بين متطلبات حصانة الانقلاب وإفلاس تمويله .. بماذا خرج لقاء الكباشي وبولس؟
وكالات – بلو نيوز
خلافًا لما يُشاع من غموض يكتنف لقاء الفريق شمس الدين كباشي بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس، فإن قراءة هذا الاجتماع لا تحتاج إلى انتظار تسريبات أو وثائق رسمية، ذلك أن بولس نفسه لم يترك موقفه وموقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رهين الغرف المغلقة، بل أعلنه صراحة أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية.
فمستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية أكد في تصريحات متكررة لقنوات عربية أن لا حل عسكريًا للأزمة السودانية، وأن الطريق الوحيد هو العودة إلى مسار سياسي يفضي إلى هدنة إنسانية ووقف لعملية إطلاق النار، وهو ما رسّخه بيان برلين الأخير الذي اعتبره بولس خارطة طريق للحل في السودان.
ولم يكتفِ بولس بالتنظير لهذا الموقف، بل انتقل إلى مرحلة تفعيله عملياً، فقد أعلن في مؤتمر صحفي بأبوظبي أن واشنطن قدّمت نصًا قويًا لهدنة إنسانية لم يوافق عليه الجيش السوداني، ثم كرر هذا الموقف في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي أواخر يونيو 2026، حين أكد أن البرهان رفض المقترحات التي تسلّمها بشأن الهدنة الإنسانية، وهو ما دفع الخارجية بسلطة بورتسودان والتي تعد الواجهة الدبلوماسية لتنظيم الحركة الإسلامية الإرهابية بالرد على إحاطه بولس بأن بورتسودان لم ترفض المقترح إنما أبدت ملاحظات عليه.
بعبارة أخرى، فإن مسعد بولس يسعى منذ أشهر إلى فرض هدنة إنسانية كخطوة أولى نحو مسار سياسي شامل، وقد اصطدم برفض سلطة الأمر الواقع بقيادة قائد الانقلاب البرهان.
وعليه، فإن لقاءه بالكباشي لا يُقرأ كخطوة معزولة، بل كامتداد طبيعي لمحاولته المستمرة كسر هذا الجمود، إما عبر تليين الموقف العسكري من الداخل، أو عبر البحث عن قناة موازية للتفاوض بعيدًا عن الرفض المعلن من رأس المؤسسة العسكرية.
مناورة قائد الانقلاب
غير أن الأهم من رصد الموقف الأمريكي هو فهم الطريقة التي يتعامل بها قائد الانقلاب مع هذا الضغط.
فمنذ نجاح ثورة ديسمبر، مروراً بالفترة الانتقالية، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، اعتمد نمطاً ثابتاً قوامه المناورة وكسب الوقت وإرسال رسائل متناقضة لأطراف متعددة في آن واحد.
هذا النمط، الذي بدا في لحظات معينة وكأنه ينجح في تفادي الاستحقاقات، تحول مع الوقت إلى استراتيجية عالية الكلفة، فكل جولة مناورة جديدة تُفقده رصيدًا باهظا من المصداقية لدى الوسطاء الدوليين، وتُضيّق هامش الثقة الذي يمكن البناء عليه في أي تفاوض لاحق.
والمفارقة أن هذه المناورة، التي يُفترض أنها أداة لتمديد بقائه في موقعه، هي ذاتها التي تُراكم عليه فاتورة سياسية ودبلوماسية – داخلية وخارجية – يصعب تسديدها لاحقًا، لأن من اعتاد أن يعِد ثم يتراجع لا يجد من يعامله كطرف يمكن الوثوق والاطمئنان لتفاهماته.
هذه المناورات ونهجها الثابت والمتكرر بذات الطريقة تقود إلى سؤال حتمي من يملك القرار داخل السلطة في بورتسودان أصلًا؟ فالمعطيات المتراكمة منذ سقوط المخلوع عمر البشير تشير إلى أن قائد الانقلاب لا يتحرك بمعزل عن التنظيم الذي أوصله إلى موقعه، أي بقايا الحركة الإسلامية الإرهابية وشبكاتها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. فخضوعه لهذا التنظيم ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو الإطار الذي يحدد سقف ما يمكنه تقديمه في أي تسوية.
إن كل تفاهم مع وسطاء دوليين يصطدم، عاجلًا أو آجلًا، بفيتو غير معلن من قوى الإسلام السياسي الإرهابي التي ترى في أي تسوية شاملة تهديدًا مباشرًا لنفوذها ووجودها. وهذا ما يفسر التناقض المتكرر بين ما يُعلن من انفتاح على الوساطات وما يُترجم فعليًا على الأرض من تعطيل وتسويف.
وما يزيد هذا التوجس تعقيدًا هو أن ما يُطلق عليه إعلاميًا “المجلس السيادي” ليس في جوهره سوى واجهة مدنية لمجلس عسكري يحتفظ بالقرار الفعلي. فالحرص الذي يبديه قائد الانقلاب وأعضاء هذا المجلس على أي تسوية ليس بالضرورة حرصًا على مصلحة البلاد بقدر ما هو حرص على تأمين موقفهم الشخصي، تأمين ضد أي ملاحقة قانونية لاحقة، محلية أو دولية، عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب وقبلها.
هذا الهاجس – هاجس الحصانة والإفلات من المحاسبة – يفسر لماذا تصطدم كل مبادرة، مهما بدت معقولة، بتعقيدات غير معلنة، فأي تسوية سياسية شاملة تفتح الباب أمام العدالة الانتقالية تُهدد مباشرة من صاغوا قرار الانقلاب ومن نفّذوه ميدانيًا.
كلفة التمويل
في نهاية المطاف، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في نوايا هذا الطرف أو ذاك، بل في حساب بسيط تتجنب سلطة الأمر الواقع وقائد الانقلاب مواجهته، فما لم يُدركا أن استمرارية التمويل واستدامته على المدى المتوسط والبعيد باتت كلفة لا يمكن ضمانها، فلن يكون هناك أي حافز حقيقي للتنازل والموافقة على مقترحات بولس وخطته. فالمناورة، مهما طال أمدها، تصطدم عاجلًا أم آجلًا بحائط الأرقام، لا بحائط الإرادة السياسية وحدها.
المؤشرات الدولية الموثقة تكشف حجم الانهيار الذي تراكم خلال أقل من أربع سنوات من القتال.
فقد قدّر البنك الدولي أن السودان خسر نحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن الاقتصاد ككل انكمش بأكثر من 30% منذ اندلاع الحرب، في وقت قدّرت فيه دراسات متخصصة تكلفة إعادة الإعمار وحدها بما يتجاوز 10 مليارات دولار، أي قبل احتساب كلفة استمرار العمليات العسكرية والإنفاق الأمني اليومي.
وإذا استمرت الحرب حتى عام 2030، فإن “نموذج تقديري” مشترك تم إعداده بين معهد الدراسات الأمنية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي توقع أن يكون الناتج المحلي الإجمالي للسودان أدنى بمقدار 34.5 مليار دولار بحلول عام 2043 مقارنة بسيناريو توقف النزاع، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج بنحو 1700 دولار، وانزلاق أكثر من 60% من السكان تحت خط الفقر المدقع.
هذه الأرقام تعني – وبوضوح شديد – أن الشعب السوداني هو من يدفع الثمن الأكبر، و تعني عمليًا أن قاعدة الموارد التي تقوم عليها استمرارية أي سلطة أمر واقع – عسكرية كانت أم موازية – آخذة في التآكل بمعدل متسارع، فكل شهر إضافي من القتال يستنزف من الموارد ما يصعب تعويضه، ويضيّق هامش المناورة المالية اللازم لتمويل الرواتب والعتاد واللوجستيات وشبكات الولاء التي يقوم عليها أي مشروع عسكري موازٍ.
وبينما تتراجع خطط الاستجابة الإنسانية الدولية إلى تمويل لا يتجاوز نسبة ضئيلة من احتياجاتها المعلنة، يتضح أن لا أحد في المدى المنظور سيغطي هذه الفجوة المتسعة نيابة عن أطراف الحرب.
إن المأزق الحقيقي أمام قائد الانقلاب الان، هو إما أن يستمر في المراهنة على قدرة الاقتصاد الموازي والدعم الإقليمي على تعويض هذا الاستنزاف إلى أجل غير مسمى، وهو رهان تكذبه الأرقام والإحصائيات الموثوقة، أو أن يقر بأن استمرار المناورة سيقوده حتمًا إلى نقطة تصبح فيها كلفة الاستمرار في الحرب أعلى من كلفة القبول بتسوية سياسية، ولو منقوصة.
وما لم يصل إلى هذه القناعة، فإن أي جولة تفاوض جديدة مع بولس أو غيره ستبقى محكومة بذات المنطق، مطاولة زمنية تُراهن على صبر الوسطاء أكثر مما تراهن على معالجة السبب الجذري، وهو استحالة تمويل الحرب إلى ما لا نهاية.
إن قراءة لقاء الكباشي وبولس، إذن، لا تكتمل بسؤال “ماذا اتُّفق عليه؟” وحده، بل تستدعي ثلاثة أسئلة متلازمة: هل يملك قائد الانقلاب فعلًا هامشًا للتحرك خارج سقف الحركة الإسلامية الإرهابية؟ وهل يمكن لأي تسوية أن تصمد ما دام أصحاب القرار يقيسونها بمعيار حماية أنفسهم من المحاسبة؟ وهل تحمّل بنية التمويل المتآكلة استمرار المراهنة على المناورة لسنوات إضافية؟ فما لم تُعالَج هذه الملفات الثلاثة مجتمعة، فإن أي هدنة، مهما بدت واعدة على الورق، ستبقى محكومة بذات المنطق الذي حكم كل المحطات السابقة، مناورة تُشتري بها الوقت، لا تسوية تُنهي الحرب.
صحيح السودان
