مجاهد بشرى: لماذا لن تتوقف الحرب في السودان؟.

2
mujahed

مجاهد بشرى

منذ اندلاع شرارة الحرب في السودان، ظل المشهد السياسي والعسكري يقدّم مفارقة تبدو مستعصية على الفهم السطحي: طرفٌ يُعلن مراراً وتكراراً قبوله بالسلام الفوري والجلوس إلى طاولة المفاوضات (قوات الدعم السريع)، وفي المقابل، طرفٌ يصرّ بشكل قاطع على لسان قادته ومنصاته الإعلامية على أنه لا بديل عن دحر ما يسمّونه بالتمرد ويسير في طريق “الحسم العسكري” حتى نهايته (القوات المسلحة السودانية).

هذا المشهد يطرح السؤال الجوهري الأكثر إلحاحاً: لماذا يرفض الجيش وقف الحرب رغم الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة؟

هل الأمر مجرد تمسك بالسلطة من جانب البرهان وحلفائه، أم أن هناك أبعاداً إستراتيجية أعمق، تتداخل فيها عقيدة الدولة مع طموحات ومخاوف قوى إقليمية وازنة مثل مصر، السعودية، قطر، وتركيا، والتي تجد في استمرار الصراع أو حسمه باتجاه معين مصلحة حيوية لها؟

لتفكيك هذه المعضلة، يجب أن ننظر إلى الحرب السودانية ليس كصراع محلي بين جنرالين، بل كمعركة متعددة الطبقات تتداخل فيها الهواجس الداخلية مع صراع النفوذ الإقليمي.

لا يمكن قراءة إصرار قيادة الجيش على الحسم العسكري بمعزل عن الخارطة السياسية الداخلية، وتحديداً وضعية قيادة الجيش الحالية وتحالفاتها الدقيقة مع التيار الإسلامي (المعروف محلياً بـ “الكيزان”).

معضلة السلطة والمستقبل السياسي: بالنسبة لقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان والدائرة المحيطة به، فإن أي اتفاق سلام يُبنى على التوازنات الحالية يعني العودة إلى مسار تفاوضي يفرض بالضرورة تحولاً مدنياً ديمقراطياً. هذا التحول لن يعني فقط خروج العسكر من المشهد السياسي والاقتصادي، بل قد يفتح الباب لملفات اولها فقدان البرهان للسلطة التي يجلس عليها بصورة غير شرعية منذ ابريل 2019م، والمحاسبة والعدالة الانتقالية بشأن القرارات التي سبقت الحرب ورافقتها.

معركة الوجود للتيار الإسلامي المصنف كتنظيم ارهابي: يرى التيار الإسلامي، الذي أُقصي عقب ثورة ديسمبر 2018 ويمتلك نفوذاً تاريخياً متجذراً داخل مؤسسات الدولة والأمن والجيش، أن هذه الحرب هي “معركة وجودية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومع انخراط كتائب مساندة للجيش محسوبة على هذا التيار (مثل كتيبة البراء بن مالك الإرهابية وغيرها) في الخطوط الأمامية، أصبح صوت هذا التيار حاسماً في توجيه القرار السياسي والعسكري لأنه يعرف بأن ايقاف الحرب تعني نهايته.

الفيتو الدولي والأمريكي: تدرك قيادة الجيش وهذا التيار التحالفي تماماً الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، والذي يتلخص في أنه “لا مستقبل لحكم عسكري أو إسلامي في السودان”، هذا الموقف يضع الجيش أمام خيارين أحلاهما مرّ،  إما القبول بسلام يقودهم إلى مقصلة الإقصاء السياسي الحتمي، أو الاستمرار في الحرب على أمل تحقيق حسم عسكري يفرض أمراً واقعاً جديداً يجبر المجتمع الدولي على التعامل معهم كقوة وحيدة مسيطرة على حساب أمن و امان الشعب السوداني وحقه في الحياة و اختيار  من يحكمه.

بعيداً عن الحسابات السياسية الحزبية، هناك منطق مؤسسي وعسكري صرف يوجه حركة قيادة القوات المسلحة، ويجعل من فكرة “السلام التفاوضي” مع الدعم السريع أمراً يزعمون بأنه يمس صلب العقيدة العسكرية.

شرعنة وجود “جيشين في دولة واحدة”: ترى القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة النظامية التاريخية للدولة، أن قبول التفاوض مع الدعم السريع كـ “طرف مكافئ” يمثل اعترافاً بشرعية ما تصفه بـ “التمرد”، من منظور عسكري، فإن أي اتفاق سلام يحافظ على الهيكل القيادي أو الوجود المستقل لقوات الدعم السريع يعني شرعنة ظاهرة الجيوش الموازية، وهو أمر محير لأن الجيش وفقا للمرسوم الدستوري  34 الذي  اصدره في  30 يوليو 2019م والذي اعفى فيه رئيس المجلس العسكري  عبد الفتاح البرهان الدعم السريع من التبعية لقانون القوات المسلحة بجميع فقراته جاعلا بذلك الدعم السريع جيشا موازيا للقوات المسلحة بصورة قانونية و دستورية، بل و تم تعيين محمد حمدان دقلو نائبا اولا للبرهان في  مجلس السيادة الانتقالي، مما ينسف  هذه الحجة ويبطلها تماما.

ضغوط الكرامة العسكرية: هناك ضغط هائل من القواعد العسكرية والضباط الوسيطين الذين يرون أن الحرب فرضت تحدياً غير مسبوق لسمعة وهيبة المؤسسة العسكرية. التفاوض من موقف تعادل ميداني يُترجم في العُرف العسكري على أنه “انكسار”، لذلك، يتبنى الجيش إستراتيجية ضرورة تحسين الموقف العملياتي على الأرض كشرط لا غنى عنه قبل الحديث عن أي تسوية.

لا يتحرك السودان في فراغ؛ فالحدود المشتركة والإطلالة على البحر الأحمر جعلتاه ساحة لتصفية الحسابات ورسم خرائط النفوذ بين قوى إقليمية رئيسية، تتقاطع مصالحها في عدم الرغبة بإيقاف الحرب إلا وفقاً لشروطها الخاصة:

  1. مصر: الأطماع التاريخية والمخاوف المصيرية

تعتبر القاهرة السودان امتداداً جغرافياً وإستراتيجياً لأمنها القومي، وتتحرك بدافع “مخاوف مصيرية” وأطماع وتطلعات تاريخية واقتصادية:

معركة مياه النيل: يمثل السودان حليفاً حيوياً لا غنى عنه لمصر في ملف سد النهضة الإثيوبي. أي سلطة جديدة في الخرطوم (كالدعم السريع) قد تتحالف مع أديس أبابا تمثل كابوساً وجودياً للأمن المائي المصري.

سلة الغذاء والمواد الخام: تعتمد مصر تاريخياً واقتصادياً على السودان كمصدر أساسي للمواد الخام، اللحوم، والمنتجات الزراعية الرخيصة التي تدعم السوق المصري، وفقدان السيطرة أو وجود حكومة مدنية سودانية قوية تراعي مصالح السودان و السودانيين و”غير منضبطة” بحسابات الأمن القومي التقليدية أو متحفظة تجاه القاهرة يهدد هذه الشرايين الاقتصادية والحدودية الحساسة.

الفيتو على الفوضى والدعم السريع: تفضل العقيدة الأمنية المصرية دائماً التعامل مع “جيش وطني نظامي” تضمن ولاءه وتوجهاته، وترفض تماماً صعود قوات الدعم السريع المدعومة من أطراف إقليمية منافسة لمصر، مما يجعلها تمنح الجيش السوداني غطاءً سياسياً وإستراتيجياً للاستمرار في القتال.

  1. قطر: الرهان على عودة “الإخوان المسلمين”

تتحرك الدبلوماسية القطرية في السودان وفق حسابات إيديولوجية وسياسية طويلة المدى:

تُشير القراءات التحليلية إلى أن الدوحة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين/الكيزان) الذي كان مهيمناً في عهد البشير ويساند الجيش حالياً.

بالنسبة لقطر، استمرار الحرب حتى تمكين الجيش وحلفائه الإسلاميين، أو على الأقل منع هزيمتهم، واقتلاعهم من السودان هو فرصة ذهبية لإعادة إحياء نفوذ هذا التيار في المنطقة بعد الانتكاسات التي تعرض لها في دول الربيع العربي، لذا، فإن وقف الحرب دون ضمان موقع متقدم للإسلاميين في السلطة لا يخدم الأجندة القطرية الحالية.

  1. تركيا: حلم العودة إلى البحر الأحمر والاستثمارات الحيوية

تمتلك أنقرة تطلعات جيوسياسية قديمة ومبكرة في السودان تعود إلى حقبة الرئيس السابق عمر البشير:

موقع سواكن الإستراتيجي: كانت تركيا قد حصلت سابقاً على حق إدارة جزيرة “سواكن” على البحر الأحمر لإعادة ترميمها واستخدامها كقاعدة لوجستية وعسكرية، وهو المشروع الذي جُمّد بعد سقوط البشير.

الاستثمارات والنفوذ الإقليمي: تهدف تركيا إلى تعزيز استثماراتها الزراعية والتجارية والعسكرية في عمق أفريقيا. وبما أن أنقرة تحتفظ بعلاقات قوية مع الجيش والتيار الإسلامي، فإنها ترى في صمود الجيش وحسمه للمعركة وسيلة وحيدة لإعادة تفعيل اتفاقياتها الإستراتيجية القديمة وتأمين موطئ قدم لها على ساحل البحر الأحمر، مما يفسر تزويدها للجيش بطائرات مسيرة وتقنيات عسكرية ساهمت في إطالة أمد المواجهة.

  1. السعودية: هواجس البحر الأحمر والوساطة المعطلة

يقف الموقف السعودي عند تقاطع حساس بين الرغبة في التهدئة وحماية مصالحها الكبرى:

أمن البحر الأحمر ومشروع 2030: يمثل البحر الأحمر الشريان الأساسي لمشاريع السعودية الكبرى (مثل نيوم والوجهات السياحية). وجود حرب مستعرة على الضفة المقابلة، أو صعود قوى غير نظامية مسلحة قد تهدد الملاحة البحرية، يدفع الرياض للتحرك بحذر.

معضلة منبر جدة: رغم رعاية السعودية للمفاوضات، إلا ان الاحداث كشفت عن تورط السعودية في حرب السودان عبر امدادها للجيش بالسلاح والمال، والعمل الاستخباري والدبلوماسي.

العامل الأخير الذي يفسر هذا الاستعصاء يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي المتبادل، وتشكل مصالح جديدة مستفيدة من استمرار النزاع.

اقتصاد الحرب الناشئ: مع تطور الحرب، تشكلت شبكات مصالح واقتصاد حرب موازٍ (تجارة سلاح، تهريب، مستفيدين من غياب الدولة النظامية)، وهذه الشبكات تضغط بقوة لاستمرار الوضع الحالي لتعظيم مكاسبها المالية.

إن إصرار الجيش السوداني على خيار “الحسم العسكري” ليس مجرد قرار أحادي ناتج عن عناد سياسي، بل هو محصلة شبكة معقدة من الدوافع الداخلية والخارجية.

داخلياً، تلتقي رغبة القيادة العسكرية بالبقاء مع معركة الوجود للتيار الإسلامي المصنف ارهابيا خوفاً من الإقصاء الدولي، وخارجياً، تتشابك خيوط الصراع مع أطماع ومخاوف مصيرية لمصر، ورهانات قطر الإيديولوجية، وطموحات تركيا في البحر الأحمر، وسط ترقب أمني حذر من السعودية، هذا التشابك المعقد يجعل من أي مبادرة سلام تقليدية محاولةً قاصرة ما لم تفكك هذه المصالح الإقليمية المتضاربة، ليظل السودان وشعبه الضحية الأولى في لعبة الأمم الإقليمية.

What do you feel about this?