السودان وإثيوبيا: ثلاثون عاماً من سوء التقدير تلقي بظلالها على علاقات البلدين

2
ethdan

وكالات – بلو نيوز

أعلنت هيئة الانتخابات الإثيوبية، في أواخر يونيو 2026، فوز حزب الازدهار الحاكم بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت مطلع الشهر نفسه، ليضمن آبي أحمد بذلك استمراره في رئاسة الحكومة لولاية جديدة، وسط مقاطعة كاملة لإقليم تيغراي.

إن استمرار آبي أحمد في السلطة يعني، على الأرجح، استمرار الخطوط العامة للسياسات التي انتهجتها أديس أبابا خلال العقد الأخير، الأمر الذي يجعل من فهم هذه السياسات وتحليل دوافعها ضرورة لكل من يسعى إلى قراءة مستقبل الإقليم. ومن ثم، فإن أي نقاش جاد حول العلاقات بين السودان وإثيوبيا ينبغي أن ينطلق من إدراك أن طبيعة هذا الجوار لا تُحدِّدها الحكومات وحدها، إنما تفرضها حقائق الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، وهي حقائق ستظل تؤثر في البلدين بغض النظر عن تبدل الحكومات أو تغير موازين السياسة.

واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أعقد أزماته منذ الاستقلال، ويشهد القرن الأفريقي تحولًا عميقًا في موازين القوى تقوده اعتبارات الاقتصاد والربط الإقليمي أكثر من اعتبارات القوة العسكرية التقليدية؛ تبدو مراجعة التجربة السودانية في إدارة الملف الإثيوبي ضرورة لفهم ما جرى خلال العقود الثلاثة الماضية.

إثيوبيا كما لم يرها نظام الحركة الإسلامية

حين استولت الحركة الإسلامية الإرهابية على السلطة عام 1989، كانت إثيوبيا لا تزال تترنّح تحت وطأة الحرب الأهلية والمجاعة، ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول، خلال العقود التالية، إلى لاعب إقليمي فاعل ورئيسي. ومنذ سقوط نظام منغستو هيلا مريام عام 1991، انخرطت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة في مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الدولة، استثمرت خلاله، رغم الحروب الداخلية والانقسامات العرقية، في البنية التحتية، والطرق، والسكك الحديدية، وإنتاج الكهرباء، والتعليم، والخدمات اللوجستية، والمناطق الصناعية، واضعةً أسس اقتصاد أكثر ارتباطًا بالأسواق الإقليمية والعالمية.

وبموازاة ذلك، أصبحت أديس أبابا مقرًّا دائمًا للاتحاد الأفريقي وعاصمةً للدبلوماسية القارية بامتياز، بينما تحولت الخطوط الجوية الإثيوبية من شركة وطنية محدودة النشاط إلى أكبر شركة طيران في أفريقيا. أما ديموغرافيًا، فقد تجاوز عدد سكان إثيوبيا 130 مليون نسمة، لتغدو ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث التعداد السكاني، بما وفّر لها سوقًا داخلية واسعة، وقوة عمل ضخمة، ووزنًا اقتصاديًا متزايدًا في الإقليم.

جاءت هذه التحولات حصيلة لسياسات استمرت لعقود، وكان بالإمكان رصد ملامحها منذ وقت مبكر، وبناء رؤية سودانية تستوعب آثارها الإستراتيجية على مستقبل العلاقات بين البلدين.

غير أن القراءة السائدة في الخرطوم ظلت، إلى حد بعيد، أسيرة الاعتبارات الأمنية والسياسية الآنية، ولم تمنح هذه التحولات ما تستحقه من اهتمام في صياغة السياسة تجاه الجار الشرقي.

وظل الملف الإثيوبي، طوال سنوات حكم الحركة الإسلامية، أقرب إلى اختصاص الأجهزة الأمنية والعسكرية منه إلى مؤسسات التخطيط الإستراتيجي والسياسة الخارجية والاقتصاد، الأمر الذي جعل إدارة العلاقة تنشغل بالأزمات الآنية أكثر من انشغالها ببناء رؤية طويلة المدى.

وانعكس ذلك على أولويات السياسة الخارجية، التي انشغلت بإدارة الأزمات والخلافات أكثر من انشغالها باستكشاف الفرص التي أفرزها صعود الاقتصاد الإثيوبي واتساع وزنه الإقليمي.

الجغرافيا التي لم تُستثمر

مثل صعود إثيوبيا فرصًا استراتيجية استثنائية بالنسبة للسودان. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993 أصبحت إثيوبيا أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، وتعتمد على الموانئ الخارجية لتأمين أكثر من 90% من تجارتها البحرية. ومع استمرار النمو الاقتصادي وازدياد عدد السكان، تزايدت الحاجة الإثيوبية إلى تنويع منافذها البحرية، وتوسيع شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وتقليل الاعتماد على مسار واحد للتجارة الخارجية.

في المقابل، يمتلك السودان ما يقارب 850 كيلومترًا من السواحل على البحر الأحمر، إلى جانب موقع جغرافي يربط القرن الأفريقي بوادي النيل وشمال أفريقيا، يُؤهّله لأن يكون حلقة وصل بين الأسواق الأفريقية والممرات البحرية العالمية. وكانت هذه المقومات كفيلة بجعل السودان شريكًا اقتصاديًا طبيعيًا لإثيوبيا في مجالات النقل البحري، والموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة، والتجارة العابرة.

غير أن هذه الميزات الجغرافية لم تتحول إلى مشروع استراتيجي متكامل. فقد غابت الرؤية بعيدة المدى التي تنظر إلى الموقع الجغرافي باعتباره مصدرًا للقوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، واستمر التعامل السوداني الرسمي مع إثيوبيا في الغالب باعتباره قضية أمن وحدود. ونتيجة لذلك، بقيت الإمكانات التي أتاحها الموقع السوداني أكبر بكثير من القضايا الحدودية والأمنية، وهو ما يمثل أحد أبرز أوجه الإخفاق في إدارة العلاقات السودانية الإثيوبية خلال العقود الماضية.

كان بإمكان السودان أن يستفيد من تجربة التعاون بين إثيوبيا وجيبوتي إذ ربط ميناؤها بأديس أبابا عبر خط سكة حديد كهربائي حديث يمتد لنحو 750 كيلومترًا، إلى جانب شبكة طرق ومراكز تخزين وخدمات نقل متكاملة. ونتيجة لذلك، أصبحت جيبوتي البوابة البحرية الرئيسة لإثيوبيا، إذ يمر عبر موانئها أكثر من 90% من تجارة إثيوبيا الخارجية، وهو ما وفر لجيبوتي مصدرًا مستدامًا للإيرادات، ورسخ مكانتها بوصفها أحد أهم المراكز اللوجستية في شرق أفريقيا.

الفشقة: منطقة تنازع أم فُرص؟

تفرض الحدود الممتدة بين السودان وإثيوبيا، والتي يزيد طولها على 1,600 كيلومتر، تحديات أمنية معقدة تتعلق بحركة السكان، والرعي، والتهريب، والجماعات المسلحة، وهي تحديات لا يمكن تجاهلها في أي سياسة خارجية. غير أن هيمنة المقاربة الأمنية حولت من هذه التحديات إلى عدسة تُقرأ من خلالها العلاقة الثنائية بأكملها، فتراجع الاهتمام بالاقتصاد، والتجارة، والربط الإقليمي، والتكامل التنموي.

ويبرز ملف الفشقة مثالًا واضحًا على محدودية هذه المقاربة. فالفشقة كما هو معلوم شريط حدودي محل نزاع، ومنطقة زراعية تُعد من أكثر الأراضي السودانية خصوبة، وتُقدَّر مساحتها بنحو 250 ألف فدان من الأراضي القابلة للزراعة، وتتميز بإنتاج السمسم، والذرة، والقطن، وعباد الشمس، إلى جانب أهميتها في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي السوداني؛ كما أن موقعها يمنحها قيمة استراتيجية على الحدود الشرقية.

ورغم هذه الأهمية، ظل التعامل الرسمي مع الفشقة يتركز، في الغالب، على البعد العسكري وإدارة الأزمات الميدانية، بينما غابت رؤية متكاملة تجمع بين تثبيت السيادة، والتنمية الزراعية، وترسيم الحدود، والتفاوض طويل الأمد.

ومع إعادة انتشار الجيش السوداني في الفشقة أواخر عام 2020، اكتسب الملف حضورًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، ورأى عدد من المحللين أن هذا التطور أريد به – في حينه – تعزيز صورة قائد الجيش داخليًا في مرحلة كان يواجه فيها ضغوطًا سياسية متزايدة، في حين بقيت التسوية النهائية للنزاع الحدودي بعيدة المنال، ولم يتحول الإنجاز العسكري – المزعوم – إلى حل سياسي دائم.

سد النهضة: اختبار لسياسة السودان الخارجية

انعكس المنهج ذاته في إدارة ملف سد النهضة الذي افتتحه الرئيس الإثيوبي في سبتمبر الماضي، وكان محل نزاع بين إثيوبيا، دولة المنبع، والسودان ومصر بوصفهما دولتي مصب للنيل الأزرق. وتجاوزت القضية منذ بدايتها الجوانب الفنية المتعلقة بملء الخزان وتشغيله، لتصبح اختبارًا لقدرة السودان على بلورة سياسة خارجية مستقلة تنطلق من مصالحه الوطنية. فالسودان يمتلك مصالح محتملة في تنظيم تدفقات المياه، والحد من الفيضانات، والاستفادة من الربط الكهربائي، كما يملك في المقابل مخاوف مشروعة تتعلق بسلامة السد، وآليات تبادل البيانات، وتأثيرات التشغيل على منشآته المائية.

إلا أن الموقف السوداني شهد تغيرات متكررة تبعًا للتحولات السياسية الداخلية والاستقطابات الإقليمية، الأمر الذي أضعف انطباع الثبات الاستراتيجي في السياسة السودانية. وبدلًا من الظهور بوصفه طرفًا يقود مبادرة تعكس مصالحه الوطنية، بدا السودان في مراحل عديدة أقرب إلى التفاعل مع مواقف الأطراف الأخرى، وهو ما حدّ من قدرته على توظيف موقعه الجغرافي ومصالحه المشتركة مع كل من مصر وإثيوبيا في صياغة مقاربة أكثر استقلالًا وتوازنًا.

بعد الحرب: لا تزال الأخطاء مستمرة

كان يمكن أن يشكّل انقسام السلطة في السودان، وانتقال مركز القرار إلى بورتسودان بعد اندلاع الحرب في 2023، لحظة مراجعة حقيقية لإرث العقود الماضية في التعامل مع إثيوبيا؛ فالحرب نفسها أعادت تسليط الضوء على أهمية الشرق السوداني وساحله على البحر الأحمر، وعلى حاجة السودان الملحّة إلى شراكات إقليمية تدعم استقراره الاقتصادي في أصعب مراحله. غير أن ما جرى كان استمرارًا لا قطيعة؛ فسلطة الأمر الواقع الحالية، التي ورثت الجهاز البيروقراطي والعسكري والأمني لدولة ما قبل 2019، واستمرت – عن عمد – في تبني العقلية ذاتها التي حكمت العلاقة مع أديس أبابا طوال ثلاثة عقود.

ظلّ الخطاب الرسمي تجاه إثيوبيا محكومًا، في جوهره، بالهواجس الأمنية ذاتها، والتركيز على مخاوف الحدود، وتوظيف الملف الإثيوبي في سياق التوازنات الإقليمية المرتبطة بالحرب، من دون أن يقترن ذلك بمبادرة اقتصادية أو دبلوماسية جادة تعيد تعريف العلاقة على أسس جديدة. وبدلًا من أن تستثمر سلطة بورتسودان في الحاجة الإثيوبية المتنامية إلى التنويع في المنافذ البحرية، لتحويلها إلى رافعة لإعمار الاقتصاد السوداني، ظلّت العلاقة تُدار بالمنطق القديم نفسه، منطق التحفظ والحذر المتبادل.

طرح نظام الحركة الإسلامية الحاكم في السودان على نفسه، طوال 30 عاماً من حكمه سؤالاً خاطئاً حول العلاقة مع إثيوبيا: «كيف نحتوي الجارة الشرقية؟»، بينما كان السؤال الأجدر بالطرح هو: «كيف نحوّل صعود إثيوبيا إلى فرصة لتعزيز موقع السودان ذاته؟». وما لم يُطرح هذا السؤال بجدية، فإن السودان سيظل، كما كان طوال العقود الماضية، يواجه إقليمًا تتبدل موازين قواه، بينما تبقى أدوات تفكيره الاستراتيجي أسيرة الماضي.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?