أحمد عثمان جبريل: لقاء الكباشي وبولس.. هل بدأت إعادة تشكيل المشهد

2
ahmed

أحمد عثمان جبريل 

❝ الحروب تصنع الضجيج.. أما السلام فتكتبه الطاولات التي لا تراها الكاميرات. ❞

 

تقول الحكاية: حين حاصر السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، لم تكن الأسوار وحدها هي التي استعصت، بل كان الخليج مغلقاً بسلسلة حديدية ظن البيزنطيون أنها كافية لإبعاد السفن عن المدينة.. لم يُصر الفاتح على الطريق نفسه، بل غيّر مسرح الحركة كله، فنُقلت السفن فوق اليابسة حتى وصلت إلى حيث لم يتوقعها أحد.. ولم يكن ذلك انتصاراً للقوة وحدها، وإنما للفكرة التي تقول إن القائد، عندما يبلغ طريقاً مسدوداً، يبحث عن مدخل جديد بدلاً من تكرار المحاولة ذاتها.

وهكذا هي الحروب الطويلة.. تبدأ بالرصاص، لكنها لا تنتهي دائماً به.. ومع امتدادها تتحرك السياسة، وتتبدل الأدوات، وتصبح قيمة اللقاءات في توقيتها ومستوى المشاركين فيها، لا في الصور التي تُلتقط لهم.

ومن هنا يفرض لقاء الفريق شمس الدين الكباشي بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في القاهرة نفسه حدثاً يستحق القراءة، لا لأن الرجلين التقيا، وإنما لأن توقيت اللقاء قد يكون أكثر دلالة من تفاصيله.

(1)

إذا أُعيد ترتيب الوقائع بعيداً عن الضجيج، بدا المشهد جديراً بالتأمل.. مقترح أمريكي، ورد سوداني، وخطاب للسفير الحارث إدريس أمام مجلس الأمن عبّر عن الموقف الرسمي، ثم تصريحات لمسعد بولس أكد فيها استمرار اهتمام واشنطن بالملف السوداني واستعداده لزيارة الخرطوم.. وفي قلب هذا التسلسل جاء لقاء القاهرة، ليصبح السؤال الحقيقي: لماذا عُقد الآن؟ وما الذي تعكسه دلالاته في مسار الحرب والسلام؟

(2)

في العلاقات الدولية، لا تُقرأ اللقاءات الكبرى بمنطق المصادفة.. فعندما يلتقي مسؤول يتقدم هرم الدولة بمبعوث يمثل الإدارة الأمريكية، فإن أهمية الحدث لا تنبع من معرفة ما قيل داخل الغرفة، بل من قراءة مستوى الاجتماع وسياقه.. فالدبلوماسية لا تتحرك عبثاً، والعواصم لا ترتب لقاءات بهذا المستوى لمجرد تبادل المجاملات.. ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً: هل نحن أمام استمرار لقنوات التواصل المعتادة، أم أن الحرب نفسها دفعت الجميع إلى البحث عن مدخل مختلف بعدما أثبت الميدان أن الحسم الكامل ليس طريقاً يسيراً؟

(3)

ولعل السؤال الأهم ليس: لماذا التقى الكباشي بمسعد بولس؟ وإنما: لماذا الكباشي تحديداً؟ فقد عاد إلى الواجهة في لقاء يكتسب أهميته من تمثيله لمجلس السيادة.. ومن يتابع مسار الأزمة يلحظ أن اسمه ارتبط بمحطات تفاوضية عديدة، من جوبا إلى جدة والمنامة والقاهرة.. وقد يختلف الناس في تقييم نتائج تلك المسارات، لكن تكرار حضوره يكشف أن المؤسسة العسكرية كثيراً ما تدفع به عندما تنتقل الملفات من ضجيج المنابر إلى هدوء الغرف المغلقة.

(4)

كما أن قراءة لقاء القاهرة بمعزل عن المشهد الدبلوماسي الأوسع تبدو قراءةً ناقصة.. فما صدر في مجلس الأمن، وما أعقبه من ردود، ثم استمرار الحديث عن المبادرة الأمريكية، كلها مؤشرات إلى أن قنوات التواصل لم تُغلق، وإن اختلفت لغة الخطاب في العلن.. فالدول تعلن مواقفها أمام المنابر، لكنها تناقش التفاصيل على موائد التفاوض، وذلك أحد الملامح الطبيعية لإدارة النزاعات الممتدة.

(5)

وهنا يبرز سؤال يتجاوز اللقاء نفسه: هل أصبح النقاش يدور حول ما بعد إسكات البنادق؟ أي حول شكل السلطة الانتقالية، وضمانات تنفيذ أي اتفاق، وإيصال المساعدات الإنسانية، والعلاقة مع المجتمع الدولي، ومستقبل الاعتراف والعقوبات التي لوحت بها واشنطن؟ فهذه ليست افتراضات معزولة، بل ملفات ظلت حاضرة في مختلف المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.. والتجارب الدولية تؤكد أن السلام المستدام يبدأ بالإجابة عن أسئلة اليوم التالي للحرب، لا بمجرد وقف إطلاق النار.

(6)

ولعل أهم ما تكشفه هذه اللقاءات ليس مضمونها المباشر، وإنما طبيعة المرحلة التي بلغتها الأزمة.. فكلما طال أمد الحروب، اتسعت مساحة السياسة، وأصبح البحث عن الحلول ضرورة موازية لاستمرار العمليات العسكرية.. ومن هذه الزاوية، فإن تكثف الحراك الدبلوماسي قد يعكس اتجاهاً لاختبار مسارات جديدة، تفتح الباب أمام الانتقال من إدارة الحرب إلى البحث الجاد عن أفق للسلام.

(7)

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تعكس هذه التحركات بداية مرحلة جديدة في مقاربة الأزمة السودانية، تنتقل فيها الجهود تدريجياً من اختبار القوة إلى اختبار الحلول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن نجاح أي مسار لن يتوقف على عقد اللقاءات وحدها، بل على قدرة الأطراف كافة على تحويل الحوار إلى تفاهمات قابلة للحياة، تحفظ وحدة السودان، وتمنح شعبه فرصة حقيقية للخروج من أتون الحرب.

ما نود قوله هنا:” أن قيمة لقاء القاهرة لا تكمن في أنه جمع رجلين، وإنما في أنه قد يكون مؤشراً على انتقال الصراع من اختبار القوة إلى اختبار الحلول.. وإذا كانت واشنطن تتحرك، والعواصم الإقليمية تتحرك، وقنوات الحوار لا تزال مفتوحة، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بوقف الحرب وحده، بل بما قد يليها أيضاً.. فالتاريخ لا يحفظ الاجتماعات لأنها انعقدت، وإنما لأنه رأى أثرها عندما خرجت من الغرف المغلقة إلى حياة الشعوب.

 

ومضة أخيرة

قد تُغلق الأبواب على الحوار.. لكن الأيام وحدها تملك مفتاح الإجابة.

توقيع أفق الحرف

أفق الحرف.. افق يترفق باتساعه، حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.

What do you feel about this?