البعض عن إسقاط الفكرة..يحاولون إسقاط صاحبتها.
اليوم الأنف.. وبكرة الشعر..وبعده العمر..ثم الوزن..ثم الملابس..ثم الصوت.. لا لأن هذه الأشياء مهمة.. ابدا.. لأنها الطريق الأسهل للهروب من مواجهة السؤال الحقيقي: ماذا قالت هذه المرأة؟
إنها آلية قديمة قدم إقصاء النساء نفسه.
فالمرأة التي تدخل المجال العام لا يُطلب منها فقط أن تكون ذكية.. وإنما أن تكون حسب معاييرهم (جميلة بالقدر المناسب.. وأنيقة بالقدر المناسب.. وصوتها مقبول.. ووجهها مقبول.. وعمرها مقبول.. وطريقتها في الضحك مقبولة..الخ الخ)
ملامحها تصبح موضوعا للنقاش.. وكأن المجتمع لا يسمح لها بأن تكون مجرد عقل.
ولو تأملنا الأمر قليلا..سنكتشف أن التعليق لم يكن عن أنفي أبدا..
كان عن السلطة.
كان محاولة لسحب النقاش من مساحة الأفكار.. حيث تتساوى العقول.. إلى مساحة الشكل..حيث يظن المتنمر أنه يمتلك اليد العليا.
لأن من يناقش فكرتك يعترف ضمنيا بأنك ندٌّ له.
أما من يناقش شكلك..فقد أعلن منذ اللحظة الأولى أنه لم يجد في فكرتك ثغرة يدخل منها.
وهنا يكمن الإفلاس الحقيقي.
فالإنسان الذي يملك حجة.. يقدم حجة.
والذي يملك فكرة.. يناقش فكرة.
أما الذي لا يملك إلا السخرية.. فهو لا يهزم خصمه.. وإنما يكشف إفلاسه.. وحدود أدواته.
المؤسف أن هذه العقلية لا تؤذي امرأة بعينها.. ولكن تؤذي المجال العام كله.. وهذا مقصود.
لأنها ترسل رسالة إلى كل امرأة تفكر في الكتابة أو الظهور أو القيادة.. قبل أن يناقشوك.. سيحاكمون وجهك.. وقبل أن يسمعوا صوتك،.. سيزنون جسدك.. وقبل أن يقرأوا فكرتك.. سيبحثون عن عيب في ملامحك.
وهكذا يصبح التنمر وسيلة سياسية واجتماعية لإقصاء النساء من المجال العام.. حتى وإن ارتدى ثوب المزاح.
إنه ليس مزاحا.
إنه محاولة لإعادة المرأة إلى المكان الذي لا ينافس فيه صوتها أحدا.. لأنها ببساطة لا تتكلم.
والمفارقة أن من يمارس هذا النوع من التنمر يظن أنه يسخر من امرأة.. بينما هو يقدم اعترافا غير مكتوب بعجزه عن مجاراة أفكارها.
فالتنمر ليس سلاح الأقوياء.
إنه آخر ما يتمسك به من خسر المعركة قبل أن تبدأ.
ولذلك لا أشعر بالغضب من مثل هذه التعليقات بقدر ما أشعر بالأسف.
لأن الإنسان الذي لا يرى في كاتب مقال سوى أنفه.. يكشف لنا أن المشكلة لم تكن يوما في شكل المرأة.. وإنما في ضيق الأفق الذي لا يستطيع رؤية ما وراء الوجه.
فالأفكار تُناقش.. أما الملامح فلا يناقشها إلا من لا يملك شيئا يقوله.
لقد أثبت عمليا الفكرة التي كنت أكتب عنها.
إنها ليست مصادفة.. بل ثقافة كاملة ترى أن أسهل طريقة لإسكات المرأة هي تحويلها من عقل يُحاور إلى جسد يُعلَّق عليه.
ولهذا لم تناقش المقال.. ولم تناقش الحجة.. ولم تناقش الفكرة.. ناقشت أنفي.
شكراً… لقد قدمت بنفسك الدليل على أن بعض الرجال لا يخشون المرأة الجميلة أو القبيحة.. وإنما يخشون المرأة التي يصعب إسكاتها.
صدقا لا أحمل لصاحب التعليق ذرة غضب بقدر ما أحمل أمنية صادقة.
أتمنى أن تمنح نفسك فرصة لقراءة الأفكار قبل ملامح أصحابها.. وأن تدرك أن احترام الاختلاف لا يعني الموافقة.. وإنما القدرة على مناقشة الرأي دون الحاجة إلى إهانة صاحبه.
فالعقول الكبيرة تختلف.. والعقول الصغيرة تتنمر.
وفي النهاية.. لا يكشف التنمر شكل من يقع عليه.. وإنما يكشف مستوى من يمارسه.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح على كل متنمر:
لو كان كاتب هذا المقال رجلا.. هل كنت ستناقش شكل أنفه… أم كنت ستناقش أفكاره؟
الإجابة على هذا السؤال تقول كل شيء.
