مصطفي محمد باخت ابووعد “الحق ابلج”: الفساد هو العدو الصامت الذي يهزم الدول من الداخل

4
bakhet

مصطفي محمد باخت ابووعد

مدخل اول:

ليست الحروب وحدها هي التي تدمر الأوطان ولا الأزمات الاقتصادية وحدها هي التي تعصف بمقدرات الشعوب، بل إن هناك عدوًا أكثر خطورة وأشد فتكًا يعمل في صمت ويتمدد داخل مفاصل الدولة حتى يفقدها مناعتها وقدرتها على البقاء، ألا وهو الفساد.

فالفساد لا يهدم الدول فجأة وإنما يتسلل إليها تدريجيًا، فيبدأ بإضعاف المؤسسات،ثم يضرب سيادة القانون ويهدر المال العام ويحول الوظيفة العامة من أمانة لخدمة المواطنين إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة. وعندما تصبح المحسوبية والولاءات الضيقة معيارًا للتعيين والترقي، تتراجع الكفاءة وتتعطل التنمية ويصبح الفشل هو النتيجة الطبيعية ولعل أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق الأموال والقوت فحسب، بل يسرق الأمل والقيم أيضًا.فهو يدفع الكفاءات إلى الهجرة أو التهميش ويزرع الإحباط في نفوس الشباب ويخلق شعورًا عامًا بانعدام العدالة والمساواة، فتتآكل الثقة بين المواطن والدولة ومؤسساته، وهي الثقة التي تُعد أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي

مدخل ثاني:

وفي الدول التي تمر بظروف الحرب مثل السودان أو مراحل الانتقال السياسي يصبح المفسدين والفساد أكثر فتكا وتدميرًا لأنه يبدد الموارد المحدودة ويعطل جهود إعادة البناء والتاسيس ويغذي الصراعات ويمنح أصحاب النفوذ والمصالح الضيقة فرصة للثراء على حساب معاناة واوجاع المواطنين وهكذا تتحول الدولة من أداة لتحقيق التنمية والعدالة إلى ساحة تتصارع فيها المصالح والنفوذ وإن بناء وتاسيس الدولة الحديثة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وإنما باعادة الهيكلة وإصلاح المؤسسات وترسيخ مبدأ سيادة القانون وتطبيق مبدأ المحاسبة دون إستثناء لاحد مهما كانت وعلت مكانته واعتماد الكفاءة والنزاهة معيارًا وحيدًا لتولي المسؤولية. فالدول التي نجحت في تحقيق النهضة والازدهار لم تعتمد على وفرة الموارد وحدها، بل جعلت من الشفافية والمساءلة ركيزة للادارة والحكم الرشيد وإن معركة مكافحة الفساد ليست خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها وكل يوم يتأخر فيه الإصلاح وحسم الفساد، تتزايد كلفة الإنقاذ وتتسع دائرة الفساد والمفسدين ويصبح استرداد مؤسسات الدولة أكثر صعوبة.

مدخل ثالث:

إن الوطن الذي تُصان فيه الأمانة  ويُحترم فيه القانون وتُحفظ فيه الحقوق، هو وطن قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. أما الوطن والشعب الذي يتسامح مع الفساد ولايستطيع قول لا للمفسدين، فإنه يفتح أبواب الانهيار بيديه مهما امتلك من ثروات وإمكانات كامنة او ظاهرة، فالفساد ليس مجرد مخالفة إدارية أو جريمة مالية او ستغلال نفوذ او سلطة مطلقة، بل هو مشروع هدم بطيء للدولة وعدو صامت يقضي على الأمم من الداخل قبل أن يهزمها أي عدو من الخارج ، فالتاريخ يبين أن انهيار المؤسسات غالبًا ما يبدأ من الداخل عندما يترسخ الفساد وتغيب الشفافية والمساءلة، بينما يشكل الحكم الرشيد وسيادة القانون أساسًا لاستقرار الدول ونهضتها.

What do you feel about this?