حسابات السلطة والمحاور الإقليمية .. لماذا يرفض الجيش وقف الحرب في السودان؟

1
brhann

“لا يبدو استمرار الحرب في السودان مجرد قرار عسكري معزول، بل يعكس شبكة معقدة من المصالح السياسية والتحالفات الداخلية والحسابات الإقليمية. فبين خطاب الحسم ومطالب وقف القتال، تتكشف معركة أعمق حول مستقبل السلطة، وشكل الدولة، وموقع السودان في خرائط النفوذ الإقليمي والدولي.”

الخرطوم – بلو نيوز

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل المشهد السياسي والعسكري محكوماً بمفارقة شديدة التعقيد؛ طرف يعلن استعداده لوقف القتال والجلوس إلى طاولة التفاوض، في مقابل طرف يرفع شعار “الحسم العسكري” ويرفض أي تسوية قبل ما يصفه بدحر التمرد. وبين الموقفين يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يستمر رفض وقف الحرب، رغم كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية الكارثية؟

لا تبدو الإجابة مرتبطة فقط برغبة قيادة الجيش في الاحتفاظ بالسلطة، بل تتداخل فيها اعتبارات داخلية عميقة تتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية، ومصالح التيار الإسلامي، ومخاوف الانتقال المدني والمحاسبة، إلى جانب حسابات إقليمية ترتبط بدول مؤثرة تنظر إلى السودان باعتباره ساحة حيوية لمصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

داخلياً، يصعب قراءة إصرار قيادة الجيش على مواصلة الحرب بمعزل عن تحالفاتها السياسية، ولا سيما علاقتها بالتيار الإسلامي الذي يرى في الحرب معركة وجودية وفرصة للعودة إلى صدارة المشهد بعد إقصائه عقب ثورة ديسمبر. فبالنسبة لدوائر داخل المؤسسة العسكرية وحلفائها، قد تفتح أي تسوية سياسية متوازنة الباب أمام مسار مدني ديمقراطي يقلص نفوذ العسكريين في السلطة والاقتصاد، وربما يعيد فتح ملفات العدالة والمحاسبة بشأن القرارات التي سبقت الحرب ورافقتها.

أما التيار الإسلامي، فإن الحرب تمثل بالنسبة له أكثر من مواجهة عسكرية؛ فهي مدخل لإعادة إنتاج حضوره السياسي والتنظيمي داخل الدولة. ومع انخراط كتائب محسوبة عليه في القتال إلى جانب الجيش، بات تأثير هذا التيار في القرار السياسي والعسكري أكثر وضوحاً، خاصة في ظل قناعته بأن وقف الحرب دون ضمانات سياسية قد يعني خروجه النهائي من معادلة السلطة.

وتدرك قيادة الجيش وحلفاؤها أن المزاج الدولي، خاصة الأمريكي والغربي، لا يمنح قبولاً واضحاً لعودة حكم عسكري أو إسلامي صريح في السودان. ومن هنا تبدو الحرب، في جانب من جوانبها، محاولة لفرض واقع جديد على الأرض، يتيح للجيش تقديم نفسه باعتباره القوة الوحيدة القادرة على السيطرة، ومن ثم إجبار المجتمع الدولي على التعامل معه كأمر واقع.

في المقابل، تطرح المؤسسة العسكرية نفسها بوصفها الحارس التاريخي للدولة، وترى أن التفاوض مع قوات الدعم السريع كطرف مكافئ قد يمنح شرعية لقوة عسكرية موازية. غير أن هذه الحجة تظل موضع جدل واسع، خاصة أن ترتيبات وقرارات سابقة أسهمت في ترسيخ وضع قانوني وسياسي للدعم السريع، وعمّقت واقع تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة قبل انفجار الحرب.

كما تلعب اعتبارات “الكرامة العسكرية” دوراً مهماً في تمسك الجيش بخيار تحسين موقفه الميداني قبل أي تسوية. فالتفاوض في ظل توازن عسكري أو خسائر ميدانية يُنظر إليه داخل بعض الدوائر العسكرية باعتباره تنازلاً أو انكساراً، الأمر الذي يعزز منطق استمرار القتال إلى حين تحقيق مكاسب يمكن تحويلها لاحقاً إلى أوراق تفاوضية وسياسية.

لكن الحرب السودانية لا تتحرك داخل حدود الداخل وحده. فالسودان، بموقعه الجغرافي الممتد نحو البحر الأحمر وحدوده المفتوحة مع مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا، أصبح ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية، وتداخل الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

تأتي مصر في مقدمة القوى الأكثر ارتباطاً بالملف السوداني، بحكم التاريخ والجغرافيا ومياه النيل. تنظر القاهرة إلى السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وتخشى من أي سلطة في الخرطوم قد تعيد صياغة العلاقة مع إثيوبيا أو تتخذ موقفاً مختلفاً في ملف سد النهضة. كما ترتبط مصالحها الاقتصادية بالسودان عبر الزراعة والماشية والتجارة والحدود، ما يجعلها تميل إلى التعامل مع مؤسسة عسكرية مركزية يمكن التفاهم معها، بدلاً من واقع سياسي جديد غير مضمون الاتجاهات.

أما قطر، فتُقرأ مواقفها في السودان غالباً من زاوية علاقتها التاريخية بتيارات الإسلام السياسي. ووفق هذه القراءة، فإن استمرار الجيش وحلفائه الإسلاميين في المشهد قد يمنح الدوحة هامشاً لاستعادة جزء من نفوذها القديم في السودان، خاصة إذا تمكن هذا التحالف من فرض موقع متقدم في أي تسوية سياسية قادمة.

وتنظر تركيا إلى السودان من زاوية جيوسياسية واقتصادية أوسع، ترتبط بالبحر الأحمر، والاستثمارات الزراعية والعسكرية، والاتفاقيات السابقة التي تعود إلى عهد الرئيس السابق عمر البشير، وفي مقدمتها مشروع سواكن. ومن هذا المنظور، فإن بقاء الجيش وحلفائه في السلطة قد يفتح الباب أمام إعادة تفعيل نفوذ أنقرة القديم، وتعزيز حضورها في منطقة استراتيجية بالغة الحساسية.

أما السعودية، فتتعامل مع السودان من موقع بالغ التعقيد؛ فهي معنية بأمن البحر الأحمر، وتدفقات الهجرة، ومسارات التجارة، ومنع تمدد الفوضى إلى محيطها الحيوي. ورغم رعايتها لمسارات تفاوضية سابقة، فإن توازنات الإقليم وتشابك المصالح تجعل موقفها محكوماً بحسابات أمنية وسياسية دقيقة، لا تنفصل عن صراع النفوذ في البحر الأحمر والمنطقة العربية.

في ضوء ذلك، تبدو الحرب السودانية أكبر من مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع. إنها صراع على شكل الدولة المقبلة، وعلى الجهة التي تملك حق تمثيل السودان داخلياً وخارجياً، وعلى موقع البلاد في خرائط النفوذ الإقليمي. وكلما طال أمد الحرب، تعمقت كلفتها على المدنيين، وتراجعت فرص بناء دولة مستقرة، وتحول السودان أكثر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية.

إن وقف الحرب لا يتطلب قراراً عسكرياً فحسب، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تقطع مع أوهام الحسم الكامل، وتفتح الباب أمام تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها. فالحسم العسكري، حتى إن تحقق لطرف، لن ينتج سلاماً دائماً، بل قد يؤسس لدورة جديدة من العنف والانقسام. أما الطريق الوحيد لإنقاذ السودان، فيبدأ بوقف إطلاق النار، وفتح مسار سياسي شامل، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تستوعب الجميع، وتضع مصلحة السودانيين فوق حسابات السلطة والمحاور الإقليمية.

What do you feel about this?