دفتر حسابات الإخوان: التمويل الموازي والاقتصاد الإسلامي في السودان

1
isla

وكالات – بلو نيوز

عندما أُطيح بعمر البشير في أبريل/نيسان 2019 بعد ثلاثين عاماً من الحكم الإسلامي، سارعت الحكومة الانتقالية السودانية إلى تفكيك البنية الاقتصادية التي كانت تستند إليها سلطته. فصودرت الأصول، وأُدين عدد من الشخصيات الرئيسية، وشُكِّلت لجنة رسمية لتفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، أوكلت إليها مهمة تتبع الشبكات المالية للحركة الإسلامية السودانية عبر مؤسسات الدولة. وما كشفته تلك العملية لم يكن مجرد فساد، بل نظاماً متكاملاً لاختطاف الدولة: شبكة متعددة الطبقات من الشركات، والأصول الخارجية، وقنوات المحسوبية، صُممت بعناية للحفاظ على سيطرة الحركة الإسلامية على الاقتصاد المنتج في السودان، بغض النظر عمّن يتولى السلطة رسمياً.

لكن الانقلاب العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 2021، الذي استهدف الحكومة الانتقالية المدنية، أطاح بمعظم ما تحقق من تلك العملية. فقد أعاد إلى الواجهة شخصيات سبق إدانتها، وردّ إليها الأصول المصادرة، وأعاد دمج الشبكات نفسها التي سعت الفترة الانتقالية إلى تفكيكها داخل أجهزة الدولة.

ومنذ أبريل 2023، يعيش السودان حرباً مدمرة خلّفت كارثة إنسانية غير مسبوقة؛ إذ تجاوز عدد النازحين 12 مليون شخص، وامتدت المجاعة إلى عدة ولايات، بينما قُتل عشرات الآلاف. ومع ذلك، لا تزال البنية المالية للإسلام السياسي تعمل بكفاءة، محمية بقيادة عسكرية تعتمد عليها في توفير التمويل، والكوادر، والامتداد المؤسسي الذي تعجز عن إنتاجه بنفسها.

عبد الباسط حمزة والأخطبوط المالي

لا يجسد عمق واستمرارية المنظومة المالية للحركة الإسلامية السودانية أحد بقدر ما يجسدها عبد الباسط حمزة الحسن محمد خير.

خلال عهد البشير، شغل حمزة منصب رئيس مجلس إدارة شركة سوداتل، أكبر شركة اتصالات في السودان، وفي الوقت نفسه أسس واحدة من أوسع الإمبراطوريات الاقتصادية الخاصة في البلاد، امتدت إلى العقارات، والنفط، والأراضي، والذهب، والخدمات المالية. وقدرت تحقيقات سودانية أجريت عند اعتقاله قيمة أصوله بمليارات الدولارات.

لم يكن مجرد رجل أعمال استفاد من نظام سياسي مواتٍ، بل كان يمثل عقدة مركزية في الاستراتيجية الاقتصادية للحركة الإسلامية، يدير تدفقات مالية امتدت إلى ما وراء الحدود السودانية.

في 18 أكتوبر 2023، صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) عبد الباسط حمزة بوصفه إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص (SDGT)، لدوره في إدارة شركات ضمن المحفظة الاستثمارية السرية لحركة حماس، وغسل الأموال، وتوليد الإيرادات لصالحها.

وأكد القرار أنه شارك بصورة مباشرة في تحويل ما يقارب 20 مليون دولار إلى حركة حماس، بما في ذلك مبالغ حُولت إلى ممول الحركة البارز ماهر جواد يونس صلاح، الذي سبق أن أدرجته الخزانة الأمريكية على قوائم العقوبات عام 2015.

وبعد تسعة أيام، في 27 أكتوبر، وسّعت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات لتشمل ثلاث شركات يملكها أو يديرها حمزة، هي:

مجموعة الزوايا للتنمية والاستثمار المحدودة (السودان). مجموعة الزوايا للتنمية والاستثمار (إسبانيا). شركة لاريكوم للاستثمار (السودان).

واعتبرتها جميعها أدوات ضمن المحفظة الاستثمارية السرية العالمية لحركة حماس.

كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات متزامنة على مجموعة الزوايا، واصفاً إياها صراحة بأنها شركة واجهة تُستخدم لتسهيل التدفقات المالية لحماس.

كذلك أكد كل من الحكومة البريطانية وبرنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الذي رصد مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل شبكاته المالية، حجم نشاطه في تمويل الإرهاب.

وأضاف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أن حمزة يرتبط منذ سنوات بتنظيم القاعدة وبشركات كانت على صلة بأسامة بن لادن خلال فترة إقامته في السودان في تسعينيات القرن الماضي.

كما كشفت تسريبات إعلامية أن حمزة، عبر مجموعة الزوايا، امتلك حصصاً في شركة Matz Holdings المسجلة في قبرص، والتي حصلت على امتيازات مربحة للتنقيب عن الذهب في مصر.

وأظهرت الوثائق امتلاكه أصولاً بعشرات الملايين من الدولارات، مع احتفاظه بحصة تبلغ 10% حتى بعد بيعه جزءاً كبيراً من أسهمه قبل يوم واحد فقط من سقوط البشير في أبريل/نيسان 2019، وهي صفقة تشير في حد ذاتها إلى امتلاكه معلومات مسبقة عن قرب انهيار النظام.

كما امتلك عقارات في إسبانيا عبر شركة أخرى أُدرجت لاحقاً ضمن الجولة الثانية من العقوبات الأمريكية.

وقال محمد الفكي سليمان، الرئيس المناوب السابق للجنة إزالة التمكين، لشبكة CNN إن محفظة حمزة الاستثمارية شملت النفط، والفنادق، والتسويق، والمقاولات، إضافة إلى استحواذه غير المشروع على ملايين الأفدنة من الأراضي.

وأكد الفكي أن اللجنة أبلغت السلطات الأمريكية والأوروبية منذ عام 2019 بوجود أصول خارجية بمئات الملايين من الدولارات، إلا أن تلك الحكومات لم تتحرك إلا بعد أحداث السابع من أكتوبر.

سوداتل كمركز عصبي: البنية المؤسسية للتمويل الإسلامي

لم يكن دور شركة سوداتل في الاقتصاد السياسي السوداني مقتصراً على قطاع الاتصالات.

ففي عهد البشير، تحولت إلى مركز رئيسي لتراكم رأس المال الإسلامي، باعتبارها شركة مرتبطة بالدولة، تداخلت قيادتها مع شبكات الحركة الإسلامية، بينما استخدمت هياكلها الاستثمارية الخارجية كقنوات لاستخراج الثروة وتحويلها.

وكشفت تقارير عن تحالفات بين قيادات سوداتل، بمن فيهم رئيس مجلس الإدارة السابق عبد العزيز عثمان، وشخصيات مثل عبد الباسط حمزة، من خلال ترتيبات معقدة للأسهم واستثمارات مررت عبر شركات خارجية مثل Expresso وLarrycom.

وقد سمحت هذه الهياكل بإعادة تدوير عائدات قطاع الاتصالات داخل شبكات مالية موازية للحركة الإسلامية، امتدت إلى البنوك، والاستيراد، والعقارات، مع احتفاظ سوداتل في الوقت نفسه بصورة شركة عامة مدرجة تمارس نشاطاً مشروعاً.

وجاء انقلاب 2021 ليضمن بقاء هذه المنظومة دون تفكيك.

فعبد الباسط حمزة، الذي اعتُقل عام 2019، وأُدين في قضايا فساد وغسل أموال، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات، وصودرت أصول تقدّر بنحو 1.2 مليار دولار، أُفرج عنه في عام 2021، وأُلغيت قرارات مصادرة ممتلكاته.

ووفقاً لتقارير استندت إلى مصادر أمنية في القاهرة، انتقل لاحقاً إلى مصر، حيث خضع لتحقيقات أمنية من قبل السلطات المصرية، دون أن توجه إليه أي اتهامات جنائية داخل مصر.

وتُظهر هذه الوقائع صورة مختلفة عن رجل أعمال فرّ من العدالة؛ إذ تشير إلى أن حمايته وترتيب خروجه من السودان جرى بصورة منظمة.

وتفيد تلك الروايات بأن الفريق عبد الفتاح البرهان لعب دوراً في تأمين إطلاق سراح حمزة وتسهيل مغادرته البلاد.

وتؤكد العقوبات الأمريكية، والإجراءات الأوروبية الموازية، والتحقيقات المصرية المستمرة، أن الشبكة المالية التي كان يديرها حمزة بقيت فاعلة طوال الفترة الانتقالية وبعدها.

إمبراطورية الفساد

تكشف الإمبراطورية المالية المستمرة لعبد الباسط حمزة، والمنظومة الاقتصادية الأوسع للحركة الإسلامية السودانية، أن البنية الاقتصادية للإسلاميين لم تكن مجرد نتاج لحكم عمر البشير، بل كانت نظاماً متماسكاً صُمم بعناية لاختطاف الدولة والاستمرار بعد سقوط أي نظام سياسي.

وقد أدى التراجع السريع عن إصلاحات الفترة الانتقالية عقب انقلاب 2021، وإعادة دمج الشبكات الخاضعة للعقوبات، واعتماد المؤسسة العسكرية المستمر على شبكات المحسوبية هذه، إلى إبراز مدى تجذر هذا الاقتصاد الموازي، حتى في ظل الحرب، والنزوح الجماعي، والمجاعة.

وتُعد حالة عبد الباسط حمزة مثالاً واضحاً على ذلك؛ فهو رجل أعمال جمع بين قيادة قطاع الاتصالات، والاستثمارات الخارجية، ومشروعات الذهب، والدعم المالي

 

ترجمة – صحيح السودان

What do you feel about this?