مدينة الأبيض .. بين الحصار والهجوم المرتقب

4
obi

وكالات – بلو نيوز

تحتل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، موقعًا محوريًا في المعادلة العسكرية للحرب السودانية، إذ تصل وسط السودان بإقليم دارفور غربًا، وتبعد نحو 550 كيلومترًا عن الخرطوم وأكثر من 700 كيلومتر شرق مدينة الفاشر في إقليم دارفور، وتُشكّل خط الإمداد الأساسي للجيش نحو جبهتي كادوقلي والدلنج في جنوب كردفان. وتعد الأبيض قاعدة دفاع أخيرة للجيش في وسط السودان الجغرافي، وهذا ما يُفسِّر إصرار قيادته على تعزيز الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة” المسؤولة عن الدفاع عنها.

وتُعد الأبيض أكبر سوق لتجميع الصمغ العربي والثروة الحيوانية في السودان، وتتقاطع فيها خطوط السكك الحديدية والطرق القومية، وتضم قاعدة شيكان الجوية التي تقع بجوار مطار الأبيض، غرب المدينة، وتمثل نقطة ارتكاز للإمداد الجوي ونقل القوات والإخلاء الطبي، وتضم مدرجًا قصيرًا للطائرات ومرافق تشغيل وصيانة وحظائر للطائرات، وعادة ما تنطلق منها عمليات الطيران والمسيّرات نحو دارفور وجبال النوبة. ويقطن المدينة أكثر من نصف مليون نسمة، إضافة إلى نحو مائة ألف نازح فرّ كثير منهم من الفاشر ومدن أخرى دمّرتها الحرب، وفقًا لتقديرات سُجلت في العام 2025.

تتوسط الأبيض طوقًا غير متكافئ الأضلاع يقترب تدريجيًا من الإحكام الكامل من قبل الدعم السريع. فمن جهة الشمال، يتمركز على محور بارا على مسافة تقارب أربعين كيلومترًا من المدينة، بينما تتقدم قواته من الجنوب عبر محور كازقيل على بُعد نحو خمسة وأربعين كيلومترًا، في حين يشكل محور جبل هشابة غربًا أقرب نقاط الاحتكاك، إذ لا تتجاوز المسافة الفاصلة عن المدينة خمسة وعشرين كيلومترًا فقط. هذا التوزيع الجغرافي لحشود الدعم السريع يترك عمليًا طريقًا بريًا واحدًا مفتوحًا أمام المدينة، هو الطريق القومي إلى ولاية النيل الأبيض عبر مدن الرهد وأم روابة شرقًا، ويمثل المنفذ الوحيد المتبقي للإمداد والنزوح في آن. ويعكس ضيق هذا الممر مقارنة باتساع الأضلاع الثلاثة الأخرى للطوق، مدى تقدُّم عملية العزل الجغرافي للمدينة، ويجعل أي تطور عسكري على محور جبل هشابة القريب نسبيًا أكثر إلحاحًا من التطورات على المحورين الشمالي والجنوبي الأبعد.

مؤخرًا كشف رصد بالأقمار الصناعية (Sentinel-2) لفريق تحقُق مستقل غطى الفترة بين 5 ديسمبر 2025 و13 فبراير 2026 عن نشاط حفر مكثف نفذه الجيش لإنشاء سواتر ترابية على محورين حيويين: محور أم صميمة – الأبيض غربًا، ومحور بارا – الأبيض شمالًا، وهما المحوران اللذان يشهدان الوجود الأكثف لقوات الدعم السريع. وأظهرت الصور أن الخندق عند المدخل الغربي بلغ طوله نحو خمسة كيلومترات، بينما بلغ طول الساتر عند المدخل الشمالي نحو كيلومتر واحد، إلى جانب تحصينات ترابية أخرى ظهرت على مداخل أخرى للمدينة.

هذه الاستراتيجية طبّقها الجيش السوداني من قَبل في عدة مدن خلال الحرب، خاصة في الفاشر وبابنوسة، حيث ساهمت فعلًا في إبطاء وتيرة الهجمات ومنحت القوات المدافعة قدرة أطول على الصمود داخل المدن. غير أن التجربة نفسها أثبتت أن هذه التحصينات، مهما بلغت متانتها، لا توفر حماية دائمة أو شاملة من جميع الاتجاهات، وهو ما تحقَّق ميدانيًا حين سقطت كل من الفاشر وبابنوسة رغم وجود سواتر مماثلة حولهما. إن تركز الحفر على المحورين الغربي والشمالي فقط من المدينة، حيث الحشود الأكثف، يترك الثغرة نفسها التي استغلها الدعم السريع سابقًا، أي البحث عن نقطة الاختراق في القطاع الأقل تحصينًا بدلًا من مواجهة الساتر الأقوى مباشرة.

استعدادات الطرف المهاجم

حاليًا وُثقت خمس عشرة غارة بمسيّرات خلال ثلاثة أسابيع على الأبيض، بمعدل بلغ ست ضربات يوميًا في ذروته، استهدفت محطات الوقود والمياه ومقار القيادة. وكشف تحقيق مفتوح المصدر عن تضرر ستة عشر هدفًا ما بين عسكري أو مدني استخدم لأغراض عسكرية. ورصدت صور الأقمار الصناعية تحركات آليات مدرعة كثيفة للدعم السريع لتطويق المدينة.

في المقابل، يواجه الجيش أزمة بنيوية تتجاوز معركة الأبيض، إذ تزايد اعتماده على تشكيلات مُساندة غير نظامية، وفي مقدمتها كتائب التعبئة الإسلاموية المرتبطة بعناصر نظام الحركة الإسلامية، وهو عاملٌ يُقوّض تماسك المؤسسة العسكرية أكثر مما يعزز من قدرتها القتالية. يُضاف إلى ذلك تحالفه مع “القوات المشتركة” التي تسبب دخولها إلى الأبيض، بحسب تقارير محلية، في انتهاكات مُتكرّرة ضد المدنيين دون ردع حاسم من قيادة الفرقة الخامسة، ونتجت عن ذلك فجوة ثقة بين المواطنين والقوات الأمنية.

لماذا تختلف الأبيض عن الفاشر؟

شارك في الدفاع عن الفاشر الجيشُ إلى جانب “القوة المشتركة”، في تحالف حمل تعقيدات قبلية وسياسية ساهمت في تفكك جبهته الداخلية عشية السقوط. أما الأبيض فيقودها كيان نظامي واحد هو الفرقة الخامسة مشاة، وقد أقام حولها الجيش ما لا يقل عن أربع عشرة نقطة تفتيش، إضافة إلى السواتر والخنادق الموثقة حديثًا على المحورين الغربي والشمالي. كما أن الأبيض أقرب إلى خطوط الغطاء الجوي للجيش في وسط السودان وشماله.

وتشير تقارير لباحثين متخصصين إلى أن المعركة تدور حول “السلطة والأرض والمال”، وأن الحصار رفع أسعار الغذاء بنسبة ثلاثمائة بالمائة. وحذرت مؤسسة “أكليد” من أن المدنيين قد يظلون عرضة للنهب والعنف الجنسي والاستهداف من قبل الدعم السريع بتهمة موالاة الجيش في حال سيطرة الدعم السريع على المدينة.

إن سيطرة الدعم السريع على الأبيض إن تمت، أو حتى بمجرد إحكام حصارها، سوف تُعطّل تحرّك الجيش بين وسط السودان ودارفور وجبال النوبة، وتمنح الدعم السريع مركزًا اقتصاديًا مهمًا يُضعف خزينة الدولة، وتخدم حاجته إلى تماسك داخلي بعد الانشقاقاته الأخيرة في صفوفه. ووصف مركز التحليل الأمني الأفريقي الأبيض بأنها “الهدف المنطقي التالي” في حملة الدعم السريع لتوحيد سيطرته عبر دارفور وكردفان.

قراءة تكتيكية

تُدير الدفاع عن الأبيض غرفة عمليات مشاة تابعة للفرقة الخامسة “الهجانة”، اعتمدت مبدأ الدفاع بالعمق عبر فتح ثلاثة ألوية مشاة على المحاور الرئيسية المحيطة بالمدينة، بحيث يتولى كل لواء تغطية قطاع جغرافي يتقاطع مع اتجاه الحشود المعادية المرصودة. هذا الانتشار الدائري يهدف إلى امتصاص أي زحف بري عبر خطوط دفاع متتابعة، والحفاظ على عمق ميداني يسمح بإعادة التمركز دون فقدان السيطرة على المدينة، وتأمين تقاطعات الطرق ونقاط الارتكاز اللوجستية.

غير أن الرصد الفضائي الأخير يكشف إشكالية تعبوية دقيقة، حيث تركّز الحفر الدفاعي على محوري أم صميمة غربًا وبارا شمالًا فقط، حيث الحشود الأكثف، بينما تبقى المحاور الأخرى، وعلى رأسها محور جبل هشابة القريب جغرافيًا على بُعد خمسة وعشرين كيلومترًا فقط، أقل تحصينًا نسبيًا. هذا التفاوت في كثافة التحصين بين المحاور الثلاثة يكرر النمط ذاته الذي سبق أن استُغل في الفاشر وبابنوسة، حيث لم تُوفر السواتر حماية شاملة من جميع الاتجاهات، ما يجعل قطاع جبل هشابة النقطة الأضعف في الخط الدفاعي الحالي، رغم قربها الجغرافي الذي يُسهّل إسنادها.

كذلك تُنهك المدينة اقتصاديًا وخدميًا ونفسيًا عبر الضربات الجوية، بينما تظل القوات البرية في وضعية تطويق واستنزاف دون مجازفة مبكرة بخسائر أمام التحصينات، وتوزيع الحشود على مسافات متفاوتة، من خمسة وعشرين كيلومترًا غربًا إلى خمسة وأربعين كيلومترًا جنوبًا، مما يمنح الدعم السريع حرية اختيار توقيت ونقطة الضغط الرئيسية، مع إبقاء طريق الرهد شرقًا شبه مفتوح ليكون أداة لضبط وتيرة النزوح والحصار معًا.

على الأرجح

يبقى المسار الأكثر ترجيحًا في المدى القريب استمرار الاستنزاف الجوي بالمسيّرات مع تضييق الطرق البرية دون اشتباك مباشر واسع. وقد يتخذ الدعم السريع مسار الهجمات الخاطفة المحدودة، تحديدًا على قطاع جبل هشابة الأقل تحصينًا والأقرب جغرافيًا، بهدف اختبار ثغرات التنسيق بين الألوية الثلاثة. أما الهجوم البري الشامل المتزامن على المحاور الثلاثة فيظل احتمالًا قائمًا بقوة متجددة، ويصبح أقرب للتحقق إذا نجحت قوات الدعم السريع في استغلال الفجوة التحصينية على المحور الجنوبي الغربي، أو إذا تعمّق الشرخ بين المجتمع المحلي وقيادة الجيش إلى درجة تُضعف الإسناد اللوجستي، على غرار ما جرى في الفاشر وبابنوسة رغم سواترهما المماثلة.

وتعتمد قوات الدعم السريع مزيجًا تكتيكيًا يجمع بين حرب الاستنزاف بالمسيّرات وحرية المناورة البرية التي تمنحها إياها طبيعة تسليحها الخفيف نسبيًا. الوحدات المدرعة وسريعة الحركة المتمركزة حول المدينة مصممة لتحقيق تفوق في خفة الحركة والانتشار الأفقي، لا في القوة النارية الثقيلة المباشرة، وهو ما يفسر ميلها إلى تفادي الاشتباك المباشر مع خطوط الألوية الثلاثة، واستبداله باستنزاف تدريجي عبر الطوق والقصف عن بعد.

كذلك فإن الكثافة النيرانية للمسيّرات الانتحارية والاستطلاعية تمثل عنصر الحسم التكتيكي الأبرز، إذا توفرت للدعم السريع القدرة على ضرب أهداف عميقة داخل المدينة دون الحاجة إلى اختراق خطوط الدفاع البرية، بما يفصل المعركة النارية عن المعركة البرية.

لعل أهم مؤشر تكتيكي لمراقبة الأسابيع المقبلة هو مدى نجاح الجيش في استكمال التحصينات على القطاع الأقل تغطية، إلى جانب مصير طريق الرهد الأخير المفتوح شرقًا؛ فإغلاقه سيمثل مؤشرًا حاسمًا على انتقال الدعم السريع من إدارة الحصار إلى مرحلة الإطباق التمهيدي للهجوم الحاسم. وتظل الثغرة الجنوبية الغربية الأقرب جغرافيًا نقطة المراقبة الأكثر إلحاحًا قبل أن تُحسم المعركة لصالح أي من الطرفين.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?