فاطمة لقاوة: كباشي في حقل الألغام.

4
lagawa

فاطمة لقاوة

لم يعد إسم الفريق أول شمس الدين كباشي يُطرح داخل معسكر بورتسودان بوصفه مجرد نائب للقائد العام، بل بإعتباره أحد أبرز وجوه الصراع الصامت على مستقبل السلطة داخل المؤسسة العسكرية، فالتسريبات التي تحدثت عن لقائه بالمبعوث الأمريكي في القاهرة، بعيداً عن الأضواء، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من اللقاء نفسه: هل بدأ كباشي يرسم لنفسه مساراً سياسياً مستقلاً، أم أنه لا يزال يتحرك داخل الحدود التي يرسمها عبد الفتاح البرهان؟

اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يرتبط فيها إسم كباشي بقنوات إتصال غير مُعلنة مع أطراف دولية، فقد سبقتها لقاءات المنامة التي أثارت جدلاً واسعاً، قبل أن تتراجع حدتها تحت ضغط التيار الإسلامي والقوى المتشددة داخل معسكر بورتسودان.

اليوم يتكرر المشهد بصورة تكاد تكون متطابقة: لقاء، ثم تسريب، ثم موجة من الجدل، ثم إنتظار لمعرفة ما إذا كان كباشي سيمضي في طريقه أم سيتراجع مرة أخرى.

هذا النمط لا يبدو عشوائياً، بل يكشف أن الرجل يحاول إختبار حدود الحركة داخل معسكر أصبح أسيراً لتوازنات معقدة، فهو يدرك أن الحرب إستنزفت الجيش والدولة، وأن المجتمع الدولي يبحث عن نافذة يمكن العبور منها إلى تسوية سياسية، لكنه يعلم أيضاً أن أي إنفتاح على هذا المسار قد يُفسَّر داخل معسكره بإعتباره خروجاً على الخط السياسي والعسكري الذي تفرضه القوى الأكثر تشدداً.

البرهان لا يبدو انه في موقع يسمح له بمنح كباشي مساحة واسعة للحركة، فالرجل بنى سلطته على إدارة توازنات دقيقة بين مراكز القوى العسكرية والإسلامية ابكيزانية، ويحرص على ألا يتحول أي من مساعديه إلى مركز نفوذ مستقل، لذلك فإن أي صعود سياسي لكباشي يُقرأ داخل هذه المعادلة بإعتباره تهديداً محتملاً لموقع البرهان نفسه، وليس مجرد إختلاف في أساليب إدارة الأزمة.

هنا يمكن فهم طبيعة العلاقة المركبة بين الرجلين؛ فهي ليست علاقة إنسجام كامل ولا صراع معلن، وإنما علاقة يحكمها توازن المصالح والخوف المتبادل.

البرهان يحتاج إلى كباشي بوصفه أحد أبرز قادة الجيش و ينحدر من منطقة أغلب شبابها تم إستغلالهم بندقجية ليكونوا وقود للحروب الممتدة، لكنه لا يريد أن يتحول كباشي  إلى البديل المقبول إقليمياً ودولياً،أما كباشي فيحتاج إلى البقاء داخل المؤسسة العسكرية، لكنه يدرك أن مستقبله السياسي يتطلب تقديم نفسه بإعتباره وجهاً أكثر براغماتية وأقل إرتباطاً بخطاب الحرب المفتوحة.

تزداد هذه التعقيدات مع بروز التباين الواضح بين كباشي والفريق أول ياسر العطا، فالعطا يمثل الإتجاه الذي يرفع شعار الحسم العسكري ويرفض تقديم أي تنازل سياسي، بينما تبدو مواقف كباشي أكثر ميلاً إلى الواقعية السياسية، إنطلاقاً من إدراكه أن إستمرار الحرب يضاعف خسائر الدولة ويزيد عزلة السودان.

هذا الاختلاف لا يعكس مجرد تباين في وجهات النظر، بل يعبر عن رؤيتين مختلفتين لمستقبل السلطة والدولة،

غير أن العقبة الأكبر أمام أي تحرك يقوده كباشي تتمثل في النفوذ الواسع للحركة الإسلامية وكيزانها داخل مؤسسات الجيش والمقاومة الشعبية، فهذا النفوذ لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح جزءاً من البنية العسكرية واللوجستية التي تعتمد عليها العمليات الميدانية، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة أو تقليص دور هذه المجموعات قد تواجه مقاومة عنيفة، وربما تؤدي إلى تصدع داخلي يصعب إحتواؤه.

كباشي، رغم حضوره العسكري، لا يمتلك حتى الآن حاضنة سياسية قادرة على حماية مشروعه-(كباشي ظل عازل نفسه عن مجتمعه وحتى أسرته الصغيرة)- أو تحويله إلى بديل حقيقي، فهو يتحرك داخل مؤسسة تتشابك فيها الولاءات العسكرية والأيديولوجية، بينما يعتمد خصومه على شبكات تنظيمية أكثر رسوخاً وتأثيراً،لذلك فإن قراءة تحركات كباشي ينبغي ألا تنطلق من تقييم نواياه الشخصية، بل من فهم حساباته السياسية.

الرجل يدرك أن إستمرار الحرب يهدد تماسك المؤسسة العسكرية ويزيد الضغوط الدولية والإقليمية، لكنه يعلم أيضاً أن أي محاولة للخروج من هذا المسار تتطلب توافقاً داخلياً لا يبدو متوافراً حتى الآن.

تكشف تحركات كباشي أن معسكر بورتسودان لم يعد كتلة متماسكة كما يحاول أن يظهر، بل أصبح ساحة لتنافس مكتوم بين مشاريع ورؤى متباينة، وإذا كانت لقاءات القاهرة قد حملت رسالة إلى الخارج بأن داخل المؤسسة العسكرية أصواتاً تبحث عن مخرج سياسي، فإنها في الوقت نفسه وجهت رسالة إلى الداخل بأن الصراع على مرحلة ما بعد الحرب قد بدأ بالفعل.

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع كباشي تحويل هذه المناورات إلى مشروع سياسي متماسك، أم أنه سيجد نفسه، كما حدث من قبل، مضطراً للتراجع تحت ضغط موازين القوى داخل معسكره؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل كباشي وحده، بل قد تحدد أيضاً شكل السلطة التي ستخرج من تحت أنقاض الحرب السودانية.

ولنا عودة بإذن الله

What do you feel about this?