تفكك السيادة النقدية في بورتسودان: من أزمة سيولة عابرة إلى تصدع بنيوي في الهيكل الاقتصادي

1
bank

تقرير – صحيح السودان

نشرت منصة  Africa Intelligenceمؤخراً تقريراً بعنوان “حميدتي يتحدى قبضة بورتسودان الخانقة على العملة” الإثنين الماضي، يتناول الخطوة التي اتبعها تحالف تأسيس بطرح عملة جديدة للتداول في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع والقوات المتحالفة معها، في خطوة تشير إلى عمق الأزمة في السودان وواقع التقسيم الذي تعيشه البلاد.

لا يحتاج المرء إلى كثير جهد ليدرك حجم ما يجري؛ فالتقرير يؤكد ما باتت مؤشرات الميدان تفصح عنه يومًا بعد آخر، إذ إن حكومة “تأسيس” المتمركزة في نيالا تسعى إلى تقويض ما تبقى من احتكار سلطة بورتسودان للنظام النقدي عبر إرساء بنية مالية موازية مكتملة الأركان.

وهذا التطور، في جوهره، لا يقل خطورة عن أي تحول عسكري شهدته الحرب منذ اندلاعها.

تآكل ركيزة السيادة النقدية

تقوم شرعية الدولة الحديثة على ثلاث ركائز متلازمة، احتكار العنف المشروع، والقدرة على الجباية، والسيطرة على إصدار النقد. وما تشهده سلطة بورتسودان اليوم من سحب متكرر لفئات نقدية كبرى ومحاولات حثيثة لخنق السيولة في مناطق الخصوم يعكس ضعفاً وانهياراً مؤسسياً متراكماً؛ ذلك أن الدولة الواثقة من تماسك جهازها المصرفي نادراً ما تلجأ إلى تغيير عملتها في خضم حرب مفتوحة، إلا حين تفقد فعلياً قدرتها على ضبط الكتلة النقدية.

وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن نحو تسعين بالمئة من الكتلة النقدية السودانية باتت اليوم خارج النظام المصرفي الرسمي بالكامل، وهي نسبة تكفي وحدها لتلخيص حجم الانفلات والفوضي الضاربة بأطنابها في المنظومة الإقتصادية  للدولة.

تآكل الاقتصاد الحقيقي قبل انهيار العملة

إن تمسك سلطة بورتسودان شكليًا بمقاليد المؤسسات الرسمية لا يعكس بالضرورة سيطرة اقتصادية فعلية. فالعاصمة الخرطوم، التي كانت تشكل قلب النشاط الصناعي والتجاري، خرجت من المعادلة الإنتاجية بحكم الدمار؛ ودارفور وكردفان تخضعان لاقتصاد حرب لا اقتصاد دولة؛ وخطوط الإمداد التي كانت تربط الموانئ بالأسواق الداخلية تمزقت إلى حد بعيد.

ونتيجة لذلك، تقلصت القاعدة الضريبية التي تستند إليها سلطة بورتسودان تقلصاً حاداً. وبينما واصل الإنتاج الزراعي والصناعي انكماشه، اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي بصورة غير مسبوقة، ما كشف بوضوح أن الدولة تدير حكومة، لكنها لم تعد تدير اقتصاداً وطنياً متكاملاً.

وبينما واصل الإنتاج الزراعي والصناعي انكماشه، استمرت الفجوة الهائلة بين السعر الرسمي للدولار، الذي لا يزال ثابتًا عند 445.39 جنيهًا حتى أواخر يونيو الماضي وفق آخر تعاملات بنك السودان المركزي، وسعره الفعلي في السوق الموازية الذي تأرجح خلال الأسبوع نفسه بين 4800 و5200 جنيه، بعد أن كان قد تجاوز حاجز 5500 جنيه في وقت سابق من الشهر؛ أي إن الفارق بين السعرين يبلغ اليوم أكثر من أحد عشر ضعفًا، وهو ما يكشف بجلاء أن “السعر الرسمي” لم يعد سوى رقم اسمي مجرد من أي قيمة فعلية في حركة التداول اليومي.

الانهيار بالأرقام لا بالانطباع

إن الجنيه السوداني، الذي استقر عند نحو 600 جنيه للدولار عشية اندلاع الحرب في أبريل 2023، بات لا يحتفظ بأي قدرة تُذكر على قياس القيمة؛ إذ تجاوز سعره في السوق الموازية حاجز 5500 جنيه للدولار وفق ما رصدته شبكة سكاي نيوز عربية، بعد أن كان كسر حاجز 4400 جنيه في التاسع من يونيو الماضي حسبما أفاد متعاملون في السوق الموازي. وبهذا فإن العملة فقدت خلال أقل من ثلاث سنوات أكثر من تسعين بالمئة من قيمتها الاسمية.

ولم يقتصر التدهور على السوق السوداء؛ إذ أقدمت سلطة بورتسودان مؤخرًا على رفع قيمة الدولار الجمركي بنحو 300 جنيه ليبلغ 3517 جنيهًا، في خطوة يرى مراقبون أنها ستنعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينذر بموجة تضخمية جديدة.

ويُضاف ذلك إلى معدل تضخم بلغ – وفق تقدير نشرته صحيفة سودانايل الإلكترونية ضمن قراءة تحليلية لمسار انهيار الجنيه، استند فيها كاتبها إلى مقارنات مع تجارب دولية مماثلة – نحو أربعمئة بالمئة خلال أربعة وعشرين شهرًا فقط، أي بوتيرة تفوق ما استغرقته زيمبابوي للوصول إلى تضخم يُقاس بمليارات النقاط المئوية عام 2008.

ولا تقف كلفة هذا الانهيار عند حدود الأرقام المجردة، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها؛ فدخل الأستاذ الجامعي، الذي كان يعادل نحو 267 دولارًا قبيل الحرب، لم يعد يتجاوز 34 دولارًا مطلع عام 2026. وحين ترتفع كلفة الوجبة الشعبية الأساسية — وهي عادة وجبة بسيطة كالفول أو الطعمية، تُستخدم في التقارير الاقتصادية كمؤشر مرجعي لقياس القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود — من 400 جنيه إلى 3500 جنيه، بزيادة تقارب 775%، فإن هذا التراجع يرتقي، في جوهره، إلى مرتبة المصادرة الفعلية للقوة الشرائية.

ويأتي ذلك متزامنًا مع انهيار الوظائف الثلاث التي تقوم عليها أي عملة وطنية: مخزن القيمة، ووحدة الحساب، ووسيط التبادل.

مواجهة عسكرية وحصار مالي

تحول الرهان الاستراتيجي لحكومة “تأسيس” بشكل لافت؛ فبعد أن كانت المعركة الأولى تدور حول السيطرة الميدانية واستنزاف الجيش، انتقلت الجبهة الفعلية إلى ميدان آخر أكثر دقة ولا يقل أهمية عن ميدان الحرب.

فتم إنشاء تطبيقات تحويل مالي، وشبكات دفع رقمية، وقنوات سيولة موازية تمر عبر الذهب والتجارة الحدودية، بما يقلص الاعتماد التدريجي على الجهاز المصرفي الرسمي.

ولا تخفى خطورة هذا التحول، إذ يقوم على فرضية مفادها أن إسقاط سلطة بورتسودان لا يستلزم بالضرورة اقتحامها عسكرياً، بل يكفي فقط حرمانها من آخر أداة تحاول التمسك بها، واهمةً أنها لم تفقدها بعد ثقة المواطن بعملته الوطنية.

أزمة ثقة لا أزمة أوراق نقدية

إن الأزمات النقدية الكبرى تبدأ، تاريخيًا، ليس حين تنفد الأوراق النقدية من الخزائن، بل حين تنفد الثقة من وجدان المتعاملين. وما يعيشه السودان اليوم يحمل ملامح هذا النمط بوضوح؛ فهناك شح متصاعد في السيولة، وتوسع غير مسبوق في السوق الموازية، وتعدد فعلي في أسعار الصرف بين بورتسودان ونيالا، وهو ما يعكس انقسامًا حقيقيًا وغير مسبوق تاريخيًا في السوق النقدية ذاتها، إلى جانب ضعف متراكم في منظومة التحويلات البنكية الرسمية.

ولعل احتفاظ المواطن السوداني بمدخراته في صورة ذهب أو دولار أو عبر قنوات تحويل غير رسمية بدلًا من الجهاز المصرفي الحكومي يشكل، في أي قراءة اقتصادية رصينة، مؤشرًا على تفكك مالي متسارع لا يمكن وقفه بإجراءات إدارية متأخرة كسحب فئات نقدية أو رفع رسوم جمركية.

تواجه سلطة بورتسودان المتداعية اليوم ضغطًا ثلاثي الأبعاد يتمثل في تراجعٍ متسارعٍ في الإيرادات الداخلية مقابل عجز مالي متصاعد، واستنزافٍ عسكري ممتد لا يلوح له أفق قريب، وبطءٍ ملحوظ في إعادة الاندماج بالمنظومة المالية الدولية في ظل تحفظات غربية واضحة على التعامل الكامل مع السلطة القائمة.

وإذا كانت تجارب مماثلة في زيمبابوي ولبنان قد أثبتت أن تثبيت سعر الصرف بالقوة الإدارية دون معالجة العجز الهيكلي العميق لا يفعل سوى مضاعفة كلفة الانهيار لاحقًا، فإن المسار السوداني الراهن يسير في الاتجاه نفسه بوتيرة أشد حدة.

إن ما يجري بين طرفي الصراع السوداني يتعدى كونه مناورة اقتصادية عابرة، إذ بات هجومًا مباشرًا على آخر أعمدة وهم السيادة والشرعية

What do you feel about this?