مرتبات الجيش في زمن الحرب .. معادلة الولاء والإفلاس
تقرير – صحيح السودان
سجلت ميزانية عام 2026 خطوة استثنائية من سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، حيث أقرت زيادة واضحة في رواتب القوات النظامية تراوحت نسبتها بين 100% و120%. وبموجب هذا القرار، قفز راتب المساعد من 354 ألف جنيه إلى 724 ألف جنيه، وارتفع راتب الرقيب أول من 330 ألف جنيه إلى 680 ألف جنيه، في حين صعد راتب الرقيب من 303 آلاف جنيه إلى 630 ألف جنيه شهرياً، وراتب العريف من 279 ألف جنيه إلى 585 ألف جنيه.
تعطي هذه الأرقام انطباعاً أولياً بامتلاك الدولة القدرة المادية اللازمة لرعاية مؤسستها العسكرية والوفاء بالتزاماتها حتى في أحلك ظروف الحرب الممتدة، بيد أن قراءة المشهد في سياقه الاقتصادي الكامل تكشف مفارقة لافتة؛ ففي ذات الفترة الزمنية تقريباً التي شهدت إعلان هذه الزيادات، كانت بواخر وقود مكتملة الدفع تظل واقفة قبالة الميناء دون تفريغ حمولتها نتيجة نشوء فجوة حادة في النقد الأجنبي بين حصيلة الصادرات وعلى رأسها الذهب وبين احتياجات استيراد المشتقات البترولية الأساسية، وهي فجوة قُدّرت بنحو 326 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر فقط.
وقد تفاقمت هذه الفجوة مع اضطراب أسواق الطاقة العالمية إثر توترات مضيق هرمز مطلع عام 2026، والتي رفعت سعر برميل الديزل من 86 إلى 186 دولاراً خلال شهرين فقط، فارتفعت كلفة الباخرة الواحدة إلى أكثر من 70 مليون دولار، وهو ما ضاعف الضغط على حصيلة الدولار المتاحة لتغطية فاتورة الاستيراد.
ويوضح هذا التناقض الجلي طبيعة الاختلال البنيوي العميق الذي يسيطر على اقتصاد الحرب في السودان، مؤكداً أنه يمثل انعكاساً مباشراً لسياسات التمويل الاضطرارية في ظل انهيار الموارد التقليدية للدولة. وتتقاطع هذه المعطيات مع تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تشير إلى انكماش كارثي في الناتج المحلي الإجمالي السوداني تجاوزت نسبته 40% منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، مما أدى إلى جفاف شبه كامل للإيرادات الضريبية والجمركية، ودفع السلطة الحالية للتحرك في مسارات مالية شديدة الخطورة.
اقتصاد الحرب
عندما تنزلق الدول إلى صراعات مسلحة طويلة الأمد، تتشكل بصورة تدريجية تراتبية مالية غير معلنة تفرض أولويات محددة للإنفاق العام. وفي هذه البيئات المعقدة، يحتل بند رواتب القوات المقاتلة قمة السلم المالي، نتيجة ضرورات سياسية وأمنية مباشرة تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية المحضة.
وإذا كان من الممكن تأجيل تفريغ باخرة وقود لعدة أيام أو أسابيع بمبررات لوجستية وإجرائية، فإن تأخير الرواتب يحمل دلالات مغايرة تماماً داخل المؤسسة العسكرية، إذ يُنظر إليه كإشارة مباشرة على ضعف الدولة وتراجع قدرتها على دعم من يقاتلون باسمها. حيث يُعامل الراتب في سياق الحرب كإحدى أهم أدوات الحفاظ على الولاء والانضباط الداخلي للقوة المقاتلة، متجاوزاً المفهوم التقليدي للأجر مقابل الخدمة.
وتعد هذه المسألة جوهرية لفهم سلوك سلطة بورتسودان التي تدير مواجهة عسكرية محتدمة مع خصم مسلح، بالتزامن مع خوضها معركة موازية لضمان تماسك هرم القيادة واستمرار الانضباط داخل القوات النظامية، مما يجعل بند المرتبات جزءاً حيوياً من منظومة السيطرة السياسية عوضاً عن كونه بنداً مالياً عادياً في الموازنة. وبناءً على ذلك، عندما يحدث تعارض بين تمويل الوقود الحيوي وتمويل الرواتب، يتجه القرار تلقائياً نحو منح الأولوية المطلقة للمرتبات العسكرية لتأمين الجبهة الداخلية للسلطة.
الفصل الأول من الميزانية
يُصنف بند المرتبات في الأدبيات المالية التقليدية تحت مسمى “الفصل الأول”، ويُعامل كجزء من الإنفاق الجاري، إلا أن هذا التصنيف يفقد دِقّته في ظروف الحرب أو في ظروف الاضطرابات السياسية الحادة، ففي الحالة السودانية المعاصرة تحول الفصل الأول عملياً إلى ما يمكن وصفه بتكلفة الحفاظ على السيطرة القسرية.
ويحتاج كل جيش يخوض حرباً ممتدة إلى توافر ثلاثة عناصر رئيسية تعمل معاً بصورة متوازنة، تشمل وجود قيادة تحظى بشرعية داخلية، وتوفر قدرة لوجستية تضمن استمرار الإمداد، جنباً إلى جنب مع تأمين حد أدنى من الرضا المالي داخل القوات المقاتلة. وعندما يضعف عنصر الرضا المالي، ترتفع تلقائياً كلفة الانضباط، ويبدأ التذمر في التوسع، وتزداد احتمالات التسرب والعزوف عن التجنيد والتي تنتهي بترك الخدمة العسكرية تلقائياً، مما يهدد الاحتكار الفعلي للعنف المنظم.
ومن هذا المنطلق، تصبح تلبية المرتبات شرطاً حتمياً من شروط البقاء السياسي للسلطة القائمة، بعيداً عن فكرة الأولويات الاجتماعية التقليدية. ويأتي هذا التوجه المالي المتصل في وقت تصطدم فيه السلطة بمعدلات تضخم قياسية تجاوزت حاجز المئات بالمئة وفقاً للتقديرات الإحصائية، مما يفاقم من صعوبة الحفاظ على هذا التوازن الهش.
على الرغم من أن زيادة الرواتب بنسبة تصل إلى 120% تبدو سخية على الورق، فإن التحليل الاقتصادي يركز على القوة الشرائية الفعلية المتبقية بعد الصرف، وليس على حجم الزيادة الاسمية فقط. فمع انهيار سعر صرف الجنيه السوداني بوتيرة تقارب نسبة الزيادة أو تتجاوزها حيث سجلت العملة المحلية تراجعات قياسية وتاريخية أمام الدولار الأمريكي في الأسواق الموازية تتحول هذه الزيادة الاسمية إلى مجرد تعويض محاسبي يغطي الخسارة الحقيقية في الدخل.
ونتيجة لذلك، يكتشف الجندي الذي يتقاضى ضعف راتبه السابق بعد فترة قصيرة أن قدرته على الشراء أصبحت أقل مما كانت عليه قبل أشهر. وتعتبر هذه الآلية امتداداً لسياسات مجربة في السودان، حيث استُخدمت مراراً خلال عقود حكم المخلوع عمر البشير والحركة الإسلامية لتمويل مرتبات القوات المسلحة والأجهزة النظامية، عبر معادلة تقوم على رفع المرتبات رقمياً مع ترك التضخم يلتهم القيمة الفعلية للزيادة تدريجياً.
ويمثل هذا الخيار من الناحية الاقتصادية وسيلة منخفضة الكلفة سياسياً لكنها عالية الكلفة اجتماعياً، إذ تتيح للسلطة صياغة خطاب موجه للرأي العام والمنتسبين يؤكد قيامها بزيادة الرواتب، دون أن يعني ذلك الحفاظ على القيمة الحقيقية للدخل المعيشي في ظل الانهيار المتسارع لقيمة العملة الوطنية.
من أين تأتي السيولة؟
يرتبط السؤال الأكثر أهمية بالمصدر الفعلي للسيولة التي تمول هذه الالتزامات المتصاعدة. فقد اعتمد نظام المخلوع عمر البشير على أربع قنوات رئيسية متداخلة لتمويل مرتبات القوات المسلحة، وورثت سلطة بورتسودان الحالية هذه الآلية دون أدنى تغيير، مع تنسيق فني وعملياتي مباشر عبر وزارة المالية وبنك أم درمان الوطني، البنك الذي يحتوي حسابات مرتبات ضباط القوات المسلحة، والذي يعد لاعباً رئيسياً ومحورياً في هذه الهندسة المالية نظراً لأن مجلس إدارته يخضع لسيطرة وإشراف قيادات إسلاموية وعسكرية تضمن توجيه التدفقات النقدية بسلاسة لدعم المنظومة النظامية وتأمين متطلباتها دون عوائق بيروقراطية.
تتصدر هذه القنوات “آلية التمويل بالعجز وطباعة العملة”، التي ظلت الخيار الأسرع تنفيذاً والأشد خطورة على الصعيد الاقتصادي الكلي؛ فمع عجز الإيرادات الحقيقية عن تغطية النفقات، تلجأ السلطة إلى الاستدانة غير المنضبطة من الجهاز المصرفي عبر البنك المركزي، وهو ما يُعرف اقتصادياً بتمويل الإنفاق عبر خلق نقود جديدة، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى إعادة توزيع القوة الشرائية داخل الاقتصاد عبر ضريبة التضخم التي تستنزف قدرة المواطنين من خلال التآكل المستمر لقيمة العملة.
ويبرز “التمويل شبه المالي” كقناة ثانية تعكس حالة الهيمنة المالية، حيث تصبح السياسة النقدية خاضعة بصورة مباشرة لاحتياجات السياسة المالية، ويتحول بنك السودان من إدارة الكتلة النقدية بهدف استقرار الأسعار إلى التحرك استجابة لمتطلبات السلطة في دفع المرتبات وتمويل العمليات العسكرية، ما يعد علامة كلاسيكية على تآكل الانضباط المالي.
وينضم إلى ذلك الغموض المالي الذي يكتنف قنوات التمويل المتدفقة من “منظومة الصناعات الدفاعية”؛ فهذه المنظومة تتجاوز أدوار الإسناد التقليدي لتشكل إمبراطورية مالية موازية تتمتع بحصيلة دولارية ضخمة مستمدة من أنشطتها الاستثمارية والتصديرية، وهي عوائد تظل بالكامل خارج مظلة الرقابة الحكومية والمراجعة المحاسبية الرسمية من البنك المركزي. وتُستغل هذه الأموال غير الخاضعة للتشريعات المالية كخزان تمويل خلفي ومستقل لتغطية الفجوات الحرجة وتأمين نفقات الوحدات العسكرية النخبوية، على الرغم من أن هذا النموذج يواجه تحديات متنامية مع استمرار تدهور الاقتصاد الكلي.
وصولاً إلى القناة الرابعة المتمثلة في الاقتراض المؤقت والطارئ من الكيانات الإيرادية مثل هيئة الموانئ البحرية؛ فبسبب تركز النشاط التجاري وحركة الملاحة في بورتسودان، تحولت موارد الهيئة إلى خيار جاهز للاستدانة المؤقتة والسريعة التي توظفها السلطة خصيصاً لتغطية وتغذية بند مرتبات القوات العسكرية والنظامية المتواجده في الرقعة الجغرافية في شرق السودان لضمان استقرار هذا الإقليم الاستراتيجي. وتتسبب هذه الآلية المتكررة في ظاهرة المزاحمة الاقتصادية داخل القطاع العام عبر سحب السيولة الحية من مؤسسة إنتاجية يفترض أن تذهب مواردها لتطوير البنية التحتية والاستثمار، وتوجيهها بدلاً من ذلك نحو الإنفاق الجاري العسكري، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى إضعاف القدرات التشغيلية والمالية للجهة الأساسية الداعمة للخزينة.
الذهب احتياطي وأداة سيولة
شهد شهر يونيو من عام 2026 قراراً أصدره بنك السودان يلزم كل شركة من شركات استيراد الوقود بإيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21 كضمان عيني مقابل كل رخصة استيراد، بقيمة تقارب 15.5 مليون دولار للشركة الواحدة وفق متوسط سعر الذهب في يونيو 2026. ويحمل هذا الإجراء، الذي بدا ظاهرياً تنظيماً لسوق الاستيراد، دلالة اقتصادية أعمق تشير إلى وصول احتياطيات النقد الأجنبي إلى مرحلة حرجة؛ إذ يبرهن لجوء الدولة لمطالبة القطاع الخاص بتقديم ضمانات ذهبية على عجزها الذاتي عن توفير الدولار واعتمادها المتزايد على سيولة السوق الحرة. وكون الشرط مفروضاً على كل شركة على حدة وليس مبلغاً إجمالياً واحداً يعني عملياً تجميد أصل نقدي ضخم مقابل كل شحنة استيراد، وهو عبء تراكمي يضاعف الضغط على قطاع الاستيراد ككل. وتؤكد الدراسات المتخصصة في اقتصاديات النزاع أن الذهب بات يمثل المورد السيادي الأوحد المتبقي لتوليد السيولة الخارجية للسلطة القائمة بعد توقف صادرات النفط والزراعة المروية في مناطق النزاع.
تظهر هنا واحده من أكثر آليات اقتصاد الحرب تعقيداً، حيث ينخرط الذهب المودع كضمان مباشرة في الدورة المالية بمجرد انتقاله إلى عهدة الجهة الحافظة، سواء عبر المصرف المركزي أو قنوات المقاصة المرتبطة به، ليتحول إلى أصل يُستخدم لتحسين مركز السيولة أو دعم ترتيبات تمويلية أخرى. وتتم هذه العملية دون الحاجة الحتمية لبيع الذهب بشكل مباشر، بل تسير عبر خطوات متداخلة تشمل تسجيل الذهب كأصل ضامن، يليه استخدامه لتحسين المركز الدفتري للسيولة، ثم فتح تسهيلات أو مقاصات داخلية على أساسه، لينتهي المطاف بإعادة توجيه هذه السيولة نحو بند المرتبات الأكثر حساسية سياسياً من الوقود.
ويوضح هذا المسار المالي أسباب بقاء بواخر الوقود في عرض البحر بالتزامن مع تدفق المرتبات إلى الحسابات البنكية، لتتحول الضمانة تدريجياً من أداة لتأمين الطاقة إلى صمام تنفيس لأزمة الرواتب، مما يعزز فكرة البقاء السياسي على حساب الكفاءة الاقتصادية.
تكمن المعضلة الأساسية في أن هذه النماذج الواهية المتبعة تكتفي بتأجيل لحظة الانفجار دون معالجة الأزمة من جذورها، حيث تتحرك الدورة المالية الاقتصادية في حلقة تضخمية ذاتية التغذية وفق تسلسل متصل يبدأ ببروز نقص حاد في الدولار، مما يؤدي لتعثر استيراد الوقود، الأمر الذي يدفع الأسعار للارتفاع، فتضطر السلطة لزيادة الرواتب اسمياً، وينتج عن ذلك ضخ نقد إضافي في السوق يتسبب في تضخم أعلى، لتتآكل الرواتب مجدداً وتعود الدورة لتبدأ من جديد، مما يعمّق حالة الركود التضخمي التي تضرب الأسواق.
يُصنف ما يجري في السودان اليوم كنمط من إدارة الانهيار عوضاً عن كونه سياسة اقتصادية بالمعنى التقليدي. وتصب السلطة جل اهتمامها على إدارة الندرة وإعادة توزيعها بين مراكز الضغط المختلفة من عسكريين ومستوردي وقود ومصارف وقطاع خاص، متخلية عن معالجة الاختلالات البنيوية العميقة. وفي كل مرة تضطر فيها السلطة للمفاضلة بين استمرار العمليات العسكرية وضمان ولاء من ينفذونها، تميل الكفة نحو الحفاظ على الولاء.
وبناءً على ذلك، يتجاوز السؤال الحقيقي فكرة القدرة على دفع مرتبات الشهر الحالي، ليصبح متمحوراً حول المدى الزمني الذي تستطيعه السلطة للاستمرار في تمويل الولاء قبل أن تتجاوز كلفته قدرة الاقتصاد نفسه على الاحتمال، وهو السؤال المحوري الذي سيحدد مستقبل المالية العامة ومسار الحرب الإجمالي في السودان.
