أحمد عثمان جبريل: العسجد .. كيف مُنحت الرخصة؟ ولماذا أُلغيت؟

2
ahmed

أحمد عثمان جبريل

❝ ليست القضية أن يتغير القرار.. وإنما أن يبقى الطريق إليه واضحاً، والطريق منه أوضح. ❞

كان القاضي إذا فرغ من النطق بحكمه، انفض المجلس، ومضى كلُّ صاحب شأنٍ إلى شأنه.. غير أن الناس كانوا يعرفون أن العدالة لا تنتهي عند لحظة الحكم، وإنما تبدأ منها أيضاً.. فإذا عاد القاضي بعد أيام، أو بعد أشهر، فغيَّر حكماً أصدره، لم يكن ذلك مما ينقص هيبته، لأن الرجوع إلى الحق فضيلة لا يختلف عليها اثنان.

لكن الناس، وهم يغادرون مجلسه، لم يكونوا يتساءلون: لماذا رجع؟ بقدر ما كانوا يتساءلون: (ما الذي ظهر له اليوم، ولم يكن قد ظهر له بالأمس؟)..

هناك، في جواب هذا السؤال، كانت العدالة تستكمل صورتها.. وكانت الثقة تجد ما تتكئ عليه.

وهذه ليست حكاية عن القضاء وحده..

إنها حكاية كل مؤسسة تتخذ قراراً يمس الناس، ثم تجد نفسها مدعوةً إلى مراجعته.. فالمؤسسات لا تضعف حين تعيد النظر في قراراتها، بل يشتد عودها كلما أحسنت أن تشرح لماذا قررت، ولماذا راجعت، وما الذي تبدل بين القرارين.. فالقرار لا يعيش بقوة التوقيع وحده..

بل بقوة المنطق الذي يحمله.

ولهذا، فإن قضية “العسجد” لا تبدأ عند شركة، ولا تقف عند رخصة، ولا تنتهي بقرار إلغاء.. إنها تفتح باباً أوسع بكثير، باباً يقود إلى سؤال ظل يرافق كل مؤسسة عبر التاريخ: كيف تُصنع القرارات التي تستحق ثقة الناس؟

فنحن، وفقاً لمسؤوليتنا المهنية، لا نفتش عن خصومة، ولا نكتب لنصدر حكماً، ولا نملأ الفراغ بالتخمين.. وإنما نحاول أن نفتح نافذةً يدخل منها الضوء إلى مساحة ازدحمت فيها الأسئلة. فالسؤال المهني لا يوجه أصابع الاتهام، وإنما يوجه البوصلة نحو الحقيقة، لأن الحقيقة لا تخشى السؤال، وإنما يضيرها أن يبقى الباب موصداً دونها.

ومن هنا، يبقى هذا المقال كله قائماً على سؤالين، قد يبدوان منفصلين، غير أنهما في الحقيقة وجهان لسؤال واحد:

(إذا كان قرار منح الرخصة صحيحاً، فلماذا أُلغي؟ .. وإذا كان قرار الإلغاء صحيحاً، فكيف مُنحت الرخصة ابتداءً؟)..

ليسا سؤالين يبحثان عن غالبٍ ومغلوب..

ولا عن منتصرٍ ومهزوم..

ولا عن مؤسسةٍ تُدان أو شركةٍ تُبرأ..

إنهما سؤالان يبحثان عن شيءٍ واحد..

أن يبقى القرار العام مفهوماً بالقدر الذي يجعل الثقة تمشي إلى جواره، لا تبحث عنه بعد أن يغيب.

(1)

في بورتسودان، لم يكن المشهد عابراً كما قد يبدو لأول وهلة..

كانت عدسات الكاميرات تلتقط لحظةً أرادت أن تقول للناس إن الطريق قد اكتمل، وإن رحلة الرخصة بلغت محطتها الأخيرة.. وحين تحضر الدولة برمزيتها، وتحف المناسبة بوجودها الرسمي، ينصرف ذهن الناس تلقائياً إلى أن ما لا يرونه قد أُنجز قبل ما يرونه؛ وأن الملفات قد أُغلقت، والمراجعات قد انتهت، والقرار خرج بعد أن استوفى رحلته كاملة.

ذلك هو المعنى الذي يقرأه الناس قبل أن يقرأوا الخبر.. لكن الأيام لا تحتاج أحياناً إلا إلى خطوات قليلة حتى تعيد ترتيب الأسئلة..

 

فلم تمضِ سوى فترة وجيزة، حتى صدر قرار بنك السودان المركزي بإلغاء الرخصة، فإذا بالمشهد كله يتبدل.. ولم يعد الناس يتحدثون عن الشركة، بقدر ما أخذوا يتحدثون عن القرار؛ لأن القرار، حين ينتقل من حال إلى حال، يصنع سؤاله بنفسه.

(2)

وهنا، لا يقف الحديث عند حق بنك السودان في مراجعة قراراته.. فذلك حق لا ينازع فيه أحد، بل لعله من مقتضيات المسؤولية ذاتها. فالمؤسسة التي لا تراجع قراراتها إذا استجد ما يستوجب المراجعة، تُفرط في واجبها قبل أن تُفرط في صلاحياتها.

غير أن لكل قرار رحلة..

ولكل رحلة محطات..

والناس لا يرون من تلك الرحلة إلا محطتها الأخيرة.

أما ما يسبقها من فحص، وتقدير، ورأي فني، ومراجعة قانونية، ودراسة للمخاطر، فيظل بعيداً عن أعينهم، لأنهم يحسنون الظن في أن مؤسستهم المصرفية المشرفة على اقتصاد بلادهم الكلي قد قامت بكل ذلك نيابةً عنهم.

ولهذا، فإن السؤال لا ينصرف إلى القرار في ذاته، وإنما إلى الرحلة التي سبقته.

(3)

من هنا، تتقدم الأسئلة بهدوء، لا لتخاصم أحداً، وإنما لتستكمل الصورة.. هل ظهرت معلومات لم تكن حاضرة عند منح الرخصة؟.

أم أن هناك معطياتٍ تبدلت، فاستوجبت مراجعة القرار؟.

أم أن رحلة التقييم نفسها كشفت، بعد اكتمالها، ما لم يكن ظاهراً في بدايتها؟..

هذه الأسئلة لا تبحث عن موضع خطأ..

ولا تنقب عن مسؤول تُعلق عليه الواقعة..

إنها تبحث عن الحلقة التي انتقل عندها القرار من المنح إلى الإلغاء؛ لأن معرفة موضع التحول، ليست حقاً للمؤسسة وحدها، بل هي أيضاً حق للرأي العام، متى تعلق الأمر بقرار يمس الشأن العام.

فالمجتمع لا يطلب أن يشارك المؤسسة في صناعة القرار.. لكنه يطمئن حين يفهم كيف صُنِع، وكيف روجع، ولماذا انتهى إلى ما انتهى إليه.

(4)

ولعل أكثر ما تحتاج إليه المؤسسات في مثل هذه المواقف، ليس أن تُكثر من القرارات، وإنما أن تُحسن رواية قصتها.. فالقرار الذي يخرج إلى الناس بلا بيان، يشبه باباً أُغلق من الداخل، ثم طُلب من الواقفين خارجه أن يخمنوا ما جرى وراءه.

ومن طبيعة الفراغ أنه لا يبقى فراغاً.. فإذا غاب البيان، حضرت الروايات.. وإذا تأخر التفسير، تسابقت التأويلات.. وحينئذ، لا يعود الجدل يدور حول القرار، وإنما حول ما لم يُقَل عنه.

ولهذا، فإن البيان ليس عملاً إعلامياً يُضاف إلى القرار بعد صدوره، بل هو آخر حلقات القرار نفسه، وبدونه تظل الرحلة ناقصة، مهما بلغت سلامة بدايتها.

(5)

إن المؤسسات الكبرى لا تُبنى على افتراض أن الناس لن يسألوا.. بل تُبنى على استعدادها لأن تجيب..فالسؤال ليس خصماً للمؤسسة..إنما هو أحد شهود الثقة فيها.

وحين يطمئن المجتمع إلى أن لكل قرار أسبابه، ولكل مراجعة تفسيرها، يصبح اختلاف الناس حول النتائج أمراً طبيعياً، لأنهم اتفقوا أولاً على سلامة الطريق الذي قاد إليها.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق برخصة مُنحت، ولا برخصة أُلغيت.. بل تتعلق بالمنهج الذي يجعل القرار العام قادراً على أن يشرح نفسه، قبل أن ينشغل الآخرون بشرحه.

(6)

وهنا، يعود السؤالان اللذان افتتحنا بهما هذا المقال، لكنهما يعودان وقد اتسعت دائرتهما:

(إذا كان قرار منح الرخصة صحيحاً، فلماذا أُلغي؟ .. وإذا كان قرار الإلغاء صحيحاً، فكيف مُنحت الرخصة ابتداءً؟)

إنهما لا يبحثان عن غالبٍ ومغلوب.. ولا يكتبان صك إدانةٍ لأحد.. ولا يمنحان شهادة براءةٍ لأحد.. إنهما يطلبان أمراً واحداً..

أن تبقى سلسلة القرار متصلة الحلقات، حتى لا تتحول المسافة بين قرارين إلى مساحة مفتوحة للتخمين.  فالقرار قد يتغير.. أما الثقة، فلا ينبغي أن تتغير معه.

(7)

وهكذا، نعود إلى القاضي الذي بدأنا به الرحلة..

لم يكن الناس يجلونه لأنه لا يرجع عن أحكامه.. بل لأن رجوعه كان يحمل تفسيره معه.. كان يعلم أن العدالة لا تكتمل بالحكم وحده.. بل تكتمل حين يفهم الناس لماذا صدر، ولماذا تغير، وما الذي استوجب ذلك التغير.

وهذه هي الرسالة التي تتجاوز قضية العسجد، بل تتجاوز كل واقعةٍ تماثلها.

فالدول لا يحفظ هيبتها أن تبدو معصومةً من المراجعة.. بل أن تبدو أمينةً في تفسيرها.

والمؤسسات لا تزداد قوةً حين لا تغير قراراتها..

بل حين تملك الشجاعة لتراجعها، والوضوح لتشرحها، والحكمة لتجعل من كل مراجعة درساً جديداً في ترسيخ الثقة، لا سبباً في إضعافها.

وهكذا، لا تبقى القضية: من منح الرخصة؟ ومن ألغى الرخصة؟

بل تصبح القضية: كيف نصنع قراراً عاماً، إذا سار إلى الناس سار ومعه بيانه، وإذا عاد عن نفسه عاد ومعه تفسيره، حتى تبقى الثقة ثابتةً، ويبقى الاحترام قائماً، لأن المؤسسات العظيمة لا تحرس قراراتها بالصمت، وإنما تحرسها بوضوح الطريق الذي قاد إليها.

ويبقى ختاما، أن القرار العام لا يستمد هيبته من أنه لا يُراجع.. بل من أن مراجعته تكون امتداداً للمنهج الذي صدر عنه أول مرة.

فإذا كان المنهج واضحاً عند المنح، وواضحاً عند الإلغاء، خرج المجتمع أكثر فهماً، وخرجت المؤسسة أكثر رسوخاً.

أما إذا غاب البيان، بقي السؤال قائماً، لا لأنه يشكك في القرار، وإنما لأنه يبحث عن المنطق الذي يستحق أن يطمئن إليه. الله غالب.

 

ومضة أفق الحرف:

❝ حين يعرف القرار أن يشرح نفسه، لا يعود السؤال خصماً له.. بل يصبح شاهداً على عدالته. ❞

 

أفق الحرف..

حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ، ويترفق الأفق باتساعه، فلا يتسع إلا للحقائق التي يضيئها البيان، وللمعاني التي تبقى بعد أن يغادر الحدث صفحاته.

What do you feel about this?