الضربة التي أصابت العمق .. كيف ستنجو منظومة الصناعات الدفاعية من عقوبات واشنطن؟
وكالات – بلو نيوز
تختلف العقوبات الدولية في وظيفتها بقدر اختلافها في أدواتها. فبعضها لا يتجاوز كونه بياناً سياسياً يُراد منه التذكير بموقف، وبعضها الآخر يُبنى ليعيد تشكيل سلوك النظام المستهدف عبر تجفيف الشرايين التي يتنفس منها اقتصادياً وأمنياً.
بالنظر إلى الحزمة التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في نهاية يونيو الماضي تجاه السودان نجد أنها تنتمي، بحسب قراءة مدققة لتفاصيلها، إلى الصنف الثاني، بمعني أنها انتقال من الضغط الدبلوماسي المتقطع إلى محاولة ممنهجة لتفكيك الشبكات التي حوّلت الحرب إلى مشروع اقتصادي قائم بذاته.
الخطأ في تقدير الخطر
للوهلة الأولى يبدو أن أثر هذه العقوبات محدود، فمنع شركات طيران حكومية سودانية لا تملك أصلاً رحلات مباشرة إلى الولايات المتحدة من العمل هناك، أو معارضة قروض دولية لبلد يعيش انهياراً اقتصادياً متعدد الأوجه أصلاً. غير أن هذا التقدير يقيس العقوبات بمنطق الأثر الفوري، بينما هي مصممة لتعمل عبر منطق تراكمي بطيء، شبيه بالخنق التدريجي لا بالضربة الواحدة.
فوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إضافة إلى إعلانه عن قائمة أسماء؛ فهو ربط العقوبات صراحة بمسعى دفع الأطراف نحو هدنة إنسانية غير مشروطة لثلاثة أشهر، محذراً من أن الشبكات التي تجني أرباحاً طائلة من استمرار القتال هي بالضبط ما يعرقل تلك الهدنة.
لعل هذه الصياغة تكشف عن قراءة أمريكية دقيقة للصراع تتجاوز الثنائية المعتادة بين “جيش شرعي” و”تمرد مسلح”، إذ وضع البيان الرسمي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، واصفا المشهد بطرفان يطيلان أمد الحرب عبر شبكات توريد وتجنيد عابرة للحدود.
من الذي استهدفته العقوبات؟
القائمة التي أصدرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC (Office of Foreign Assets Control)
مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، هذا المكتب هو الجهة المسؤولة عن فرض وإدارة العقوبات الاقتصادية والمالية الأمريكية على الدول والأفراد والكيانات.
بتاريخ 26 يونيو ضربت العقوبات حلقة الإمداد العسكري في عمقها الصناعي. فمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية التي تقف خلفها الحركة الإسلامية الإرهابية، والتي تُعد أكبر مؤسسة دفاعية في البلاد وتسيطر على تكتل مجموعة جياد الصناعية عبر هياكل ملكية معقدة، ظلت منذ عقوبات يونيو 2023 المصدر الرئيسي لتسليح الجيش وصيانة عتاده القادم غالباً من إيران وجهات خارجية أخرى.
الجديد هذه المرة هو استهداف دقيق للحلقات التابعة لها مثل شركة “تارجت مولتي أكتيفيتيز” (TMAC)
TMAC = Target Multi Activities Company أو شركة تارجت متعددة الأنشطة، الخاضعة لسيطرة منظومة الصناعات الدفاعية عبر مجموعة جياد، والتي يديرها العميد طارق حسين محمد مدني (ينتمي للدفعة 43 كلية حربية وبدء عمله بالجيش السوداني كضابط كمسؤول عن المخازن في إدارة هامشية بالجيش تعني بصيانة الأسلحة وتخزين الذخائر وتم نقله لاحقا إلى منظومة الصناعات الدفاعية نظرا لإنتماءه لتنظيم الحركة الإسلامية)، اتُهمت باستيراد أكثر من مئتي شحنة متفجرات منذ عام 2024 من الشركة الهندية “SBL Energy” التي يرأسها ألوك شودهاري الذي طالته العقوبات أيضاً؛ وردت مواد دخلت لاحقاً في تصنيع القنابل التي استخدمها الجيش في عملياته.
وإلى جانبها، طالت العقوبات شركة “بورتس إنجينيرنغ”، المملوكة لمؤسسات حكومية سودانية، بسبب استيرادها مهمات استخباراتية وأحزمة ذخيرة من مورد تركي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
إن هذا التسلسل من المؤسسة الأم إلى الشركة التابعة له ومن ثم إلى المورد الأجنبي، يعكس منهجية جديدة في الاستهداف عبر رسم خريطة كاملة لسلسلة القيمة العسكرية إضافة إلى مطاردة شركة بعينها بصورة محددة بدقة متناهية.
نقلة نوعية
إلى جانب عقوبات الشبكات، أعلنت واشنطن يوم 27 يونيو الماضي دخول العقوبات المفروضة بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية مرحلتها الثانية، وتشمل معارضة القروض والمساعدات الفنية من المؤسسات المالية الدولية، وتشديد قيود التصدير الأمريكية، وحظر تشغيل شركات الطيران الحكومية السودانية داخل الولايات المتحدة.
من الناحية العملية، يبدو أن الأثر المباشر لبند الطيران ضئيل لغياب الرحلات المباشرة أصلاً. لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة قانونية وسياسية أكثر منها تشغيلية، فهي تنقل الملف السوداني من خانة “دولة تعاني حرباً أهلية” إلى خانة أشد حساسية، هي الدول المتهمة باستخدام سلاح محظور دولياً.
وبالتأكيد أن هذا التصنيف يغيّر قواعد التفاوض؛ فالعقوبات الاقتصادية التقليدية قابلة للتخفيف عبر تسويات سياسية، أما الوصمة المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل فتترك أثراً أطول عمراً في حسابات البنوك وشركات التأمين والموردين العالميين، الذين يقيّمون المخاطر بمنطق السمعة والامتثال أكثر مما يقيّمونها بنص العقوبة نفسه.
بعبارة أخرى، قد لا تتوقف حركة الطيران أو الاستيراد فوراً، لكن كلفة كل معاملة، تأميناً وتمويلاً وصيانة مرشحة للارتفاع تدريجياً، وكل قناة تجارية متبقية ستصبح أكثر هشاشة.
اقتصاد الحرب
فهم هذه العقوبات يتطلب تجاوز قراءتها كعقاب لأفراد بعينهم، والنظر إليها كتشخيص لبنية حكم بأكملها. فمنظومة الصناعات الدفاعية التي يسوق لها نظام الحركة الإسلامية الإرهابية على أنها مجرد جهة تصنيع عسكري، هي في الواقع نموذج صارخ لما يصفه بعض الباحثين في الاقتصاد السياسي بـ”الدولة العسكرية-التجارية”، حيث يذوب القرار الأمني في المصلحة التجارية إلى حد يصعب معه الفصل بينهما، وفي هذا النموذج، يتحول استمرار القتال من ضرورة أمنية إلى مصدر ربح ونفوذ لحلقة ضيقة من النخب، بينما يصبح وقف الحرب مكلفاً لهذه الحلقة تحديداً، لأنه يعني تفكيك شبكات الربح المبنية على التسليح والنقل والمقاولات العسكرية.
ولذلك، فإن الرسالة السياسية وراء استهداف شركات مثل TMAC وبورتس إنجينيرنغ تتجاوز وبدون شك قيمتها المالية المباشرة.
إن واشنطن تُظهر أنها رسمت خريطة تفصيلية لمن يمول الحرب وكيف تُدار شبكاته، وبدأت تستهدف بنيته العميقة لا واجهاته الشكلية فقط.
عزلة تراكمية
يتبادر للذهن تساؤل عما إذا كانت هذه العقوبات قادرة على اسقاط السلطة في بورتسودان، فالعقوبات نادراً ما تفعل ذلك مباشرة، إلا أن النظرة الواقعية تبين بوضوح أن العقوبات قادرة على أن ترفع تدريجياً كلفة بقائها.
فكل شهر إضافي من الحرب يعني صعوبة أكبر في شراء السلاح، وتعقيداً متزايداً في التمويل، وهامشاً دبلوماسياً أضيق للمناورة. إن هذا النمط الذي تتبعه واشنطن في هذا الملف يتسق مع سلوكها المعتاد في ملفات مشابهة، ومتسق مع أسلوب البناء التدريجي للأساس القانوني والسياسي قبل التصعيد، والبعد عن القفزات المفاجئة نحو أقصى العقوبات.
والانتقال من استهداف أفراد إلى استهداف شبكات، ثم إلى تفعيل تشريع الأسلحة الكيميائية، وهذا بالمجمل يشير إلى أن الملف السوداني يسير على منحنى تصاعدي، لا إلى استقرار أو تراجع.
العطب الأعمق
خلف الأرقام والكيانات المدرجة تكمن مشكلة أكثر جوهرية وتأثير وهي أزمة الشرعية. حيث تسعى سلطة بورتسودان جاهدة إلى الاستناد لشرعية السيطرة العسكرية والإدارية على مؤسسات الدولة، إلا أن مبدأ الشرعية في النظام الدولي المعاصر لا تُقاس بالسيطرة الميدانية إضافة إلى الاعتراف السياسي والأخلاقي الذي يمنحه المجتمع الدولي.
وحين تصف قوة دولية فاعلة بحجم الولايات المتحدة شبكات مرتبطة بمؤسسات الدولة السودانية بأنها جزء من منظومة تُطيل أمد الحرب وتعرقل السلام، فإن الضرر يتجاوز الحساب الاقتصادي إلى صميم السردية السياسية التي تحاول السلطة الحاكمة تسويقها لذاتها.
وهذا النوع من التآكل غالباً ما يثبت أنه أصعب على الأنظمة السلطوية من تحمّل الفقر أو العزلة المالية.
تكشف العقوبات الأمريكية حجم التآكل العميق الذي أصاب الدولة السودانية بعد عقود من تغوّل المنظومة الأمنية على المجالين السياسي والمدني.
فوصول السلطة الحاكمة إلى مرحلة يُناقَش فيها ملفها ضمن سياق العقوبات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية وشبكات التهريب واقتصاد الحرب يعكس مساراً طويلاً من الانحدار المؤسسي وفقدان الشرعية.
فعلى مدى سنوات، أُعيد تشكيل الدولة وفق معادلات القوة والولاء والسلاح، فتآكلت المؤسسات، وضاقت مساحات العمل السياسي، وترسخت بنية حكم جعلت من السيطرة الأمنية أداتها الأساسية للبقاء.
ومع كل أزمة، جرى تكريس العنف كوسيلة للحسم، إلى أن تحول تدريجياً إلى جزء أصيل من البنية الحاكمة نفسها، لا مجرد أداة ظرفية تُستخدم عند الضرورة.
لذلك، فإن أي وقف لإطلاق النار، مهما بلغت أهميته الإنسانية، لن يكون كافياً لمعالجة جوهر الأزمة ما لم يصاحبه مشروع تأسيسي يعيد بناء الدولة على أسس الشرعية المدنية والمساءلة وسيادة القانون. فالصراع في السودان تجاوز منذ زمن حدود المواجهة العسكرية المباشرة، وأصبح صداماً بين تصورين متعارضين للدولة؛ دولة تحكمها المؤسسات والمصلحة العامة، وبنية مسلحة أعادت تشكيل مؤسسات الدولة لخدمة استمرار نفوذها.
صحيح السودان
