قبل أن يسقط آخر شاب .. من المستفيد من استمرار الحرب في السودان؟
وكالات – بلو نيوز
تفرض الحروب الطويلة على المجتمعات رواياتٍ تتحول، مع مرور الوقت، إلى حقائق لا يجرؤ كثيرون على مساءلتها.
يقنع تكرار الخطاب السياسي والإعلامي الشعب بأن ما يجري قدرٌ لا مفر منه، وأن استمرار القتال هو الطريق الوحيد لحماية الوطن. ومع اتساع رقعة الدمار، تتراجع الأسئلة الكبرى، ويتحول الموت إلى حدث يومي يمر من دون مراجعة للفكرة التي قادت إليه.
الحرب الدائرة في السودان تفرض إعادة النظر في تلك المسلمات فرضاً.
إن المدن تُدمر، والاقتصاد منهار، والمجتمع يتشظى، وآلاف الشباب يسقطون كل يوم على جبهات القتال، بينما يتوارى السؤال الذي يجب أن يتقدم كل الأسئلة: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الحرب؟
كثير ممن يحملون السلاح اليوم يفعلون ذلك بدافع الإخلاص للوطن، وإيماناً منهم بأنهم يؤدون واجباً وطنياً. هذه القناعة تستحق الاحترام، لأنها تنبع من استعداد للتضحية بالنفس. إلا أن احترام النوايا لا يعفي، مع ذلك، من مراجعة الفرضيات التي تقوم عليها الحرب، ولا من مساءلة الخطاب السياسي والعقائدي الذي يمنحها شرعيتها.
يحدثنا التاريخ المعاصر إن السودان لم يكن غريباً عن الحروب منذ استقلاله عام 1956. حيث نشبت معظم صراعاته المسلحة استجابةً لمظالم حقيقية، تمثل في تهميش أقاليم بأكملها، وتوزيع غير عادل للثروة والسلطة، وإقصاء ممنهج لهويات وثقافات متعددة عن مركز القرار.
هذه المظالم فجّرت الحرب في الجنوب قبل الانفصال، وأشعلت جبهات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. غير أن عهد سيطرة الحركة الإسلامية الإرهابية منذ تاريخ انقلابها في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ المشئوم على مقاليد الحكم شكّل استثناءً خطيراً في هذا المسار الطويل من الحروب.
حيث أعاد هذا العهد إنتاج المظالم القديمة، وأضاف إليها بعداً أشد خطورة، توظيفاً مغلوطاً للدين والعقيدة القتالية، حوّل صراعات سياسية واجتماعية إلى معارك تُصبغ بصبغة دينية زائفة، ومنح القتال ضد أبناء الوطن غطاءً عقائدياً يمنحه شرعية مصطنعة.
بهذا التوظيف، تحولت الحرب من استجابة لمظلمة إلى مشروع بنيوي يعيد إنتاج نفسه، ويُلبس العنف لبوساً مقدساً يصعب مساءلته أو مواجهته.
شهد السودان ثلاثة عقود – ولايزال – من حكم الحركة الإسلامية الإرهابية، أعادت خلالها تشكيل الدولة ومؤسساتها وفق مشروع سياسي محدد، وانتهت إلى إضعاف الخدمة المدنية، ونهب الاقتصاد، وتآكل مؤسسات الدولة، وتوسيع الانقسامات داخل المجتمع.
إن الحرب التي يعيشها السودان اليوم هي امتداد مباشر لذلك الإرث الثقيل، ونتيجة طبيعية لتراكمات سياسية وأمنية وإدارية امتدت لسنوات طويلة، حتى عجزت الدولة تماما عن احتواء خلافاتها داخل إطارها المؤسسي.
إن المفارقة المؤلمة أن الجيل الذي يدفع الثمن اليوم لم يتخذ القرارات التي قادت البلاد إلى هذا المصير. معظم الشباب الذين يقاتلون الآن كانوا أطفالاً، أو لم يولد بعضهم بعد، حين بدأت السياسات التي أسست للأزمة الحالية.
ومع ذلك، أصبحوا وقوداً لحرب يدفعون فيها أرواحهم ثمناً لأخطاء لم يشاركوا في صناعتها، بينما تسعى القوى التي حكمت البلاد لعقود إلى إعادة إنتاج دموي لحضورها السياسي، وكأنها لم تكن أساس المشكلة.
يعلمنا تاريخ الصراعات أن الحروب تمنح القوى التي تواجه أزمات وجودية فرصة لإعادة ترتيب مواقعها، وإعادة صياغة صورتها أمام الرأي العام. حين تنشغل الشعوب بمعارك البقاء، تتراجع الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية السياسية، ويصبح الحديث عن الماضي ترفاً في نظر البعض، رغم أن فهم الماضي هو المدخل الوحيد لتجنب تكراره.
هذا الطرح لا يعفي أي طرف من مسؤوليته عن الانتهاكات والمآسي التي وقعت خلال هذه الحرب.
إن المقصود هو إعادة ترتيب المسؤوليات وفق تسلسلها التاريخي والسياسي.
إن المشروع السياسي الذي حكم السودان أكثر من ثلاثين عاماً خضع بالفعل للتقييم، وقال الشعب كلمته فيه بوضوح وبصوت عالٍ في ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018.
حين تكون نتيجة هذا المشروع دولةً منهكة، واقتصاداً متداعياً، ومؤسساتٍ ضعيفة، وحرباً تهدد بقاء الوطن، تصبح إزاحته واجباً وطنياً، لا موقفاً سياسياً.
تبقى أسئلة لا يجوز أن تغيب عن ضمير كل ضابط وجندي سوداني، مهما كانت رتبته أو موقعه.
العقيدة القتالية ليست مجرد أوامر تُنفذ؛ إنها فلسفة تحدد طبيعة العدو، والغاية من استخدام القوة، والرسالة التي يحملها الجيش تجاه وطنه.
من حق كل عسكري أن يراجع تجربته المهنية بصدق، منذ التحاقه بالقوات المسلحة، كم مرة حمل السلاح في مواجهة جيش أجنبي اعتدى على حدود السودان أو احتل جزءاً من أراضيه؟ وكم مرة وجد نفسه يقاتل أبناء وطنه؟ هل أصبح القتال داخل الحدود هو المهمة الدائمة للمؤسسة العسكرية، بينما بقيت وظيفتها الأصلية، حماية البلاد من الأخطار الخارجية، مؤجلة إلى أجل غير معلوم؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من شرف العسكرية؛ هي تذكير بجوهر رسالتها.
الجيوش الوطنية تُبنى لحماية سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتظل قوة الدولة الحقيقية في قدرتها على ردع أعدائها، لا في استنزاف أبنائها.
الخسارة الأكبر في هذه الحرب تُقاس بعدد الشباب الذين يفقدهم السودان كل يوم؛ فهذا الرقم يتجاوز في خطورته حجم المباني المدمرة والخسائر الاقتصادية مجتمعة. هؤلاء الشباب كانوا الطاقة القادرة على إعادة بناء الدولة، والنهوض بالاقتصاد، وتطوير التعليم، وقيادة نهضة البلاد بعد سنوات طويلة من الأزمات. كل مقاتل يسقط اليوم يترك فراغاً لن تملأه سنوات من إعادة الإعمار.
ولنا في تجارب دول أخرى عبرة بيّنة. رواندا خرجت عام 1994 من إبادة جماعية مزّقت نسيجها الاجتماعي بالكامل، ووعت الدرس، بنت مؤسسات دولة موحدة، ووضعت مسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية موضع التنفيذ الفعلي، فتحولت خلال ثلاثة عقود إلى واحدة من أسرع اقتصادات أفريقيا نمواً، وأصبحت عاصمتها كيغالي نموذجاً للانضباط والتخطيط الحضري.
وألمانيا واليابان، بعد أن حصدت عقيدتهما القتالية المغلوطة ملايين الأرواح في الحرب العالمية الثانية، أعادتا صياغة عقيدتيهما الوطنية على أساس سيادة القانون والتنمية الاقتصادية، فصارتا خلال جيل واحد من كبرى القوى الاقتصادية في العالم.
الدرس واحد في كل هذه التجارب، إلا وهو أن الدول تنهض حين تعترف بجذور أزمتها، وتعيد بناء عقيدتها الوطنية بعيداً عن أوهام الحرب الدائمة، لا حين تكرر السردية نفسها وتنتظر نتيجة مختلفة.
آن الأوان لإيقاف نزيف الدم. الحرب طالت، واستمرارها يستنزف المورد الأثمن الذي يملكه السودان، الإنسان.
الوطن يحتاج إلى شبابه في الجامعات والمصانع والحقول ومراكز الأبحاث ومؤسسات الدولة، ويحتاجهم أيضاً داخل جيش وطني محترف، موحد، قادر على الدفاع عن حدود البلاد وسيادتها إذا تعرض السودان يوماً لعدوان خارجي.
استمرار استهلاك هذه القوة البشرية في حرب داخلية يحقق نتيجة واحدة لا تحتمل التأويل، سودان أضعف، ومجتمع أكثر إنهاكاً، ودولة أقل قدرة على حماية نفسها ومستقبلها.
تبقي الحقيقة التي يجب أن يواجهها الجميع، قبل أن يسقط شاب آخر على جبهة جديدة، إن من يخدم استمرار هذه الحرب هم الذين يخشون أن تبدأ لحظة الحساب عندما يصمت صوت البنادق؟
صحيح السودان
