حنان حسن: من الذي يفكر؟ أنت أم جماعتك؟

1
hanan

حنان حسن

في السودان .. وكثيرا لا يُقاس الحق بميزانه وإنما بعدد الواقفين خلفه.

لا نسأل:هل هذا صحيح؟

عادة يكون السؤال الجماعة قالوا شنو؟

وكأن الحقيقة لا تولد من التفكير

وإنما من التصفيق..

ولا تنتشر الآراء لأنها صحيحة..تنتشر لأنها شائعة..يكفي أن تتبناها الجماعة حتى تتحول إلى حقيقة لا يجوز الاقتراب منها..ومن يجرؤ على السؤال يصبح موضع شك قبل أن يُسمع جوابه.

 

لدينا مثل يقول(موت الجماعة عرس) لم يولد هذا المثل من فراغ؛ إنه يختصر عقلية كاملة تعفي الفرد من مسؤولية قراراته ما دام الجميع يفعلون الشيء نفسه.

فإذا أخطأ الجميع..اختفى الإحساس بالذنب…إذا يخفف المسؤولية الفردية عندما يذوب الإنسان داخل الحشد ، إذا كره الجميع صار الكره واجبا وفضيلة وإذا هتف الجميع للحرب أصبح صوت السلام نشازا..والدعوة اليه تهمة.

أخطر ما في عقلية القطيع أنها تقتل الضمير بهدوء ..لا تطلب منك أن تكون شريرا يكفي أن تتوقف عن التفكير..أن تستعير رأيا جاهزا وغضبا جاهزا وعدوا جاهزا  ثم تمضي مع الزحام دون أن تسأل: لماذا؟

كم من شخص غيّر رأيه لأن جماعته غيّرت موقفها..لا لأن الأدلة أقنعته.. وكم من إنسان صمت عن الظلم خوفا من الخروج عن الصف..وكم من خصومة اشتعلت لأن الناس ورثوا الكراهية كما يرثون الأسماء.

الحشود لا تصنع الحقيقة. .قد تصنع ضجيجا وقد تصنع خوفا، لكنها لا تصنع حقا فالتاريخ مليء بأمم صفقت للظلم ثم احتاجت سنوات طويلة لتعتذر عنه.

عقلية القطيع لا تحتاج إلى أشخاص سيئين وإنما إلى أشخاص توقفوا عن السؤال. فالقطيع لا يفكر..ولا يناقش..فقط يردد. والخطر الحقيقي ليس في اختلاف الناس..وإنما في تشابههم إلى درجة يخاف فيها كل واحد أن يكون له رأي مستقل.

المجتمعات لا تتقدم لأنها تتفق دائما تستقر وتتقدم لأنها تسمح بالاختلاف..فالرأي المخالف ليس تهديدا بقدر ما هو فرصة لاختبار قناعاتنا..أما المجتمع الذي يعاقب كل من يفكر خارج السرب ، فإنه يحكم على نفسه بالدوران في المكان نفسه.

ربما حان الوقت لأن نستبدل سؤال(مع من تقف؟) بسؤال أكثر أهمية(لماذا تقف هناك؟) لأن الإنسان الحقيقي لا يقاس بقدرته على السير مع الجماعة بل بقدرته على الوقوف وحده عندما يكون ضميره هو الصوت الوحيد الذي يسمعه.

الحرب أيضا لا تعيش بالرصاص وحده..تعيش ايضا بعقلية القطيع ..بالكلمات التي تبررها..وبالعقول التي ترفض رؤية الضحية إذا كانت من الطرف الآخر..وعندما يصبح الانتماء أهم من الإنسان..يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية.

وعندما يصبح تشجيع القتل علامة على الولاء..

وعندما يُعتبر التعاطف مع الضحايا خيانة..نكون قد خسرنا شيئا أكبر من المعارك(خسرنا إنسانيتنا).

المجتمع الذي يخاف من الرأي المختلف لا يحمي وحدته..إنما يحمي أوهامه..والإنسان الذي يذوب في الجماعة يفقد أغلى ما يملك(عقله).

ليس المطلوب أن نخالف الناس في كل شيء..المطلوب فقط أن نفكر قبل أن نوافقهم..فالعقل خُلق ليقود صاحبه.لا ليُساق مع القطيع.

وفي النهاية،،التاريخ لم يتغير بالقطيع ولم يغيّر العالم أولئك الذين ساروا مع الجميع..غيروه أولئك الذين امتلكوا شجاعة التفكير حتى عندما كان الجميع يسيرون في الاتجاه الآخر.

What do you feel about this?