لا منتصر في حرب السودان: قراءة في تحليل معهد “RUSI” البريطاني
وكالات – بلو نيوز
في مدينة الضباب لندن، وعلى بُعد خطوات من أروقة صنع القرار البريطاني في وايتهول، صدر عن معهد الخدمات المتحدة الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI) أحد أعرق مراكز الفكر الأمني في العالم، تحليلٌ يهدم إحدى أكثر المقولات تداولًا بشأن حرب السودان: أن البلاد على أعتاب “نقطة تحول” حاسمة.
وبحسب تحليل الباحث مايكل جونز، من مجموعة أبحاث الإرهاب والصراع في المعهد، فإن التطورات الميدانية المتلاحقة تكشف عن هشاشة القدرات الفعلية لدى جميع الأطراف، المحلية منها والخارجية، في حرب تطاول أمدها ولا تزال نهايتها بلا أفق واضح. وخلص جونز إلى أن الحديث عن “نقطة تحول” في الحرب السودانية يظل مبالغة كبيرة، فما تكشفه الأشهر الأخيرة، لا يمكن وصفه بكونه حسمًا وشيكًا.
الأبيض: حصار مُتصاعد
تتصاعد الأزمة في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بوتيرة تثير قلقًا دوليًا متزايدًا. فقد حذّرت الأمم المتحدة من أن فرص منع التصعيد في المدينة “تتضاءل بسرعة”، بينما وصفت مصادر بريطانية الوضع هناك بأنه أقرب إلى “حصار”، مع تجمّد حركة آلاف السكان وانقطاع المساعدات الإنسانية.
وأعلن تحالف “تأسيس” الذي تقوده قوات الدعم السريع مدينة الأبيض هدفًا عسكريًا مشروعًا، بدعوى احتضانها لمقر قيادة الجيش التي تشرف على العمليات في شمال كردفان وقواعد عسكرية ومراكز قيادة ومنشآت ذخائر.
وقد دفع هذا التدهور مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بطلب من بريطانيا وألمانيا، إلى عقد جلسة طارئة في جنيف مطلع يوليو الجاري، حذّر خلالها مفوض حقوق الإنسان الأممي فولكر تورك من تكرار سيناريو الانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر سابقًا. كما وجهت وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية روزماري ديكارلو تحذيرًا مماثلًا من أن اندلاع معركة واسعة في المدينة قد يفجّر موجة نزوح جديدة نحو مناطق منهكة أصلًا.
على الأرض، وثّقت تقارير محلية وأممية استهداف مدينة الأبيض بالطائرات المسيّرة بشكل شبه يومي، مع تضرر شبكة الكهرباء والوقود والأسواق ومحيط مواقع عسكرية، في نمط وُصف بأنه يهدف إلى تعطيل البنية التحتية المدنية وتصعيد الضغط على السكان. وقد دعت 46 منظمة سودانية وإقليمية ودولية، في بيان مشترك، إلى إعلان هدنة إنسانية شاملة وفورية لتفادي تكرار مأساة الفاشر.
هذا التصعيد يتسق مع ما رصده تحليل RUSI من تحول تكتيكي أوسع، حيث تزايد اعتماد قوات الدعم السريع على الطائرات المسيّرة بوتيرة جعلت الصراع، أكثر توزعًا جغرافيًا وأكثر فتكًا بقوات الجيش السوداني والقوات المتحالفة معها.
على ماذا يستند الطرفان؟
يشير تحليل RUSI إلى أن قوة الدعم السريع التنظيمية تنبع من تنوع قاعدتها الاجتماعية، التي تشمل التجنيد القبلي، والتجنيد الإجباري، وشبكات من المستفيدين الاقتصاديين والمقاتلين المتطوعين العاملين خارج التسلسل القيادي. ويشير هذا التنوع إلى أنه يمنح القوات مرونة تشغيلية، لكنه في الوقت ذاته يجعلها أقرب إلى تحالف مصالح متغير منه إلى جيش نظامي متماسك. ويستند النموذج الاقتصادي للدعم السريع إلى التوسع الإقليمي واستخراج الموارد في المناطق الريفية، وهو ما يفسّر اتساع رقعة سيطرتها الجغرافية رغم غياب حسم عسكري شامل.
وفي مقابل الشبكة الإقليمية التي تتكئ عليها قوات الدعم السريع، يستفيد الجيش السوداني بدوره من دعم إقليمي آخر مُتعدّد المصادر ساهم في تبدّل موازين بعض الجبهات، وإن ظل خاضعًا لتحفظات وتساؤلات مماثلة.
تركيا، المرتبطة تاريخيًا بشبكة علاقات مع قيادات عسكرية سودانية تعود إلى عهد الرئيس الأسبق عمر البشير، برزت بوصفها أبرز داعم عسكري مباشر لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وكشفت تقارير عن تسليم أنقرة طائرات مسيّرة من طراز “بيرقدار TB2” ابتداءً من أواخر 2024، استُخدمت في معارك حاسمة بمحيط الخرطوم والأبيض، وساهمت في تحييد التفوق الذي كانت تملكه قوات الدعم السريع في الحركة السريعة داخل المدن. وتوسّع هذا الدعم لاحقًا ليشمل مسيّرات “أقنجي” الهجومية، ومنظومات دفاع جوي من طراز “حصار-A”، إضافة إلى مدرّعات قتالية تركية سلّمها الجيش مطلع صيف 2026، ترافقت – بحسب تقارير متطابقة – مع قدوم خبراء وفنيين أتراك لتدريب الضباط السودانيين على تشغيلها وصيانتها.
إيران، من جهتها، قدّمت دعمًا مبكرًا تمثّل في طائرات مسيّرة هجومية من طراز “مهاجر-6” ومحطات تحكم أرضية مرتبطة بها، استخدمها الجيش منذ عام 2023 لاستعادة مناطق كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت عليها حول العاصمة. ويرى محللون أن هذا التقارب العسكري يعكس محاولة طهران لإعادة بناء نفوذ إقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في وقت لا تزال فيه القوات المسلحة السودانية تعتمد أيضًا على منظومتها الدفاعية المحلية، ولا سيما مسيّرات “صقر” محلية الصنع.
مصر – وهي للمفارقة ليست على وفاق مع تركيا وإيران – تحصر موقفها الرسمي المعلن في الدعم السياسي والمعنوي، إذ تعتبر القاهرة الجيش السوداني الممثل الشرعي الوحيد للدولة، وتصف قيادة الدعم السريع بالخارجة عن الشرعية.
وتنفي مصادر مصرية رسمية باستمرار أي دعم عسكري مباشر، مؤكدة أن السياسة المصرية تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. في المقابل، وجّه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) اتهامات متكررة للقاهرة بتنفيذ ضربات جوية بطائرات مصرية انطلاقًا من مدينة دنقلا لصالح الجيش، وبإدخال شحنات أسلحة وذخيرة عبر الحدود، وهي اتهامات لم يقدَّم عليها دليل موثق مستقل حتى الآن. وتصفها مصادر مصرية بأنها “ادعاءات متكررة” يطلقها الدعم السريع دون أدلة.
هذا التنوع في مصادر الدعم الخارجي لطرفي الصراع – بغض النظر عن حجم كل مساهمة أو طبيعتها المعلنة أو المنكَرة – يعزز خلاصة RUSI الأساسية بأن استمرار الحرب لم يعد رهينًا بقدرات الطرفين المحليين وحدهما، بل تحوّل، على غرار ليبيا واليمن، إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية متعددة ومتضاربة، وهو ما يجعل أي حسم عسكري حاسم أبعد منالًا، ويضاعف في الوقت ذاته من كلفة الحرب الإنسانية على المدنيين.
عقوبات أمريكية متتالية
واصلت واشنطن توسيع دائرة العقوبات على الشبكات الداعمة لطرفي الحرب. ففي 26 يونيو 2026، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (أوفاك) عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات، شملت شركة “TMAC” السودانية المرتبطة بمجموعة جياد الصناعية لدورها في استيراد متفجرات من شركات مصرية وهندية، إلى جانب شبكة تجنيد عابرة للحدود يقودها ضابط كولومبي متقاعد وزوجته، اتُّهما بتجنيد مقاتلين سابقين في الجيش الكولومبي للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
كما تضمنت الجولة الثانية من العقوبات، المفروضة بموجب قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، معارضة قروض المؤسسات المالية الدولية للحكومة السودانية، وقيودًا إضافية على التصدير، وحظرًا على عمل شركات الطيران المملوكة للدولة السودانية داخل الأراضي الأمريكية.
وفي كل بيان من بياناتها، جددت الإدارة الأمريكية دعوتها لطرفي النزاع لقبول هدنة إنسانية غير مشروطة لمدة ثلاثة أشهر، مطالبة في الوقت ذاته جميع الأطراف الخارجية بوقف أي دعم مالي أو عسكري للمتحاربين، وهي دعوة لا تزال بلا استجابة ميدانية ملموسة.
كلفة إنسانية تتفاقم بلا رادع دولي فعّال
يبقى الثابت الوحيد وسط كل هذه التطورات هو تصاعد الكلفة الإنسانية. فبحسب بيانات أممية، وُثّق أكثر من 5,700 انتهاك جسيم بحق الأطفال منذ اندلاع الحرب، بينهم أكثر من 5,000 طفل بين قتيل ومصاب، مع تحذيرات من أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير مما تم توثيقه. وتضيف التطورات الأخيرة في الأبيض وكردفان طبقة جديدة من القلق، مع تسجيل مئات الإصابات بالكوليرا في المنطقة نتيجة انهيار الخدمات الصحية والنزوح المتكرر. وتظل الدعوات الموجهة للحكومات الأوروبية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة لاستخدام نفوذها الفعلي لوقف هذا الاستنزاف بلا استجابة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ من نوعها في العالم اليوم.
وبينما تتوالى بيانات الإدانة وجلسات الطوارئ والعقوبات الرمزية، يدفع المدنيون وحدهم الثمن، حيث مدينة تلو الأخرى تتحول إلى ساحة حصار، وطفل تلو الآخر يُضاف إلى سجل الانتهاكات، وشعب بأكمله يُترك ليواجه مصيره وحيدًا بين جبهتين لا تملكان مشروعًا للسلام بقدر ما تملكان شركاء في الحرب.
حرب استنزاف تتغذى على الإقليم
يخلص التحليل إلى أن مفاتيح إنهاء هذا النزاع لا تكمن في أروقة القرار الدولي بقدر ما تكمن في الشبكات الخفية التي تُبقيه مشتعلًا: شبكات الإمداد والتجنيد والتمويل العابرة للحدود، الممتدة عبر قارات ومناطق متفرقة، والتي تتغذى من هشاشة الرقابة الدولية أكثر مما تتغذى من عقيدة أو هدف واضح. وتظل الدعوات الموجهة للحكومات الفاعلة دوليًا لاستخدام نفوذها الفعلي لوقف هذا الاستنزاف بلا استجابة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ من نوعها في العالم اليوم.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لا يبدو أن السودان يقترب من نهاية، بل من نسخة أكثر تعقيدًا من بدايته. فالمعارك التي كان يُفترض أن تُحسم في أسابيع تحوّلت إلى حرب استنزاف مفتوحة، تتغذى من كل طرف إقليمي يرى في الفوضى السودانية فرصة لتوسيع نفوذه أو تصفية حساب قديم.
السؤال الذي يطرحه هذا التحليل، في نهاية المطاف: كم من الوقت سيستغرق العالم قبل أن يقرر أن إنهاءها أولوية حقيقية، لا مجرد بند عابر على هامش أزمات أخرى؟
صحيح السودان
