أحمد عثمان جبريل :مسعد بولس في الخرطوم
أحمد عثمان جبريل
❝ ليست أصعب لحظات السياسة حين تُطلق الوعود، بل حين يحين موعد امتحانها. ❞
في السودان، يردد الناس مثلاً شعبياً يقول: «أقطع عرقه وسيح دمه.» وليس المقصود به البطش، وإنما حسم الجدل بالفعل .. فإذا ادعى رجل أنه قادر على أمر ما، لم يطيلوا معه النقاش، بل قالوا له: تفضل.. أثبت. فالحقيقة لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلمات، وإنما إلى امتحان يكشفها.
ولذلك، لم يكن الامتحان يوماً عقوبة، بل كان أعدل القضاة.. فهو لا يسأل:( ماذا قيل؟ وإنما يسأل: ماذا فُعل؟ ) وبين السؤالين تختبئ المسافة الفاصلة بين سياسة تعيش على التصريحات، وسياسة تُبنى بالأفعال.
ويُحكى أن رجلاً ظل يحدث أهل قريته سنوات بأنه يعرف كيف يعيد بناء الجسر الخشبي الذي يربطهم بالعالم.. وكلما تهدم جزء منه، اوصاهم بالصبر، ووعدهم أن إصلاحه لن يستغرق سوى أيام.. وكان الناس يصفقون كلما سمعوا حديثه؛ حتى وقف شيخ وقور وقال بهدوء: “لا نريد أن نسمع أنك تستطيع.. بل نريد أن نراك تعبر.”
ساد الصمت..
وفي تلك اللحظة، انتهى زمن الكلام، وبدأ زمن الامتحان..
وهكذا تبدو حكاية السودان اليوم..
فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي مزقت البلاد، وشردت الملايين، وأرهقت الاقتصاد، وأسقطت مدناً، وحاصرت أخرى، لم يعد السودانيون يملكون رفاهية انتظار تصريح جديد، أو بيان جديد، أو وعد جديد.. لقد أصبحوا يبحثون عن خطوة واحدة تؤكد أن نهاية هذا النفق ليست وهماً.
ومن هنا، لم يعد إعلان مسعد بولس استعداده للحضور إلى الخرطوم خبراً عادياً، بل أصبح لحظة امتحان، بعد الرسالة التي أُعلن أنها وصلت من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وما أعلنه السفير الحارث إدريس أمام مجلس الأمن، ليضع كل تلك الأقوال في المكان الذي ينبغي أن توضع فيه.. على المحك.
(1)
ليست قيمة التصريحات في بلاغة عباراتها، وإنما في قدرتها على أن تتحول إلى واقع.. فالسياسة لا تُقاس بما يقال فوق المنابر، بل بما يلمسه الناس في حياتهم.. ولهذا، تبقى لحظة الاختبار أعدل من لحظة الاتهام؛ لأنها تمنح الجميع الفرصة نفسها، ثم تجعل الأفعال وحدها هي التي تنطق.
(2)
والواقع أن إعلان مسعد بولس استعداده للحضور إلى الخرطوم نقل القضية من ساحة الأقوال إلى ساحة الأفعال.. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال:”ماذا كُتب في الرسائل؟ أو ماذا قيل في التصريحات؟ بل أصبح السؤال: هل ستُفتح الأبواب لهذه الخطوة؟ وهل تتحول الكلمات إلى بداية طريق ينتظره ملايين السودانيين؟”.
(3)
لقد تعب السودانيون من أخبار تبدأ بالأمل وتنتهي بالصمت.. فالنازح لا يسكن بياناً، والجائع لا يأكل تصريحاً، واللاجئ لا يسترد كرامته بخطاب، والجنيه السوداني لا يستعيد عافيته بالوعود، والمدن المحاصرة لا يرفع عنها الحصار بمؤتمر صحفي.
ولهذا، لم يعد الناس يطلبون مزيداً من الكلام..
بل مزيداً من الصدق مع ما يُقال.
(4)
لقد آن أوان الانتقال من سياسة المناورة إلى سياسة المبادرة.. فالحروب قد تفرض على الساسة حساباتهم، لكنها لا تمنحهم حق إطالة معاناة الشعوب.. وكل يوم يمر دون خطوة جادة نحو إيقاف هذه المأساة، لا يضيف يوماً جديداً إلى عمر الأزمة فحسب، بل يقتطع جزءاً من عمر وطن أنهكته الحرب، ومن حياة إنسان لم يعد يملك من أمره إلا الصبر.
ولهذا، فإن لحظة الاختبار لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا طرفاً بعينه، وإنما تستهدف صدق الإرادة نفسها.. فمن قال إنه يريد السلام، فقد حان وقت البرهان.
(5)
ومن حق السودانيين أن يروا الطريق واضحاً أمامهم.. فإذا كانت هناك مبادرة، فلتتحرك.. وإذا كانت هناك رسائل إيجابية، فلتتحول إلى لقاءات وخطواتٍ عملية.. وإن تعثرت، فمن حق هذا الشعب أن يعرف أين تعثرت، ومن الذي أوقفها، لأن ما يجري لم يعد شأناً يخص السياسيين وحدهم، بل أصبح قضية وطنٍ بأكمله.
إن الشعوب التي تدفع ثمن الحرب، تستحق أن تعرف من يؤخر السلام.
(6)
لم يعد الوقت شاهداً على هذه الحرب.. بل أصبح أحد ضحاياها.
فكل يوم يتأخر فيه الحل، يعني أسرةً جديدة تحمل ما بقي من متاعها بحثاً عن مأوى، وطفلاً يغادر مقعد الدراسة، ومريضاً ينتظر دواءً قد لا يصل، ومدينةً تخشى أن تلقى مصير سابقاتها، وجنيهاً سودانياً يواصل انحداره حتى غدت الحياة أثقل من أن يحتملها كثير من الناس.
ولم تعد المأساة تقف عند حدود النزوح والجوع، بل امتدت إلى كرامة السوداني في كثير من بقاع اللجوء، حيث يجد نفسه مضطراً إلى أن يبدأ حياته من الصفر، بعد أن كان له بيت وعمل وذكريات.
وقد يختلف الساسة في خرائط الطريق، لكنهم لن يختلفوا في حقيقة واحدة؛ أن الطفل الذي نام الليلة على صوت المدافع، لا يسأل من كان على حق، بل يسأل: متى أعود إلى بيتي؟
وحين تعجز السياسة عن الإجابة عن هذا السؤال، تصبح كل انتصاراتها هزيمةً أمام الإنسان.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن، ليس فشل مبادرة، وإنما أن يعتاد الناس هذا الألم، حتى يبدو وكأنه قدر لا فكاك منه.
(7)
من هنا، فإن إعلان مسعد بولس استعداده للحضور إلى الخرطوم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبراً سياسياً عابراً، بل لحظة امتحان.. امتحان لكل من قال إنه يريد إنهاء الحرب..
وامتحان لكل من أعلن استعداده للحوار ..
وامتحان لكل من أكد أن مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
فإن تحولت الأقوال إلى أفعال، فقد فتح السودان نافذة أمل طال انتظارها..
وإن بقيت حبيسة التصريحات، فسيظل السؤال الذي يردده كل سوداني مشروعاً وبسيطاً في آن واحد: (إذا كان الجميع يقولون إنهم يريدون السلام.. فمن الذي أبقى الحرب واقفةً على الباب؟).
وهنا يعود العنوان إلى معناه..
«مسعد بولس في الخرطوم» ليس خبراً عن رجل وصل، وإنما سؤال عن وطن آن له أن يضع كل الأقوال على المحك..
فالأوطان لا تنجو بحسن الخطب، ولا بكثرة البيانات، وإنما بالشجاعة التي تجعل الفعل يسبق المصلحة، وتجعل الإنسان يسبق السياسة.
ولذلك..
لم يعد السودانيون ينتظرون من أحد أن يقنعهم بالكلام..
إنهم ينتظرون أن يروا الحقيقة تمشي على الأرض.
الله غالب.
ومضة أفق الحرف..
ليست أصعب الامتحانات تلك التي تُكتب على الورق.. بل تلك التي تكتبها الشعوب بدموعها، ثم تنتظر من الساسة أن يكتبوا الإجابة بالأفعال.
أفق الحرف..
حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ، ويترفق الأفق باتساعه، فلا يتسع إلا للحق.. لأن الأوطان لا يحفظها صدق الأقوال، وإنما وفاء الأفعال.
