مبادرة أممية لتبادل الأسرى تضع أطراف حرب السودان أمام اختبار إنساني وسياسي قاسٍ
“فتحت الأمم المتحدة نافذة إنسانية ضيقة في جدار الحرب السودانية عبر مبادرة لتبادل الأسرى بين الجيش وقوات الدعم السريع، تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. غير أن تباين المواقف، وغياب القوائم الموثقة، والخلاف حول شمول المدنيين، يضع أطراف النزاع أمام اختبار قاسٍ.”
وكالات – بلو نيوز
أعادت الأمم المتحدة فتح نافذة ضيقة في جدار الحرب السودانية، بعدما طرح مبعوث الأمين العام، بيكا هافستو، في يونيو الماضي، مبادرة لتبادل الأسرى بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في خطوة لم تُقدَّم باعتبارها حلاً سياسياً، بقدر ما طُرحت كالتزام إنساني عاجل يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، وتضطلع فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور الوسيط المحايد.
وأعلنت سلطة بورتسودان، على لسان وزير خارجيتها، موافقتها على المبادرة واستعدادها للتعاون الكامل مع مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكدة أن أي عملية تبادل يجب أن تتم وفق الأطر القانونية المنظمة، وبما يكفل المعاملة الإنسانية للمحتجزين.
في المقابل، قوبل الموقف الرسمي بصمت من قيادة قوات الدعم السريع، بينما قدّم تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، المرتبط بها، موقفاً محسوباً، إذ وصف المتحدث الرسمي باسم التحالف، أحمد تقد لسان، المبادرة بأنها “استحقاق إنساني تأخر كثيراً”، لكنه اشترط أن تكون جزءاً من مسار أوسع يقود إلى تهدئة ميدانية، وصولاً إلى عملية سياسية تنهي النزاع.
ولم يخلُ موقف “تأسيس” من إبداء الاستغراب تجاه ترحيب سلطة بورتسودان بالمبادرة، في إشارة إلى مواقفها السابقة من مبادرات الهدنة ووقف إطلاق النار، بما يعكس حجم انعدام الثقة بين أطراف الحرب، حتى في الملفات ذات الطابع الإنساني.
ومن زاوية حقوقية، دفعت مجموعة “محامو الطوارئ” بالمبادرة إلى أفق أوسع، مرحبة بها كخطوة أولى لتخفيف المعاناة وبناء قدر من الثقة بين الأطراف، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن حصرها في العسكريين وحدهم قد يفرغها من مضمونها الإنساني الأوسع.
وطالبت المجموعة بإطلاق فوري للمدنيين المحتجزين تعسفياً أو عبر بلاغات جنائية، معتبرة أن ملف المدنيين المحتجزين والمخفيين قسرياً يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق إنساني ذي مصداقية.
وفي خضم هذه المواقف المتقاطعة، تبرز اللجنة الدولية للصليب الأحمر كحلقة وصل حاسمة يمكن أن تنقل الترحيب النظري بالمبادرة إلى خطوات عملية على الأرض. فقد كثفت اللجنة تحركاتها الدبلوماسية والميدانية، معلنة استعدادها للاضطلاع بدور الوسيط المحايد في تبادل القوائم، وتنظيم عمليات النقل، وزيارة أماكن الاحتجاز، والوقوف على أوضاع المحتجزين وتوثيقها، إلى جانب تسهيل استعادة الروابط العائلية بين الأسرى وذويهم.
ولا يبدو هذا الدور جديداً على اللجنة الدولية، إذ سبق أن أشرفت على عمليات تبادل محدودة منذ اندلاع الحرب، وهو رصيد يمنحها قدراً من القبول في بيئة تتآكل فيها الثقة بين أطراف النزاع يوماً بعد آخر.
غير أن هذا الحراك الإنساني يصطدم بجملة من العقبات التي تفسر استمرار التعثر حتى الآن. وتتمثل أولى هذه العقبات في الفراغ المعلوماتي، إذ لا توجد قوائم متبادلة وموثقة بأعداد وأسماء المحتجزين، بينما تتوزع أماكن الاحتجاز على جغرافيا واسعة، وتدار في كثير من الأحيان بعيداً عن سلطة مركزية واضحة، وسط اتهامات متبادلة بالإخفاء القسري.
وتضاف إلى ذلك الحسابات الأمنية المعقدة، فأي عملية تبادل تستدعي وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار وتأمين ممرات آمنة، وهو ما يثير مخاوف الطرفين من استغلال الهدنة عسكرياً، أو إعادة المفرج عنهم سريعاً إلى ساحات القتال.
كما يعمّق الخلاف حول نطاق المبادرة حالة الجمود؛ ففي حين تتمسك سلطة بورتسودان بطابعها الإنساني المحدود بالعسكريين، يدفع تحالف “تأسيس” والمنظمات الحقوقية نحو توسيعها لتشمل المدنيين، وربطها بمسار تهدئة أوسع يفتح الباب أمام عملية سياسية. ويحوّل هذا التباين المبادرة من خطوة إجرائية محددة إلى ملف تفاوضي معقد.
ويظل غياب آليات رقابة وضمانات مستقلة أحد أبرز عوامل الهشاشة، إذ يمكن لأي اتفاق محتمل أن ينهار عند أول اتهام متبادل بخرق الترتيبات، ما لم تُصمم آلية محايدة وواضحة لمتابعة التنفيذ، والتحقق من القوائم، وضمان سلامة المفرج عنهم، ومعالجة أي خروقات محتملة.
وتقف المبادرة الأممية اليوم عند مفترق بالغ الحساسية؛ فإما أن تنجح في ترسيخ قاعدة إنسانية مفادها أن حياة المحتجزين ومصيرهم يمكن أن يُفصلا عن منطق الحرب، وتتحول إلى مدخل للكشف عن مصير المفقودين وتوسيع الوصول الإنساني، وإما أن تتعثر لتؤكد أن منطق القتال لا يزال يعلو على أي التزام إنساني.
وبين فرص النجاح ومخاطر الانهيار، تبقى آلاف العائلات السودانية أسيرة الانتظار، في ظل غياب إجابات واضحة عن مصير أبنائها، وحاجة ملحة إلى إرادة سياسية وإنسانية تكسر حلقة الصمت والاحتجاز، وتفتح ثغرة في جدار الحرب الطويلة.
صحيح السودان
