مجاهد بشرى: تفكيك شيفرة “تسريبات القاهرة ” وصراع الاجنحة واستراتيجية القنوات الخلفية في المشهد السوداني ؟

5
mujahed

مجاهد بشرى

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الحروب، لا تُخاض المعارك في خنادق القتال وحسب، بل تصبح كواليس الدبلوماسية وغرف التسريبات الإعلامية هي الميادين الأكثر شراسة وتأثيراً في رسم ملامح المستقبل، ولعل المشهد الأخير الناجم عن التضارب الحاد في الأنباء حول لقاء نائب قائد الجيش ، الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس في القاهرة، يمثل ذروة هذا التداخل المعقد بين ما هو عسكري وسياسي، داخلي وخارجي.

إن خروج منصة إعلامية واحدة مثل قناة الحدث السعودية بروايتين متناقضتين جذرياً خلال ساعات معدودة — الأولى تتحدث بغضب عن لقاء “دون علم البرهان أو التنسيق مع الحكومة”، والثانية تُسارع للتأكيد على أن كباشي “أطلع البرهان ومالك عقار على التفاصيل” — لا يمكن المرور عليه كخطأ مهني أو مجرد إرباك إعلامي عابر، بل نحن أمام عملية “تراشق بالمعلومات” تعكس عمق التوازنات الدقيقة وصراع المقاربات داخل مطبخ القرار في سلطة بورتسودان.

قبل الغوص في الدلالات، يجدر تثبيت ما تجمّع من وقائع: اللقاء جرى في الحادي والعشرين من يونيو بالقاهرة، وبطلب من بولس نفسه، وسبقه بيوم واحد لقاء مسؤول خارجية بورتسودان محيي الدين سالم بالمبعوث الأميركي لتسلّم الورقة الأميركية، وكان سالم موفداً من البرهان رسمياً عبر القنوات المعتمدة لديهم، ثم سُلّم رد قائد الجيش على الورقة في الخامس والعشرين من الشهر ذاته، وأُحيل رسمياً إلى مكتب الرئيس الأميركي بعد ثلاثة أيام.

هذه الخريطة الزمنية تكشف مفارقة جوهرية: قناة التفاوض مع واشنطن ليست سرية أصلاً، فهي تمر عبر خارجية سلطة بورتسودان بتفويض من البرهان.

السرية المزعومة  ومعها الأزمة كلها  تخص لقاء كباشي تحديداً، وهنا يصبح السؤال الصحيح ليس “هل التقى كباشي بولس؟” بل “لماذا تحوّل لقاءٌ ضمن مسار قائم إلى قنبلة إعلامية؟”.

الإجابة تكمن في أن التسريب نفسه هو الرسالة، لا مضمونه.

في العلوم السياسية، يُعد لجوء الأطراف السياسية أو العسكرية إلى “التسريبات المتناقضة” مؤشراً كلاسيكياً على غياب التجانس الكامل في الرؤية الإستراتيجية للمرحلة، أو ما يُعرف بـ”تعدد مراكز القرار الواحدة”. ففي الأنظمة العسكرية المغلقة، لا يخرج تسريب بهذه الحساسية من “مصدر مقرّب مما يسمى بمجلس السيادة” عبثاً؛ عبارة “دون علم البرهان” ليست معلومة بقدر ما هي اتهام مغلّف، يضع نائب القائد العام في خانة فتح قناة خارجية منفردة، وهي في العرف العسكري السوداني تهمة ثقيلة تلامس حدود التمرد او الخيانة العظمى.

عندما سارع الجناح الأول (الذي يمثل التيار المتشدد من عسكر وكيزان) إلى تسريب رواية “عدم علم البرهان”، كان الهدف الإستراتيجي واضحاً:

تطويق الخطوة سياسياً: إحاطة تحركات كباشي بهالة من “عدم الشرعية” أو التصرف الفردي، لقطع الطريق على أي تفاهمات قد تنتج عن هذا المسار قبل أن تنضج.

الضغط الشعبي والعسكري: إحراج المكوّن البراغماتي داخل قيادة الجيش أمام القواعد العسكرية والحواضن السياسية (بما فيها تيارات الإسلاميين والمستنفرين) التي ترفع شعار “استمرار الحرب” وهو تسريب يتكرر للمرة الثانية بعد ذهاب كباشي للتوقيع على اتفاق المنامة.

في المقابل، جاء الرد السريع والمدروس من الجناح الموازي ليعيد صياغة المشهد، التأكيد على أن كباشي أطلع البرهان وعقار يهدف إلى إضفاء “المؤسسية” على اللقاء، وتحويله من خطوة “انشقاقية” أو فردية إلى مناورة إستراتيجية مدروسة للدولة، مع الحرص على بث رسالة طمأنة للداخل بأن كباشي تمسك بـ”موقف الحكومة الثابت”، وأن الأوراق المتبادلة أُحيلت مسبقاً عبر القنوات الرسمية (خارجية بورتسودان).

واللافت في الرواية المضادة تفصيلة بالغة الدلالة: أن البرهان، بعد إحاطته بالتفاصيل، “لم يرسل أي رد”، هذا الصمت ليس فراغاً؛ في لغة القيادات العسكرية، الصمت موقفٌ مدروس يحفظ للقائد حرية التنصل أو التبني لاحقاً بحسب ما تسفر عنه التطورات.

من الناحية الإستراتيجية العسكرية، تفرض تعقيدات الحروب الأهلية والنزاعات المركبة على القيادات عدم وضع البيض كله في سلة واحدة. هنا تبرز نظرية “الحقيبة المزدوجة” أو توزيع الأدوار:

مسار الخطاب المعلن المتشدد: يمثله عبد الفتاح البرهان، وهو الخطاب الملتزم بالثوابت العسكرية والشعبية، والمطالب بتنفيذ الاتفاقيات السابقة (مثل إعلان جدة) وانسحاب الدعم السريع الكامل من المدن كشرط أساسي لأي حوار، هذا المسار ضروري للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ورفع الروح المعنوية للقوات في الميدان.

مسار القنوات الخلفية (Back-Channel Diplomacy): ويمثله الفريق أول شمس الدين كباشي، الرجل الذي يمتلك تاريخاً مرناً في التفاوض ومقبولية نسبية لدى قوى إقليمية ودولية، يتحرك هذا المسار تحت الرادار لاستكشاف الفرص، وقياس مدى جدية الأطراف الدولية، وتجنب فرض عزلة دبلوماسية خانقة على حكومة بورتسودان.

وبهذا المعنى، ثمة قراءة لا تقل وجاهة عن فرضية “التمرد الناعم”: أن يكون البرهان نفسه مهندس هذا الغموض المُدار، فهو ممسك بالموقف العلني المتشدد  رفض ربط الهدنة الإنسانية المقترحة (تسعون يوماً) بانسحابات متبادلة  ليحافظ على تماسك تحالفه الداخلي، بينما يُبقي عبر كباشي نافذة استكشاف يمكن التنصل منها إذا فشلت أو أثارت غضب المتشددين، إنه النمط الكلاسيكي للتفاوض تحت الضغط: الرجل الأول يرفض، والرجل الثاني يستمع، والقيادة تكسب الوقت والمعلومات دون أن تدفع ثمناً سياسياً.

المشكلة الحقيقية في الحالة السودانية ليست في وجود هذين المسارين، بل في أن “الضبط والربط” الإستراتيجي بينهما يعاني من هشاشة واضحة؛ فالخوف من “شبهة التنازل” يجعل المسار الثاني عرضة للطعن من الداخل بمجرد خروجه إلى العلن.

جغرافيا اللقاء ليست تفصيلاً محايداً. فالقاهرة، التي تعتبر أمن السودان “مسألة وجودية” على لسان رئيسها، تنسق مع البرهان تنسيقاً وثيقاً وتمسك بالكثير من خيوط الملف السوداني، ويصعب  منطقياً وبروتوكولياً  تصور أن تستضيف مصر لقاءً بين الرجل الثاني في الجيش السوداني ومبعوث الرئيس الأميركي “خلف ظهر” حليفها الأول؛ فذلك يورطها هي نفسها في لعبة أجنحة لا مصلحة لها فيها.

وعليه، فالاحتمالان المتبقيان كلاهما دالّ: إما أن اللقاء جرى بعلمٍ ضمنيّ على الأقل من رأس سلطة بورتسودان غير الشرعية،  ما يقوّض رواية “عدم العلم” من أساسها ويؤكد فرضية الغموض المُدار وإما أن القاهرة بدأت تراهن على أكثر من رأس داخل المؤسسة العسكرية السودانية، وهذا بحد ذاته مؤشر أخطر على البرهان من التسريب نفسه.

لا يمكن فصل هذا التضارب عن شخصية الطرف الآخر في اللقاء، مسعد بولس ليس دبلوماسياً تقليدياً في الخارجية الأميركية، بل هو مهندس علاقات الإدارة الأميركية في المنطقة وأفريقيا، والوصول إليه يعني بوضوح محاولة صياغة تفاهمات مباشرة مع مركز القرار الحقيقي في واشنطن.

وطلبُ بولس لقاء كباشي تحديداً لا البرهان ولا مسؤول خارجيته.. مجدداً يحمل دلالة لا ينبغي التهوين منها: واشنطن قد تكون تختبر محاورين بدلاء، أو تبني علاقة مبكرة مع الرجل الذي قد يكون شريك “اليوم التالي”، وهذا تحديداً ما يفسر عمق البارانويا المؤسسية التي فجّرها التسريب، ولقاءُ الرجل الثاني بمبعوث أجنبي منفرداً لا يُقرأ أبداً قراءة بريئة.

ولا يغيب عن التحليل البعد الإعلامي الإقليمي: أن تكون منصةُ التسريبين قناةً خليجية بارزة يعني أن تضخيم رواية “الشرخ داخل مجلس السيادة الانقلابي” يخدم  بقصد أو بغيره رفع كلفة التعنت على البرهان في اللحظة التي تُصاغ فيها خطة الهدنة الأميركية، وتحويل الملف الداخلي السوداني إلى ورقة ضغط تفاوضية.

تاريخياً، عانت الدولة السودانية في فترات الانتقال والأزمات من غياب الهياكل المؤسسية الصلبة القادرة على احتواء التباينات السياسية داخل أجهزة الدولة. في زمن الحرب الحالية، تفاقم هذا المأزق؛ إذ تحولت مؤسسة الرئاسة (مجلس السيادة الانقلابي في بورتسودان) إلى سلطة تدير الأزمة بالقطعة (Ad-hoc)، وسط ضغوط هائلة من جماعات المصالح، والمجموعات المسلحة المتحالفة، والتيارات السياسية المتباينة.

هذا التضارب يرسل إشارة مقلقة للمجتمع الدولي والإقليمي، مفادها أن مركز القرار السوداني يعاني من “التشظي التكتيكي”، فحينما يعجز المجلس عن تقديم رواية رسمية موحدة ومتماسكة حول لقاء على هذا المستوى من الأهمية، فإنه يمنح الخصوم فرصة لتصوير قيادة الجيش بأنها غير قادرة على الالتزام بأي مسار سياسي مستقبلي، أو أنها تقع تحت رحمة ضغوط تيارات الراديكالية الداخلية، بل إن التسريب يكشف لواشنطن قبل غيرها أن معسكر البرهان قابلٌ للاختراق من داخله وهي معلومة إستراتيجية قد تكون أثمن لدى المفاوض الأميركي من مضمون اللقاء ذاته.

إن ما حدث في كواليس لقاء “كباشي – بولس” ليس مجرد خلاف شخصي بين قادة العسكرية السودانية، بل هو تعبير دقيق عن “المخاض العسير” الذي تمر به سلطة بورتسودان غير الشرعية في بحثها عن نقطة التوازن الحرجة: كيف تحمي مكاسبها ونفوذ الاسلاميين، دون أن تغلق النوافذ الدبلوماسية التي قد تقيها السيناريوهات الدولية المظلمة؟

أياً كانت الحقيقة الحرفية للروايتين، فإن مجرد خروج الخلاف إلى العلن يثبّت ثلاث حقائق: أن معسكر الجيش ليس كتلة صمّاء أمام الورقة الأميركية، وأن قناة تفاوض حقيقية مفتوحة رغم سقف الخطاب الرافض، وأن كلفة أي تسوية مقبلة ستُدفع أولاً في صراع داخل بورتسودان قبل أن تُدفع على طاولة المفاوضات مع الدعم السريع.

الأيام القادمة لن تكشف فقط عن تفاصيل ما دار في غرف القاهرة المغلقة، بل ستكشف بدقة عن الطرف الذي يمتلك القدرة الفوقية على توجيه دفتي الحرب والسلام في السودان، والمؤشر الأجدر بالمراقبة واضح ومحدد: هل يُقصى كباشي من الملف التفاوضي في الأسابيع المقبلة فيكون ذلك انتصاراً للتيار المتشدد وإغلاقاً للقناة الخلفية أم يتكرس محاوراً رسمياً معلناً مع واشنطن، فيكون التسريب قد فشل في اغتيال المسار، وتكون المؤسسة العسكرية قد نجحت في ضبط إيقاع أجنحتها قبل الانتقال إلى طاولة التسويات الكبرى؟

What do you feel about this?